الرئيسية / مقالات / فلسطين وهؤلاء

فلسطين وهؤلاء


*خيري منصور


كانت القضية الفلسطينية والحرب الفيتنامية أعسر اختبارين لمثقفي العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ورغم أن نسبة الرسوب كانت كارثية في الاختبارين، إلا أن من تشبثوا بجمرة الموقف حتى الاحتراق حملوا العبء بكامل أبعاده التاريخية والأخلاقية والثقافية وعبروا به ما كان مرسوما بالخطوط الحمر.
في الحرب الفيتنامية خسر بعض المثقفين فرصة الشهادة على عصرهم إلى الأبد كما يقول سارتر عن الروائي فلوبير، ومنهم جون شتاينبك الذي استدار من أول الطريق متذرعا بسبب عاطفي وشخصي، وكذلك بعض الممثلين في هوليوود ومنهم جين فوندا بطلة فيلم «إنهم يقتلون الجياد» التي صدّقت من نصبوا لها فخا في تل أبيب بأن الجوائز الذهبية تمر من هناك، لكن من شهدوا على تلك الحرب التي عولمت الصورة والثقافة بالمعنى الإنساني للعولمة، كما يقول ماك لوهان منهم من اعتذر عن قبول جوائز هي الأعلى في عصرنا، كما فعل سارتر باعتذاره عن قبول جائزة نوبل ومارلون براندو برفضه الأوسكار.
أما الاختبار الفلسطيني فقد كان أشد عسرا بسبب استمراره وتجدد فصوله انسجاما مع تجدد فصول التراجيديا الفلسطينية، ولكي لا نبقى في نطاق التجريد المفاهيمي سنتوقف عند أسماء بعينها، بدءا من المؤرخ أرنولد توينبي والروائي كازانتزاكي مرورا بالشاعر يانيس ريتسوس والشاعرين يوجين يفتشنكو ورسول حمزاتوف، وأخيرا بل أولا بورخيس لأن قصائده الثلاث عن إسرائيل هي مناسبة هذه الكتابة.
توينبي زار فلسطين ورأى المشهد كما هو بلا أي مساحيق صهيونية، وقال بالحرف الواحد إن أفضل تعريف للدولة العبرية هو كونها خطأ تاريخيا. أما كازانتزاكي فقد زار فلسطين في الفترة الحاسمة التي شهدت بدايات مشروع التقسيم والنكبة، لكن أبرز من شهدوا على تلك التراجيديا الشاعر ريتسوس الإغريقي المعاصر الذي قال حين أبصر تلك السيدة على الشاطئ، التي تنكر لها حتى ذوو القربى قائلا سأناديها يا أمي، وأم ريتسوس هي فلسطين، أما الشعراء والكتّاب الذين كانوا الأكثر شهرة في الاتحاد السوفييتي قبل أن تغرب شمسه فقد تفاوتت مواقفهم تبعا لأسباب عديدة.
وحين كتب يفتشنكو قصيدته الشهرة «بابي يار» تعبيرا عن تعاطفه مع إسرائيل كان كمن ينعق ولا يغرد خارج السرب. أما جنكيز إيتماتوف الذي أتاحت لي زيارة إلى موسكو لقاءه في مكتبه في مجلة «الآداب الأجنبية» التي كان يرأس تحريرها، فقد كان أهدى آخر كتبه إلى إسحق شامير وحين تحاورت معه مطولا اعترف بأنه شعر بالندم وهو يبحث عن مناسبة للاعتذار.
لكن رسول حمزاتوف الداغستاني الذي ما انحنى شأن جده إلا ليداعب طفلا أو يسقي حصانا فقد بلغت حماسته لفلسطين حدا أثار دهشتي، حين أصرّ على إلقاء قصيدة مفعمة بالعدالة في قاعة القدس في موسكو رغم أن أطباءه حاولوا منعه من ذلك، لكن ما قلته عن مناسبة هذه التداعيات وهو قصائد بورخيس يبقى إشارة تعجّب تتكرر إلى ما لا نهاية، ففي قصيدة بعنوان «إسرائيل» عام 1969، التي قال مترجمها محمد أبو العطا إنه رغم احترامه للمشاعر العربية فهو يترجم القصيدة لأهميتها من الناحية التوثيقية، يقول بورخيس في خاتمة القصيدة مخاطبا إسرائيل:
أنت موجودة في ذلك الكتاب
مرآة كل وجه ينحني فوقه
سلاما يا إسرائيل
تحفظين حائط الله في اجيج معركتك.
وفي القصيدتين اللتين أهداهما أيضا إلى إسرائيل يكتب من أعلن العصيان على العمى وتمرد على الظلام ما يثير دهشة قرائه ممن طافوا في شعاب عوالمه المضاءة، فهل أصيب بورخيس بنوبة عمى لبعض الوقت، فلم يشهد أطفالا يُذبحون وعجائز يقطعون النهر أشباه عراة، ومكتبات تسرق وتُحرق؟
لم أشعر بأسى مماثل لما شعرت به وأنا أقرأ بورخيس في هذه النوبة الأشبه بجملة رمادية معترضة في كتاب أخضر.
وينبغي أن لا تفوتنا في سياق كهذا شهادات كُتّاب يهود قرروا الخروج عن بيت الطاعة الصهيوني، ومنهم شلومو رايخ في كتابه «يوميات يهودي ساخط»، وميشيل مزراحي في «قصص قصيرة أشبه بتوقيعات بالدم على قبور مجهولة»، وكذلك فيليسيا لانغر في كتابها الشهير «بأم عيني» إضافة إلى بعض المؤرخين الجدد، بدءا من ذلك الأكاديمي الشاب الذي اكتشف من خلال حفرياته مذبحة الطنطورية، وشلومو ساند وايلان بابيه وغيرهم. ولا أنسى بالطبع حنّا آرنيديت في موقفها المبكر من الصهيونية في أربعينيات القرن الماضي.
لقد وصف هؤلاء بالعقوق تماما، كما وصفت المؤسسات الصهيونية إسرائيل شاحاك وإسرائيل شامير أيضا، لكنهم نجوا هذه المرة من هولوكوست آخر، معرفي وأخلاقي وسياسي. والحقيقة أنهم لم يكتبوا ما كتبوا إلا دفاعا عن مستقبل الطفل اليهودي الذي أراد الجنرال والحاخام تحويل مستقبله إلى كمين تاريخي، فقد أدرك هؤلاء أن من يزعم بأنه الدليل ليس أمينا حتى على أهله.
هكذا إذن رسب من رسب في أعسر اختبارات التاريخ، لكن من نجوا بأنفسهم وظلوا قيد آدميتهم وضمائرهم، يستحقون من البلاد الجريحة التي حاولوا إنصافها حيزا في الذاكرة الوطنية، لأن سباحتهم ضد التيار ومناعتهم الأخلاقية لم تكن بلا ثمن.
________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *