الرئيسية / غابو ..روايته التي لم يكتبها!

غابو ..روايته التي لم يكتبها!


*لينيو أبوليو ميندوثا /تقديم وترجمة صالح علماني

أحتفظ من باريس بصورة عابرة تعوِّض عن حالات جوعي القديمة كلها. كانت ليلة طويلة جداً، إذ لم يكن لدي مكان أنام فيه، وقد أمضيتها برأس يتأرجح نعاساً على مقاعد الشوارع، أتدفأ بالحرارة التي ترسلها العناية الإلهية من شِباك فتحات تهوية المترو، وأتفادى رجال الشرطة الذين يمكن لهم أن ينهالوا عليّ ضرباً لظنهم أنني جزائري. وفجأة، عند الفجر، راودني إحساس بأنه لم يعد هناك أي أثر للحياة، وأن رائحة القرنبيط المسلوق قد تلاشت، وأن نهر السين قد توقف، وأنني الكائن الحي الوحيد وسط الضباب المضيء ليوم ثلاثاء خريفي في مدينة خاوية. وحدث عندئذ، بينما أنا أجتاز جسر سان ميشال، أن أحسستُ بأن أحدهم يقترب من الجهة المقابلة لي، أحسستُ أنه رجل، لمحت وسط الضباب سترته القاتمة، ويديه في الجيبين، وشعره المُسرّح للتو، وفي اللحظة التي تواجهنا فيها على الجسر رأيتُ وجهه النظيف والشاحب خلال جزء من الثانية: لقد كان يمضي باكياً.

غارسيا ماركيز الفقير الذي لا يزال شخصاً مجهولاً، والمعرَّض للنوم على مقاعد حديقة، مثلما وصف لنا نفسه أعلاه، هو نفسه من يجوب صفحات هذا الكتاب أيضاً. إنه غابو نفسه الذي تعرفتُ إليه في أحد مقاهي بوغوتا حين كان في العشرين من عمره، وكنتُ أصغره بأربع أو خمس سنوات. وهو نفسه من التقيت به في باريس في سنوات الخمسينيات لنعيش كصديقين في مغامرة متشابهة في غرف ضيقة على السطوح، وفي بارات الحي اللاتيني. وهو نفسه من جال معي على البلدان الشيوعية (بعد حلم دائم الإحباط) قبل أن نرجع إلى أميركا الهيسبانية لنشق طريقنا معاً كصحفيين في كاراكاس وبوغوتا وهافانا، ونتشاطر الورع نفسه تجاه الأدب، وكنت أرى كيف كان يختلس ساعات من النوم ليكتب قصصاً أو روايات. وكان يعرض عليّ مخطوطات كتبه دوماً. هذا هو غابو المجهول الذي نتذكره نحن الأصدقاء القدماء المقربون.
بموافقة من ابنه رودريغو، وهو ابني بالمعمودية أيضاً، ضمنتُ الكتاب بعض رسائل غابو التي كان يرسلها إليّ من مكسيكو حول ما كان يكتبه. وكان لا يزال آنذاك بعيداً عن الوصول إلى الشهرة. والحقيقة أن تلك الشهرة كانت مزعجة له. «إنها تعرقلني – قال لي ذات يوم -؛ الشهرة تخيفني، والتكريس يبدو لي شبيهاً جداً بالموت». وبالصراحة نفسها كان ينأى بنفسه عن أن يكون الأسطورة والمثال الذي راح النقاد يشيدونه حول مئة عام من العزلة. لا، لم يكن يسعى لترميز للإنسانية. فقد كان هدفه متواضعاً وبسيطاً، كما قال لي ذات مرة حين انتهى من إنجاز الكتاب: «ما أردته فقط هو ترك شهادة شاعرية أقرب إلى المشفقة لعالم طفولتي التي انقضت في بيت كبير وكئيب، مع أخت تأكل التراب وجدة عمياء تتنبأ بالمستقبل في المياه الراكدة، وأقرباء كثيرين لهم الأسماء نفسها لم يميزوا كثيراً قطّ بين السعادة وخَرف الشيخوخة، ولم يفقدوا البراءة مطلقاً. هذا ما أفهمه أنا بقصيدة طويلة عن الحياة اليومية». أجل، هكذا هي مئة عام من العزلة، قبل أي شيء آخر.
لا أدري متى خطرت لي فكرة – وربما عليّ أن أقول ضرورة – أن أكتب هذا الكتاب. كنت أراه كشيء أكثر من استحضار، وربما كان إنقاذاً لتجارب لا يمكن لها أن تُنسى. وبما أن للذكريات في أحيان كثيرة خاصية تطاير الفراشات وتفلتها السريع، فقد فكرتُ في أنه، باتباع خطى الانطباعيين، يتوجب عليّ الابتعاد عن أي بناء كلاسيكي، متيبس، وأن أكسر الجُمَلَ في قفزات مفاجئة عن صفحات يتم إبرازها كانطباعات ضربات فرشاة للحظات مَعِيشة. وتبقى هناك مفاجئة القارئ دون ريب.
وكخاتمة للكتاب، تذكرت ذروة انتصار مغامرة غابو الأدبية المتكتمة السابقة على امتداد سنوات حياته الشاقة: ذروة جائزة نوبل للأدب. لقد عشناها إلى جانبه نحن الأصدقاء المقربون. وقد أثارت فينا سعادة عظيمة. أما هو، كما سيرى القراء في نهاية هذا الكتاب، فسببت له خوفاً عظيماً.
1
أين تعارفنا؟ في مقهى، منذ زمن بعيد جداً، حين كانت بوغوتا لا تزال مدينة صباحات جليدية، وحافلات تُرام بطيئة ذات أجراس عميقة، وعربات جنازات تجرها خيول لابيرش القوية، ويزدهى عليها حوذيون بسترات المآتم الرسمية وقبعات عالية.
لا بد أنه كان في العشرين من عمره، وكنت أنا في السادسة عشرة.
كان لقاء سريعاً جداً وعارضاً لا يتيح لمح إمكانية أي نوع من الصداقة بين شخصين شديدي التباين: فتى خجول، بنظارة، تولت تربيته عمّاتٌ يرتدين السواد على الدوام، وفي بيوت جليدية على الدوام، وتحت سماوات تتضمن توعداً بمطر في أي لحظة،
وآخر ساحلي ترعرع وعاش وارتكب خطايا في أجواء منطقة المستنقعات ومزارع الموز اللاهبة، حيث درجة الحرارة تزيد على الثلاثين في الظل، يسمع جلبة الزيزان في الظهيرات القاسية، والجداجد المُؤَرَّقَة في الليل.
ذلك المقهى، مثله مثل سائر المقاهي في بوغوتا آنذاك، أشبه بكهف مظلم، مسمم بروائح زنخة وبدخان السجائر. يغص بطلاب وموظفين يقضون ساعات جالسين إلى المنضدة نفسها.
كنت مع صديق، اسمه لويس بييَّار بوردا، طالب حقوق في السنة الأولى، عندما حيَّاه أحدهم بصخب من بعيد.
– إيه، يا دكتور بييّار بوردا، كيف حالك؟
وشق طريقه على الفور بين المناضد المكتظة، متأرجحاً فوق حشد البدلات والقبعات المأتمية القاتمة، ومفاجئاً إيانا ببدلته التروبيكالية، عاجية اللون، الواسعة عند الكتفين والضيقة بإحكام عند الوركين، بدلة غير معقولة تتطلب خلفية من أشجار نخيل وربما قرعتا «ماراكا» في يدي من يرتديها بكل ذلك الاستهتار،
فتى نحيل، مرح، سريع مثل رامي كرات في لعبة بيسبول أو مثل مغني رومبا.
ودون استئذان من أحد، احتل القادم الجديد مقعداً إلى منضدتنا. مظهره مهمل. يلبس قميصاً متسخ الياقة، له سحنة مريض ملاريا، وشارب رفيع ومستوٍ. وتبدو بدلة مغني الرومبا كما لو أنها تطفو فوق عِظامه.
إنه ساحلي، فكّرتُ. واحد من الطلاب الكثيرين الذين يأتون من ساحل الكاريبي، حياته تمضي في بنسيونات، وحانات وبيوت رهونات.
قدمني بييّار إليه.
كان يطلق الكلمات باندفاع شديد، كما لو أنها كرات بيسبول، وقد فاجأني ذلك الشخص بسؤال غير متوقع:
– إيه يا دكتور ميندوثا، كيف تمضي أمور نثرك الغنائي؟
أحسستُ بحمرة الخجل تصل حتى جذور شعري. فالنثر الغنائي الذي يتحدث عنه كُتب بسرية مثلما تُكتب سونيتات الحب في مرحلة الدراسة الثانوية، وقد أقدم أبي بخفة مستهجنة على نشره في مجلة «سابدو»، وهي مطبوعة أسبوعية واسعة الانتشار كان يديرها والدي. وكانت تلك المقاطع تستلهم موضوعات مثل كآبة لحظات الغروب في سهب بوغوتا، وكنت أفضِّل أن تكون قد مرت دون أن تلفت نظر أحد.
ولكن ذلك الساحلي قرأها كما يبدو.
لم أدر بماذا أجيبه. ولحسن الحظ أن اهتمامه انتقل فجأة إلى النادلة (…).
عندما اختفى الساحلي مغادراً بصورة مفاجئة، سريعة ومرحة مثل مجيئه، ودون أن يدفع ثمن قهوته، أوضح لي بييّار من يكون.
– لقد نشرتْ له جريدة الاسبيكتادور قصتين قصيرتين. اسمه غارسيا ماركيز ولكنهم في الجامعة يدعونه غابيتو. إنه حالة قائمة بذاتها. مازوشي.
لم أسمع كلمته الأخيرة جيداً.
– شيوعي؟
– لا يا رجل، مازوشي.
– وأي شيء هو هذا؟
– مازوشي، شخص يستمتع بالمعاناة.
– ولكنه بدا لي شخصاً أقرب إلى المرح.
– إنه مازوشي نموذجي. يظهر في أحد الأيام في الجامعة قائلاً إنه مصاب بالسفلس. وفي يوم آخر يتحدث عن إصابته بالسل. يسكر، لا يتقدم إلى الامتحانات، ويطلع عليه الصباح وهو في المواخير.
يظل بييَّار مستغرقاً في تأمل دخان السيجارة التي أشعلها. وتصبح لصوته نبرة طبيب يقدم تشخيصه الحاسم الذي لا مفر منه.
– يا للأسف، إنه موهوب. ولكنه حالة خاسرة بالمطلق.
بعد سنوات طويلة، وبعد أن صرتُ صديقاً لا رجعة عنه للحالة الخاسرة بالمطلق، كان لا بد لي من معرفة ظروف حياته الصعبة كطالب ومجيئه إلى بوغوتا.
يمكنني أن أتخيل الفتى المذعور الذي نزل من القطار، قبل سنوات من لقائنا الأول، أخضر من البرد وملتفاً بأصواف احتياطية، ويحمل في رأسه انطباعات عن رحلته الأولى والطويلة تلك إلى العاصمة:
أزيز السفينة القديمة ذات العجلة التي حملته إلى أعالي النهر من الساحل. انعكاسات وميض مياه نهر مجدلينا وهي تمتد إلى الضفاف القائظة حيث يُسمع أحياناً لغط القرود. ثم القطار الذي صعد لاهثاً بإنهاك على سفوح سلسلة جبال يكتنفها الضباب ليضعه فجأة
في غسق مدينة مخدّرة من البرد، فيها عربات ترام ممتلئة برجال يلبسون كما لو أنهم في مأتم، وأنوار صفراء آخذة بالإضاءة في الشوارع، بينما تدوي في الأديرة الكولونيالية نواقيس الدعوة إلى الصلاة.
يأخذه الوصي عليه في سيارة أجرة، والحالة الضائعة بالمطلق الذي لا يزال طفلاً ينفجر في البكاء. لم يكن قد رأى قطّ شيئاً بمثل تلك الكآبة.
يمكنني أن أتخيل القرية التي أُخذ إليها بعد ذلك، قرية ثيباكيرا، والمدرسة الثانوية فيها، وهي نوع من الدير، والرائحة القبورية التي تفوح في أرجائها المغلقة، والنواقيس تُقرع كل ساعة في هواء الأراضي المرتفعة الكئيب؛
وأيام الآحاد التي يعجز فيها عن مواجهة كآبة القرية البعيدة جداً عن عالم ساحل الكاريبي المشع، يبقى وحيداً في المكتبة يقرأ روايات لإميليو سالغاري وجون فيرن.
يمكنني أن أتخيل كذلك أمسياته في أيام الآحاد في بوغوتا، بعد سنوات من ذلك، حين صار طالب حقوق يعيش في نزل بشارع فلوريان القديم، ويقرأ كتاباً بعد آخر وهو يجلس في ترام يذرع المدينة من الجنوب إلى الشمال،
وبعد ذلك من الشمال إلى الجنوب.
وبينما ذلك الترام يتقدم ببطء عصر يوم الأحد المُشمس، عبر شوارع خلّفتها خاوية حشود الناس المتجمعين في ستاد كرة القدم أو في ميدان مصارعة الثيران، كان ذلك «الحالة الخاسرة بالمطلق» (مثلما سيخبرني مرات عديدة)، بسنوات عمره الثماني عشرة المعذبة بلهفات وإحباطات متوقدة، يشعر بأنه الكائن الوحيد في تلك المدينة
الذي بلا نساء،
الوحيد الذي بلا نقود للذهاب إلى السينما أو إلى مصارعات الثيران،
الوحيد الذي لا يمكنه تناول كأس من البيرة، والوحيد بلا أصدقاء وبلا أسرة.
وكي يحمي نفسه في عالم رجال الهضبة الأنديزية القاتمين، أولئك الـ «الكاتشاكو» ذوي الأساليب المنشأة، والذين ينظرون إليه بازدراء بَاسم، كان الحالة الخاسرة بالمطلق يؤكد وقاحته كساحلي. يدخل إلى المقاهي محيياً بصوت قوي، يجلس إلى منضدة دون أن يستأذن أحداً ويحاول، إن استطاع، أن يحدد موعداً ليلياً
مع النادلة.
وبالرغم من ذلك كله، كان في أعماقه شخصاً خجولاً، متوحداً، يفضّل كافكا على كتب الحقوق.
وباختصار، ذلك الساحلي الذي يرتدي ملابس مغني رومبا وحذاءً بلون الجوافة كان أخاً. ولكنني لم أستطع أن ألحظ ذلك يومذاك.
عدت لرؤيته بعد سنوات، مُصَوَّراً في جريدة كولومبية بمناسبة صدور عاصفة الأوراق، روايته الأولى.
كان قد تخلى، كما يبدو، عن الملابس التروبيكالية. فهو يلبس الأسود الآن، أسود حديدي ومتواضع، ويضع ربطة عنق بعقدة مثلثة عريضة، وحين يقاطع ساقيه، كما يفعل في الصورة، يُظهر جوربين قصيرين.
له الانضباط الجدير بموظف مصرف، بسكرتير محكمة أو بكاتب التحقيقات الصحفية الذي كانه آنذاك.
(يلمح أحدنا في الصورة قشرة الشعر، والأصابع الملطخة بالنيكوتين، وعلبة سجائر التبغ الأسود الرخيصة بجانب الآلة الكاتبة).
مظهره وعنوان الكتاب دفعاني إلى التفكير للوهلة الأولى بواحد من أولئك الروائيين الرديئين الآتين من ساحل الكاريبي، ممن كانوا يكتبون آنذاك كتباً تغص بالخلاسيات، وزجاجات الروم، والكلمات البذيئة، مع حوارات مستحيلة القراءة، إذ بلغ سعيهم إلى التلون حدّ استنساخ الكلمات مثلما ينطق بها شخوصهم.
أرسل لي صديقٌ عاصفة الأوراق إلى باريس، وكتب إليّ يقول: «مع الأخذ بالاعتبار المبالغات الخاصة بالبلاد طبعاً، يتحدثون عن المؤلف هنا باعتباره «فَرْخَ» بروست».
«ليس فرخ بروست – فكرتُ بعد قراءة الكتاب -. إنه فرخ فوكنر».
بعد وقت قصير جداً من قراءتي عاصفة الأوراق، ظهر مؤلفها في باريس.
التقينا في أحد مقاهي الحي اللاتيني. في أواخر عام 1955، والانطباع الذي أحدثه فيّ لم يكن جيداً.
لم يعد يبدو ذلك الفتى الحيوي والخفيف الذي تعرفت إليه قبل سنوات. إنه يضفي أهمية على نفسه الآن. يلتف بمعطف بيجي اللون تتخلله خطوط جلدية مجدولة، ويشرب بيرة تخلف آثارَ زَبَدٍ على شاربه، وله مزاج ترَفُّع ناءٍ.
كان نظره مثبَّتاً على الكأس أو على دخان سيجارته، وناءٍ عن الطلاب الكولومبيين الجالسين حوله.
وكان يتكلم بلا شهية عن رحلته إلى جنيف كمراسل لجريدة الاسبيكتادور، وعن مؤتمر القمة الذي عقده هناك الأمريكيون والسوفييت. لم يكن لأي شيء من ذلك تأثير كبير علينا. أما هو فكان يبدو فخوراً جداً بتلك المهمة أكثر من فخره بالنجاح الذي لاقته روايته الأولى.
كنتُ يومذاك مع صديقين قرآ عاصفة الأوراق أيضاً. وكلاهما مغرم بالأدب ويرغب في التحدث عن الكتاب مع مؤلفه.
أحدهما، وهو رجل ساهٍ بعمق، قرر التحدث فجأة عن الكتاب. فقال، إن عاصفة الأوراق متأثرة بصورة مفرطة بفوكنر. فتقنية المونولوجات المتناوبة هي نفسها الموجودة في «بينما أرقد محتضرة».
أما أنا من جانبي فلاحظتُ ببساطة أن هنالك فصلاً زائداً في الكتاب.
أحسستُ أن نظر غارسيا ماركيز يتحول نحوي متفاجئاً.
– أي فصل؟ – سألني.
– الفصل الذي يتحدث عن الفتية الثلاثة الذاهبين إلى النهر.
رأيته يرمش. أهو متفق معي؟ بدا لي أنه كذلك: فالفصل المقصود مُقحم بصورة بارعة في مونولوج إحدى الشخصيات.
وكون أحدهم قد انتبه إلى قُطَبِ خياطة ذلك الإقحام الأدبي جعله يتخذ موقفاً محترساً لأول مرة.
– لم يقل لي أحدٌ ذلك في كولومبيا – قال أخيراً.
لم تكن كلمات تأنيب، وإنما اعتراف.
منذ ذلك الحين، على ما أظن، صرتُ مكرساً لأن أكون واحداً من أوائل قراء مخطوطاته.
كانت ليلة عيد الميلاد، أتذكر ذلك. عيد الميلاد في عام 1955.
وكان غارسيا ماركيز حديث الوصول إلى باريس. كان وحيداً، ضائعاً في باريس تلك الأيام المترعة بالضباب، بالبرد، بالأنوار. وهكذا، على الرغم من سوء مزاجه، أخذناه في تلك الليلة إلى بيت مهندس معماري كولومبي صديق لنا، إنه إرنان بييكو، وزوجته خوانا، في شارع غينيغو.
وبالضبط في الرقم 17 من شارع غينيغو.
إنه مكان ارتبطتْ به إلى الأبد حياتنا كطلاب في باريس.
اليوم،
بعد سنوات طويلة،
يحدث لي شيء حين أمر من هناك، عبر شارع المعارض والمتاجر الضيق، حيث تُباع طواطم وعقود أفريقية، وأتوقف قبالة الرقم 17.
يكفي دفع البوابة الثقيلة التي تئن لدى فتحها باتجاه البهو الرطب والقاتم حيث توجد على الدوام عربة أطفال مهجورة؛
يكفي شمّ تلك الرائحة الزخمة والزنخة، رائحة غرفة مهملات، سرداب، حيز مغلق، يتنفسها أحدنا وهو يصعد سلّماً ذا درجات تطقطق ومساند حديدية هرمة كي يستعيد مرتعشاً ذكرى تلك السنوات بانفعالات عبثية تُسَرِّع نبضات القلب وتُحوّل الهواء إلى نبيذ مشروب. ذكرى تلك السنوات
حين كانت باريس احتفالاً بالنسبة إلينا أيضاً.
إذا ما كان بمقدور جنِّية محبة أن تعيد لنا ما كان آنذاك، سنجد مجدداً المدفأة الحديدية تخرخر بوداعة في ركن من الحجرة وتُطلق دفئاً لا يُخرج برد الشوارع ورطوبتها من العظام. سنجد من جديد رفوف الكتب المصنوعة من آجر وألواح خشب، ومصابيح حميمة تزرع الضوء هنا وهناك، تضيء فجأة إحدى عوارض السقف، أو ملصقاً لفرنان ليجيه، أو النافذة المطلة على المدينة الساكنة والضبابية في ليالي الشتاء (غرف علوية، سطوح، قبة مضاءة، حزمة ضوء تصعد نحو السماء).
وينهض إرنان – سترة مخملية، حاجبان كثيفان فوق العينين الصفراوين، والفوسفوريتين من الضحك -، ينهض لاستقبالنا، كيف الحال يا رجل.
خوانا، زوجته آنذاك، ستعود لتكون الفتاة الأمريكية المراهقة مثلما كانت، ذات الشعر القصير، والأنف الحساس، وبعينين كالخزف الأزرق، غير قادرتين على تقبّل كذبة واحدة.
خوانا تيريسا، ابنتهما، الممرضة اليوم في مكان ما من فلوريدا، تعود إلى مهد طفولتها (وهو صندوق خشبي من تلك التي تستخدم في نقل التفاح)، وهنالك مجازفة كبيرة في أنها قد تستيقظ في أي ساعة من ساعات الليل وتتفاجأ برؤية كل أولئك الناس. أشخاص شباب في كل أركان الحجرة، يضحكون ويتكلمون.
وإذا ما استطاعت جنِّية المحبة اجتراح المعجزة، فسيكون لدينا على المنضدة، في طبق خشبي كبير، فخذ خنزير مع أسنان ثوم كثيرة خارج من الفرن بعد ساعات طويلة من الطهو، وسَلَطة هندباء، وخبز ساخن مقرمش وزجاجة نبيذ بوردو مبهمة.
وسيكون الجبن المشترى من شارع بيسي جاهزاً أيضاً، وكذلك العنب والإجاص شديد الحلاوة الذي يكون قد جُني في ذلك الخريف من واديي لويرا والرين، وبعد ذلك، مع السجائر والكونياك، ينتقل الجيتار من يد إلى يد.
سنسمع مرة أخرى أغنيات كئيبة عن سلاسل جبلية وعن بغَّالي أتاوالبا يوبانكي، يغنيها أحد الأصدقاء، وبعد ذلك، في الفجر الهاجع هناك في الخارج حيث، على النقيض من جو الغرفة الدافئ والممتلئ بالدخان، لا شيء سوى البرد والضباب والسطوح الصامتة،
أغنيات «باييناتاس» لرفائيل إسكالونا، يغنيها من لم يعد عندئذ غارسيا ماركيز المراسل الصحفي المتكبر والقادم لتوه إلى باريس، ليتحول إلى غابو بائس وأخوي،
غابو تلك الأزمنة.
متى حدثت المعجزة؟ لم تكن قد حدثت بعد في ليلة عيد الميلاد تلك في بيت آل بييكو، وإنما ستحدث بعد ثلاثة أيام من ذلك، حين تساقطت في باريس أول ثلوج الشتاء.
في ليلة عيد الميلاد تلك ظل غارسيا ماركيز، لوقت طويل، المراسل الصحفي المجيد المبعوث إلى جنيف لتغطية أخبار مؤتمر القمة.
– لماذا جئت بهذا الشخص الفظيع؟ – سألتني خوانا حين كنا نتأهب للخروج.
كانت خوانا تتمتع بصرامة خطيرة في الحكم على الناس.
– هل بدا لكِ فظيعاً حقاً؟
– إنه يعطي لنفسه أهمية – قالت. ومرَّ في عينيها تعبير استياء وهي تضيف: – كما أنه يطفئ السجائر على نعل حذائه.
بعد ثلاثة أيام، سيمحو الثلج ذلك الانطباع إلى الأبد.
أول ثلوج الشتاء.
لا بد أن الثلج بدأ بالهطول بينما نحن نتناول الطعام في مطعم قريب من ساحة لوكسمبورغ الصغيرة. ولكننا لم نر تساقطه في تلك اللحظات. لم نره من النافذة وإنما عند الباب، لدى خروجنا، وكان مبهراً ومتكتماً، يتساقط في نُدَف سميكة تلمع تحت مصابيح الشارع وتغطي ببياضها الأشجار والسيارات والشارع. كان هواء الليل نظيفاً وجليدياً،
يعبق فجأة برائحة أشجار صنوبر جبلية.
ومغسولة من الأخلاط والضجيج والألوان، كانت المدينة تتشح بنعومة وبذخ بتلك الثلوج مثل امرأة جميلة تلتف بمعطف فراء ناصع.
توقف غارسيا ماركير منتشياً، مفتوناً بذلك المشهد الحلمي.
لم يكن قد رأى الثلج قطّ.
بالنسبة لفتى ولد بقرية في منطقة مزارع الموز، في كولومبيا، حيث يئز الحر مثل حشرة، وأي شيء معدني متروك تحت الشمس يحرق مثل جمرة، فإن الثلج الذي لا يُرى إلا في رسوم حكايات غريم، إنما ينتمي إلى عالم الجنيات، والعفاريت، وقصور السكاكر والحلوى في الغابة.
حين رأى الصحفي المجيد، الروائي الواعد القادم للتو، الثلجَ… الثلج المتساقط، المتلألئ، يغطي كل شيء بالأبيض، يلامس شاربه وشعره، يقبّل وجهه برقة مثل حورية عذبة، اهتز مثل ورقة.
ارتعشت عضلة في وجهه، وهتف:
– يا للعنة!
واندفع راكضاً.
راح يركض ويقفز من جانب إلى آخر على الرصيف، تحت الثلج، رافعاً ذراعيه مثلما يفعل لاعبو فريق كرة قدم فور تسجيلهم هدفاً.
لقد عاد فجأة ليكون ذلك الفتى المرح والسعيد الذي رأيته قبل سنوات،
رامي كرات البيسبول،
مغني الرومبا،
الساحلي المستهتر
غابو وليس غارسيا ماركيز.
كل ما أرادت بوغوتا، مدينة نائب الملك القديمة، أن تفرضه على شخصيته (الرصانة، النأي، والأهمية التي لا تُطاق) ذهبت كلها مع الثلج.
الشاب الواعد بين كُتَّابنا الشباب، وريث بروست، وكافكا، وجويس، ووليم فوكنر، مع رُسُوٍّ عميق في القلق المعاصر حسب ما كان يقوله أو يكتبه نقادنا؛ الرجل الذي يرون، هم «الكتشاكيون» المترعون بالبلاغة الخطابية، أنه باحث عن بُعد كوني للعزلة ويطرح أسئلة الشرط البشري العميقة،
يركض ويقفز مثل قرد في جادة سان ميشال.
لحسن الحظ أنه مجنون، فكرتُ براحة.
منذ تلك اللحظة بالضبط صرنا صديقين.
أمور كثيرة حدثت لنا منذ ذلك الحين. رأينا ولادة أحلام وموتها. رأينا مرور أصدقاء واختفاءهم. ظهر الشيب في شعورنا. عشنا في أمكنة كثيرة. تزوجنا، وصار لنا أبناء وأحفاد. أصبح غنياً ومشهوراً. وصرتُ فقيراً. جبنا معاً أنحاء كثيرة في العالم. لحقنا شابات ألمانيات في شوارع ليبزج المظلمة. اجتزنا أوروبا كلها في قطار، ومشياً على الأقدام، وفي عربة مزدحمة، ونحن نكاد نموت جوعاً وإنهاكاً. سافرنا عبر أرجاء الاتحاد السوفييتي كأعضاء مزيفين في فرقة رقص فلكلوري. عشنا في كاراكاس أياماً مخيفة ككتبة تحقيقات صحفية عند سقوط الدكتاتور بيريث خيمينث. قضينا ليلة بكاملها عند قدمي رجل سيُنفذ فيه حكم الإعدام عند الفجر في هافانا. عملنا معاً في بوغوتا كممثلين لوكالة أنباء. شربنا تيكيلا ونحن نستمع إلى مغنِّي المارياتشي في ساحة غاريبالدي بمدينة مكسيكو. أمضينا صيفاً كاملاً في جزيرة بلانيتاريا، مع ابنيه، وهما ابناي بالعماد أيضاً، وزوجته ميرثيديس التي هي اشبينة زفافي، وشربنا هناك نبيذاً صقيلياً واستمعنا إلى موسيقى براهمز قبالة بحر ذي سبعة تدرجات من اللون الأزرق. جبنا مرات كثيرة شوارع الحي القوطي ببرشلونة، نتحدث ونتحدث، ونتناقش حول كل شيء، وكنت دائماً أحد أول من يقرؤون مخطوطاته، وفي ميدان الأدب المقدس هذا، حيث لا متسع للكذب، كنت أقول له الحقيقة على الدوام، وكان هو أيضاً يقولها لي دون أي تردد.
كل هذا منذ تلك الليلة، حين رأى الثلج أول مرة، ودون أن يهتم بأن يُعدّ مجنوناً
راح يركض ويقفز.
_______
*الاتحاد

شاهد أيضاً

المكان الذي يتراصّ به الغرقى

نصيف الناصري * 1 يقولون أن الهَدف مِن سَعْيكِ الى فَتح رِتاج الزَمن عنوة، هو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *