الرئيسية / إضاءات / تشارلز بوكوفيسكي ساخراً من الحلم الأميركي

تشارلز بوكوفيسكي ساخراً من الحلم الأميركي


*وائل سعيد


قد يبدو اسم تشارلز بوكوفيسكي غريباً بعض الشيء، فلم يحظَ القارئ العربي بفرصة كاملة للاطلاع على أعمال هذا الكاتب الأميركي كاملة، اللهم إلا مرات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. فما تُرجم له إلى العربية حتى الآن هو ديوان «الحب كلبٌ من الجحيم»، ترجمة سامر أبو هواش، ورواية «نساء»، ترجمة شارل شهوان، والمجموعة القصصية «أجمل نساء المدينة»، وأولى رواياته «مكتب البريد»، والترجمتان لريم غنايم، وآخر رواياته «أدب رخيص»، ترجمة إيمان حرزالله.
وأعمال بوكوفسكي المنقولة إلى العربية، صدرت في خطوة جريئة عن «منشورات الجمل»، مخالفة العزوف العام لدى الناشرين العرب أو الخوف والتحفظ على ترجمتها، لاسيما أن مشروعه الروائي قائم على الجرأة والإباحية في بعض الأحيان ما جعل الوسط الأميركي يتعامل معه لسنوات باعتباره كاتباً تخريبياً في الوقت الذي قابلته أوروبا بحفاوة!
يعتمد بوكوفسكي في كتابته على سيرته الذاتية، فهو يقول إن 97 في المئة، مما يحكيه سيرة ذاتية والـ 3 في المئة الباقية تحسين لها! لهذا جاء بطل روايته الأولى «مكتب البريد» عربيداً ليلياً وسكيراً ومولعاً برهانات سباق الخيل وبالنساء ويعمل ساعي بريد. يعرض عليه أحد الناشرين مبلغ 100 دولار شهرياً ليتفرغ للكتابة، وهذا ما حدث مع بوكوفيسكي بالفعل وسيكون صاحب العرض هذا ناشره في ما بعد.
في رواية «أدب رخيص» يلعب معنا الكاتب آخر ألعابه الكتابية، وقد اكتملت آليات هذا المشروع – التخريبي – الذي تهكم عبره مراراً وتكراراً على فكرة الحلم الأميركي وعلى الكتابة الآمنة المتعارف عليها؛ فأي أدب رخيص يقصد؟ هل ما يكتبه أم يسخر مما يكتبه الآخرون طارحين فيه القضايا الكبرى! فيُهدي الرواية على هذا النحو: «هذا العمل إهداء إلى الكتابة السيئة». صارع ثرفانتس من قبل «طواحين الهواء» في شكل عبثي ورأى بودلير، الشاعر الرجيم، جمالاً في الرمة والميتة. يأخذ بوكوفيسكي قالب رواية التحريات أو الجريمة ولكن كإطار فقط. فالبطل هنا محقق خاص في الخمسينات، يجلس في مكتبه المنُتهي عقد إيجاره للتو، يقتل الذباب وينتظر اللاشيء في جو حار جهنمي.
تبدأ الرواية بمكالمة هاتفية من امرأة يدل صوتها على أنها جميلة، لكن بوكوفيسكي سمَّاها «موت»، تُكلِفُ المحقق بالبحث عن كاتب فرنسي يُدعى فرديناند سيلين، ويُعتبر من أعظم كُتاب فرنسا بعد مارسيل بروست؛ مات في أوائل الستينات لكنها سمعت أنه شوهد في مُحيط إحدى المكتبات، وهي تريده بأي شكل. يُحاول المحقق إقناع المرأة باستحالة طلبها ذلك لكنه يقبل تكليفها في نهاية الحوار الذي لا يخلو من خفة الدم – وهي سمة حوارات بوكوفيسكي – والغرائبية؛ فالسيدة كأنها تراه عبر الهاتف وتطلب منه رفع سحَّاب بنطاله الذي كان نازلاً بالفعل!
ثم يكلفه أحد الزبائن من أصحاب الكروش يدعى «جاك» أن يضبط زوجته التي تخونه وهي مُتلبسة، وزبون آخر يأتيه في مشهد سريالي يشكو من المرأة الكائن الفضائي التي تلعب معه ألاعيب مخيفة ثم تختفي في السقف وهي طوال الوقت تتحكم فيه وتؤرق عليه حياته.
الغريب أن كل هؤلاء الزبائن كلَّفوه بناءً على ترشيح من مجهول يُدعى «بارتون»، أثنى على خبرته، ثم يُكلفه هو الآخر بالبحث عن شيء اسمه «العصفور الأحمر» في مقابل منحه 100 دولار شهرياً مدى الحياة؛ وهو نفسه ما حدث بين بوكوفيسكي وناشره، من قبل.
____
*الحياة

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *