الرئيسية / مقالات / عن «داعش» الذي يشبهنا… وذلك الذي لا يشبهنا

عن «داعش» الذي يشبهنا… وذلك الذي لا يشبهنا



بيسان الشيخ

لدى الحديث عن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، غالباً ما ينطلق البحث من خاصية العنف المفرط والدموية، سواء لجهة الإقدام على أعمال عنفية، أو لجهة استعراض هذا العنف وتعميمه.

ولا يمكن تناول «داعش» ضمن أي سياق أو مقاربة بحثية، من دون ربطها مباشرة بـ «هوية بصرية» فرضتها بفعل الصدمة، وسعة الانتشار، ثم جودة المنتج الترويجي – الإعلامي. لكن، أيضاً بصفتها النموذج الأول لـ «دولة خلافة» معلنة على هذا النحو، وعابرة للحدود «الوطنية».
العنف وحده يجب ألا يختصر محاولات فهم التنظيم وسر جاذبيته لدى الشريحة الشابة، لأنه لا يشكل بحد ذاته ومجرداً من العوامل الأخرى، عنصر جذب أو طرد. فلو كان المنضمون إلى «داعش» مجرد شباب متعطشين للدم، لكانوا ارتكبوا جرائم جنائية في بيئاتهم الأولى أفرغوا عبرها شحناتهم العنفية، أو ربما تحول المغالون منهم إلى قتلة متسلسلين، أو انتسبوا إلى عصابات ومجموعات عنفية مجردة من أي بعد سياسي أو مشروع بعيد المدى.
لكن غالبية هؤلاء، خصوصاً الغربيين ممن نعرفهم على الأقل وكشفت لنا «بروفايلاتهم»، ليسوا من أصحاب السوابق، ولا هم بالضرورة «أشرار» بالمعنى التقليدي للكلمة، بل تتكرر في وصفهم خصال وسمات مسالمة وإيجابية إلى حد بعيد. وإلى ذلك، هم اقتنعوا بنمط حياة، وليس نمط موت فحسب، وبرنامج اجتماعي تركوا لأجله أنماط حياتهم السابقة.
وحيث لا يستبعد العنف هنا من باب التخفيف منه أو القبول به، يبقى أنه لم يكن بذاته يوماً عائقاً فعلياً أمام تسلم السلطة أو فرضها أو حتى الحفاظ عليها، لا بل كان ولا يزال وسيلة معتمدة للأنظمة والمجموعات الثورية – الانقلابية – التحررية… إلخ. لتحقيق أهدافها في الوصول إلى الحكم. بهذا، يمكن إذاك ربط ممارسات «داعش» الدموية بما قد يسمى «قانون عقوبات» لا يزيد أو يقل بالضرورة بشاعة عن قوانين معتمدة ومطبقة في بعض الدولة، إلا لجهة الإشهار والتباهي.
صحيح أن الفارق بين «داعش» والدول أو المجتمعات المعنية بتطبيق هذه الممارسات العنفية يكمن في الشرعية، سواء قانونية أو سياسية أو حتى اجتماعية، لكن لا شيء يمنع حالياً من أن يثبت «داعش» جدارته ويتخطى عمر الحضانة والخطر (وقد مضى عام عليه الآن) فينجح في أن يفرض نفسه «دولة» قابلة للحياة وتنتظم ضمن سياقات داخلية وخارجية تلتزم بها الدول ومنها احتكار العنف، وتنفيذ أحكامه تحت سلطة القانون بعيداً من البروباغاندا.
«قلبي بات معلقاً»
فـي كــتــاب مارك كــوكـيس «My heart became attached ،the strange odyssey of John Walker Lindh» الصادر في 2003 يتناول الكاتب سيرة الأميركي الأول الذي حمل السلاح إلى جانب «طالبان». منذ أكثر من 13 عاماً، بحث الكاتب تماماً عما نبحث عنه اليوم، فسأل ما الذي يحمل شاباً أميركياً أبيض من كاليفورنيا إلى جبال أفغانستان لخوض حرب يفترض أنها لا تعنيه؟
«قلبي بات معلقاً» عنوان يقول الكثير عن ذلك التوق العميق والحاجة الدفينة إلى معنى، أو قضية يبذل المرء نفسه من أجلها، فتهون عليه نفسه… وكيف إذا كانت القضية (بنظره) محقة وعادلة.
صحيح أن تجربة ليند ربما تختص أكثر بالمعتنقين الجدد الديانة الإسلامية، وهم كأي وافد جديد على أي حزب أو معتقد أو نمط، معرضون للمغالاة بهدف إثبات الانتماء والولاء، إلا أنه يضيء أيضاً على جوانب كثيرة من أزمة يعيشها الجيل الشاب في الغرب وبلداننا على السواء. أزمة بدأت في 11 أيلول (سبتمبر)، وتخمرت خلال 10 سنوات من الحرب على العراق وفيه، ثم انفجرت غداة ثورات الربيع العربي وتحولها في سورية تحديداً إلى مقتلة يومية.
إذا كان يمكن الحديث عن شقاق سني – شيعي دفع بلبنانيين (ويبلغ عددهم نحو 900 وفق «المركز الدولي للدراسات حول التطرف»* وهو رقم ضخم مقارنة بعدد السكان) إلى الالتحاق بـ «داعش» و «النصرة» قبله، ومظلومية سنّية متجذرة وقائمة على عداء سياسي قديم للنظام السوري، فإن ذلك لا يصح على المنضمين الأردنيين مثلاً، حيث تلعب الهوية الوطنية (فلسطيني – شرق أردني) وليس الهوية الطائفية الدور الأساس في شحذ تلك الهمم. أما في تونس، المورّد الأول لمواطني هذه الدولة، (ويفترض أنهم يبلغون نحو 3 آلاف) فقد كان البحث عن حلم «الخلافة» بعيداً من علمانية مفرطة ومترافقة بقمع الهوية الدينية، محركاً دفيناً لشبان المناطق الداخلية المحرومة الذين لم تستوعبهم بيئة الثورة ولا بيئة حزب النهضة الذي بدا لكثيرين منهم أكثر براغماتية مما يرغبون. وهي بالمناسبة الذريعة نفسها التي قدمها شبان فلسطينيون هجروا «حماس» إلى «داعش» لأنها بدورها لم تعد تكفيهم.
وإلى ذلك، يقدم العراق، المنبت الأول للتنظيم، نموذجاً آخر عن تقاطع البيئة العشائرية برواسب البعث وفشل نموذج الحكم ما بعد صدام في خلق هوية وطنية جامعة، أو حتى مشروع مشترك يضم أطياف المجتمع العراقي، فجاءت العقلية الانتقامية المشبعة بـ «اضطهاد سابق» لتعزز عبثية الحرب الأميركية وتضع نصب أعين العراقيين «اضطهاد لاحق»، تجسدت ذروته في معتقل أبو غريب، وتركت صوره جرحاً نازفاً في كبريائهم الجماعي.
وتعرض البيئة السورية التي حضنت جزءاً من هذه الدولة، حالة أخرى تتشابك فيها البعثية بالعشائرية بجنوح مقاتلين محليين إلى تنظيم يقدم لهم إنجازات ملموسة على أرض المعركة مع وفرة مالية وحفاظ على بنية تحتية مؤسساتية بـ «تغيير إداري». ونذكر على سبيل المثل لا الحصر قطاعات حيوية مثل الكهرباء وجبايتها، وضخ المياه، وتشغيل السدود وإبقاء الموظفين وزيادة رواتبهم… إلخ. هذا وتغذت «الداعشية السورية» من وضع نفسي وفكري يقوم في شكل أساسي على ظلم كبير لحق بالأكثرية (الطائفة السنّية) على يد الأقلية (الطائفة البعثية – العلوية). ووجد ذلك الخطاب صدى كبيراً لدى جيل شاب ما عاد لديه الكثير ليخسره أصلاً، فيما ترده يومياً صور الفظاعات من ميادين الحرب والمعتقلات على السواء، في وقت لم تقدم له الخيارات السلمية أو الأقل عنفاً أي نتائج فعلية، فانصب همه الأول على التخلص من شر مقيم، مؤجلاً النظر في الشرور الأخرى.
المهاجرون العرب
لعل المهاجرين من البلدان العربية والإسلامية عموماً، وجدوا في نموذج «داعش» يوتوبيا «الخلافة» التي يطمحون إليها. فهم، إضافة إلى خوضهم حرباً مقدسة ضد الظلم، يقيمون عملياً وينشئون عائلاتهم في التجربة الواقعية الأولى والملموسة لحكم الشريعة.
ذلك أن «داعش» جاء بوعد وحلم يدغدغ خيال أي شاب مسلم، وهو إقامة الخلافة وما تعنيه من عدالة إلهية على الأرض عوضاً عن حكم القوانين الوضعية التي اختبروها أسوأ اختبار في الأنظمة العلمانية أو تلك التي زاوجت الدين بالسياسة.
المهاجرون الغربيون
في فصل بعنوان «نداء الجهاد الأخير» من كتاب كوكيس نفسه، وخلال الأحداث الدموية لسجن مزار الشريف في أفغانستان، يلتقي ضابط أميركي بـ «جون ووكر ليند»، من دون أن يعلم بعد أن الأخير مواطنه، لكنه يدرك أنه يتحدث الإنكليزية. يصيح في وجهه ويسأله مراراً ماذا يفعل هنا؟ وإن كان يدرك أن المجموعات التي ينتمي إليها هي في الواقع (الآخر) تنظيمات إرهابية. الصمت المطبق كان الإجابة الوحيدة التي نالها. وكان يمكن آنذاك «ليند» أن يسلم نفسه ويتم ترحيله بصفته «مغرراً به»، لكنه بقي، ولبى نداء الجهاد الأخير.
مثله كثيرون اليوم يلبون هذا النداء، ولا تزال لدى كثيرين منهم فرصة النجاة والعودة، لكنهم على ما يبدو، عند كل اختبار يتمسكون بخيارهم أكثر. فهؤلاء شباب وفتيات عاشوا قيم الغرب التي تقوم في شكل أساسي على الديموقراطية، وتداول السلطة، وحقوق الإنسان، والحرية الفردية، وحرية المعتقد والمساواة وغير ذلك مما أنجزه الغرب عموماً لأبنائه، وأهمه إبعاد العنف عن ميدان المنافسة السياسية.
لكن، لدى تطبيق تلك المبادئ على أرض الواقع، يصطدم هؤلاء بدرجة من ازدواجية المعايير والاختلال القيمي وسرعان ما يصابون بالخذلان، لا سيما إذا كانوا من أصول مهاجرة (حيث تضطهد هويتهم المكتسبة هويتهم الأولى). فصحيح أن العنف لا يمارس في القضاء على خصم سياسي في بلدانهم، لكنه الوسيلة الأولى المستخدمة من جانب حكوماتهم نفسها في التعامل مع الخارج. وعليه، تكرس موازنات من جيوب دافعي الضرائب لخوض حرب لإسقاط ديكتاتور هناك، فيما تبرم التحالفات مع غيره هناك. وهكذا، عندما ترتفع الأصوات المنادية بالحرية وحقوق الإنسان والتغيير بالطرق السلمية، لا يحظى المطالبون بها بأي دعم سياسي أو عسكري، ويتركون وحيدين في مواجهة آلات دمار شامل. إنه اصطدام القيم الحديثة ومسؤولية الأفراد في حمايتها والقدرة الفعلية على تطبيقها أو حتى فرضها على أجندة السياسات الخارجية. وهي المعضلة الأخلاقية التي واجهتها المجتمعات الغربية، خصوصاً الأميركية في حرب فيتنام، وتعود لتطرح عليها الآن بصيغ مختلفة.
جذب النساء
يرى بعضهم أن عنصر جذب المرأة للتنظيم يختلف عن جذب أقرانها من الذكور، وأن دورها يقتصر على أن تكون زوجة صالحة للمجاهد. لكن ذلك فيه الكثير من الاختزال لدور النساء وخيارهن الحر إلى حد بعيد في اعتماد هذا المهجر «الداعشي». فثمة حالة «نسوية» ناشئة ضمن «داعش» نفسها تطلب من المرأة طبعاً أن تكون زوجة مطيعة وصالحة، لكنها أيضاً تجعلها مسؤولة مباشرة عن تنشئة جيل صغير (أو ما يسمى بلغة البعث – الطلائع)، وتمنحها دوراً كبيراً في التجنيد، والدعاية الإعلامية، وفرض النظام الاجتماعي وتعميم النمط والسلوك عبر الشرطة النسائية وغيرها من مفاصل الحياة اليومية التي تتيح للمرأة دخول البيوت واقتحام حميميتها والتدخل في خصوصياتها. لذا، عندما تكتب خديجة داير مثلاً على مدونتها «مهاجرة في الشام» محتفلة بإعدام الصحافي الأميركي جيمس فولي، وتعبر عن رغبتها في أن تكون «المرأة الأولى التي تقطع رأس إرهابي أميركي أو بريطاني»، فذلك ليس لمجرد رغبة جامحة عندها بالقتل، بل لقناعة بأنها كأي رجل في التنظيم، تخوض حرباً حقيقية وتسعى على طريقتها لإحلال تلك «اليوتوبيا».
لذا، وعلى رغم القواعد الصارمة في السلوك والفوارق الكثيرة بين الرجال والنساء، يبقى أن هؤلاء يشتركون إلى حد بعيد في انجذابهم إلى «داعش» لا لأسباب جندرية، بل نضالية.

الحياة

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *