الرئيسية / حين يغيب الحوار .. تسقط هيبة العقل

حين يغيب الحوار .. تسقط هيبة العقل


فاروق جويدة*



كل الأزمات قد تهون ويمكن التغلب عليها إلا أزمة العقول لأنها تعكس خللا حقيقيا في مسيرة الشعوب.. وأزمة العقول لا تحدث بين يوم وليلة انها ليست ماسورة مجاري تنفجر او عمارة تتهاوي او حريق يدمر حيا من الأحياء انها تراكمات من التخلف والجهل وغياب الوعي وهي لا تحدث بين ليلة وضحاها أنها تراكمات من عصور القهر والاستبداد وامتهان الكرامة والحريات، وللأسف الشديد ان ازمات العقول تطفح في اكثر من جانب وأكثر من صورة أنها قد تبدأ بالفكر المضطرب وتنتهي بالسلوك المنحرف اي انها تجمع الفكر والسلوك معا وحين تختل موازين العقل تطفح على السطح أمراض كثيرة أقلها خطرا عشوائية القرار وانهيار منظومة الفكر واختلال مقاييس الأشياء..
نحن نتحدث عن ظواهر اجتاحت حياتنا سنوات طويلة وللأسف الشديد اننا لم نفكر في اسبابها ولم نعرف طريقنا للخلاص منها بل اننا في احيان كثيرة كنا نتردد في طرح الكثير من القضايا اما خوفا من السلطة او خوفا من المجتمع او خوفا على انفسنا من اتهامات قد تلحق بنا فنؤثر السلامة ونتعامل مع القبح كأنه حقيقة مسلمة في حياتنا.
من اكثر الظواهر التي اضرت كثيرا بالعقل المصري لغة الحوار ان الحوار ليس فقط ما يجري من حوارات ساذجة على شاشات التلفزيون او ما نقرأ في الكثير من الصحف التي تتعامل مع الإنسان باستخفاف شديد وليست ايضا قرارات صادمة يطلقها مسؤول على غير علم او مشورة..
ان لغة الحوار تشمل اسلوب حياتنا في العمل والتفكير والرفض والقبول وهي تبدأ من علاقة ابناء الأسرة الواحدة ببعضهم البعض وتنتهي عند وصاية فصيل ديني او سياسي او فكري يريد ان يفرض وصايته على المجتمع كله.. كانت لغة الحوار اكثر ازمات العقل المصري تأثيرا ومنذ سنين بعيدة غاب الحوار عنا واكتفينا بأن نجلس كلنا في مقاعد المستمعين.
ان سلطة القرار هي الأعلى صوتا.. وسلطة الظروف هي التي جعلتنا قطيعا امام الوظيفة والمنصب واحتياجات ومطالب الحياة اننا لا نرفض لأن الرفض له ثمن ولأن من تكون لديه سلطة الرفض يجب ان يكون لديه استعداد لأن يدفع الثمن وقد اعتدنا طوال حياتنا ان نأخذ حتى ولو كان ذلك على حساب الكرامة والكبرياء.. ازمنة طويلة اعتدنا فيها ان نصرخ بيننا وبين انفسنا وان نخاف زوار الفجر وزوار الظهر وما بينهما زوار لكل الأوقات.. لم يتوافر لنا يوما ذلك المناخ الذي يشجع على الحوار حتى وصلت المحنة إلى الأسرة والزوج والأبناء، ان الصمت هو الحق المشروع لكل هؤلاء ولاشيء غيره..
> حين انتفض المصريون في 25 يناير ضد نظام ظالم كانت خطيئته الأكبر انه جرد مصر كلها من اهم واخطر مصادر قوتها وهي عقل الأمة، سطت مجموعة من الأشخاص على كل مؤسسات الدولة من بقي عشرين او ثلاثين عاما وربما اكثر لم يتغير فيها فكر ولا اسلوب حياة ولا رغبة في صنع اي شيء جديد.. الشيء المؤكد ان عقل الأمة شاخ وكانت ثورة يناير تعبيرا عن هذا الرفض وللأسف الشديد ان عصابة من عصابات العهد البائد سطت على الثورة حتى تخلص المصريون منها في 30 يونيه وان بقيت الآثار السيئة التي خلفتها عهود سابقة غاب فيها الحوار وتجمد الفكر وتشوه سلوك الناس..
كان من الضروري ان تظهر آثار السنوات العجاف بعد ثورة يناير وكما ظهرت فيها حدائق خضراء وشباب واعد ظهرت فيها ايضا مستنقعات وعقول جرداء وطفح الواقع القديم بكل سوءاته على وجه المجتمع في السلوكيات والأزمات والكوارث.. حين نستعرض اهم واخطر الأزمات التي عبرت على مصر في الفترة الأخيرة سوف نكتشف ان اهمها واخطرها كان من الثمار المرة للغة الحوار التي سيطرت على الشارع المصري
> كانت لغة الحوار السبب الرئيسي في معظم الانقسامات التي ظهرت في حياة المصريين وكانت شيئا غريبا على الإنسان المصري وهنا كانت الانقسامات الدينية بين الوسطية والتطرف بين من تحدثوا باسم الله ومن حاولوا فرض وصايتهم باسم الدين ثم كانت الانقسامات بين ابناء النخبة الواحدة حتى وصلنا إلى درجة التشويه والتخوين والإدانة، وتحاول وسط هذه الانقسامات ان تبحث عن فكر واع او حوار خلاق او رغبة حقيقية في التواصل فلا تجد امامك غير عقول مهلهلة فقدت الوعي والبصيرة.. بعد ان كانت مصر نسيجا واحدا متكاملا وصلت بنا الانقسامات إلى ابناء الأسرة الواحدة ثم انتقلت إلى ابناء الجامعة الواحدة ثم إلى ابناء المهنة الواحدة هؤلاء اطباء وهؤلاء صحفيون وهؤلاء مهندسون وهؤلاء رجال اعمال وهؤلاء إعلاميون ومنظرون، وفي كل هذا غابت لغة الحوار حتى عجزت فئات النخبة بكل رصيدها الفكري والثقافي ان تنجو من هذه المحنة وتحول الشارع المصري إلى حلبة بين قوي غاب فكرها السياسي ووعيها الحقيقي وتخلت عن هموم المجتمع وقضاياه امام مصالحها الخاصة.. هل يعقل ان كل هذه الفئات المميزة والرشيدة عجزت ان تتواصل مع بعضها بالحوار وتصل إلى درجة الصدام التي تهدد امن الوطن واستقراره.. هل يعقل ان هذه المهن التي تمثل اهم القوي في مسيرة المجتمع قد فقدت القدرة على ان تتحكم في سلوكياتها لتتحول إلى قوي ضغط وارباك وفوضي للمجتمع كله.. لماذا لم تعد لدينا القدرة ان نسمع بعضنا البعض وان نواجه المشاكل والأزمات بالفكر والمنطق والحوار كل هذا لأن هيبة العقل سقطت وغابت معها لغة الحوار
> من اشهر واسوأ معارك الحوار التي عشناها في الفترة الأخيرة ان يخرج وزيران من الحكومة بسبب كلمة وليس اكثر.. وان تدور معركة رهيبة بين المثقفين حول اعمال يقال انها ابداع دخلت بأصحابها السجون.. وبدلا من ان يناقش المهتمون قضية الإبداع الحقيقي والإبداع الوهمي دخلوا إلى منطقة اخري هي قضية الحريات وسجن المبدعين وكان ال أولى ان يكون السؤال: هل نحن امام ابداع ام امام اشياء اخري وهل الحرية تعني فتح الأبواب بلا حدود ام ان هناك ضوابط اخلاقية وابداعية واجتماعية وثقافية يجب ان نضعها في الاعتبار؟!.. كلمة اخرجت وزيرا من السلطة وكلمة ادخلت كاتبا السجن كل هذا حدث في غياب الحوار الجاد الذي يضع اصول الأشياء وقواعد الفكر والسلوك بين البشر
> اخطأت الحكومة حين لم تحسب حسابا لقضية تيران وصنافير ولم تمهد بالحوار طريقا تسلكه في هذه المحنة حتى تحولت القضية إلى سجال بين طوائف المجتمع المنقسمة اساسا على نفسها.. لقد فتحت هذه القضية ابوابا كثيرة للخلاف بلا مبرر وكان ينبغي ان تطرح في صورة حوارات وتساؤلات ووثائق ولا نصدم بها الشارع مرة واحدة خاصة ان ملايين الشباب لم يسمعوا عن هذه الحكاية منذ عشرات السنين، كان آخر عهدنا بهذه القضية يوم ان قرر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر منع السفن الإسرائيلية من العبور في مضيق تيران هل بعد كل هذا العمر نصدم الشارع بكل هذه الأحداث، ان السبب في ذلك كله اننا لا نؤمن بالحوار وان نسمع الصوت الآخر والرأي الآخر وهذا من اخطر جوانب القصور التي اصابت الشخصية المصرية في السنوات العجاف حين فسد التعليم وفسدت الثقافة وتسطح الإعلام.
> ان الشعب المصري بكل طوائفه وفصائله واتجاهاته لم يقدر حتى الأن حالة الحرب التي تعيشها الدولة مع الإرهاب ليس في سيناء وحدها ولكن على كل ربوع الوطن، هل يعقل ان تدور كل هذه المعارك على شاشات التلفزيون وصفحات الصحف وفي الشوارع وفي النقابات المهنية جميعها تقريبا بينما هناك جيش يحارب وشهداء يسقطون.. هل يعقل ان يدور السجال بين فئات مسؤولة وصاحبة دور ورسالة بينما شهداء الشرطة يواجهون الإرهاب بشراسة في كل ارجاء مصر.. هناك قضايا كثيرة ينقصها الحوار وهناك قضايا اكثر ليس هذا وقتها على الإطلاق ولكن الإنسان يتشكك احيانا ان هناك ايادي خفية مدسوسة تحاول إفساد اللحظة علينا.. هناك قضايا كثيرة اشعلت الشارع رغم انها كان من الممكن ان تعالج دون ان يسمع عنها احد وهنا تأتي مسؤولية واهمية الحوار فما اسهل إشعال الحرائق خاصة ان هناك اطرافا كثيرة تتربص بنا ولا تريد لهذا الوطن ان ينهض مرة أخرى.
> ان الشيء الغريب المؤسف ان الإعلام المصري فشل في كل معاركه الداخلية والخارجية نحن امام حوار مريض يقدمه الإعلام في الداخل وامام غياب كامل عن التأثير والدور والمسؤولية في الخارج والسبب في ذلك هو غياب لغة الحوار.. انها غائبة امام مهنية فاشلة وقدرات محدودة وفرص ضائعة.. وهي غائبة امام إعلام خارجي يهاجم مصر بضراوة وكان ينبغي ان يكون إعلام مصر ندا وقادرا على الرد وكشف الحقائق ولكن للأسف الشديد ان إعلامنا يمارس دورا غريبا في زيادة الإنقسامات وإشعال الفتن وإذا اعترض احد على ذلك وجدت من يصيح اين حرية الإعلام.. هل حرية الإعلام هي هذه المعارك الليلية الصاخبة هل حرية الإعلام هي تقسيم الدولة إلى فئات وفصائل هل حرية الإعلام هي هذه البرامج التافهة والساقطة ما بين السطحية والفوضي والشذوذ.
كان الإعلام المصري من الأسباب الرئيسية لتشويه العقل المصري وإهدار لغة الحوار وللأسف الشديد ان الدولة بكل مؤسساتها عجزت عن مواجهة هذه الكارثة امام إجراءات مترددة وحالة ضعف شديدة يعيشها إعلام الدولة وامام ايادي كثيرة تعبث في الظلام ولاتجد من يقطعها.. هناك قوي خفية لها حسابات مشبوهة تلعب في هذا البلد ولدينا اجهزة تدرك مسؤوليتها ودورها الوطني في حماية مصر ولكن من حين لآخر يشب امامنا حريق وتحدث كارثة وندرك ان هناك من يتآمر علينا واننا احيانا نقدم العون لمن يفسدون حياتنا.
> غياب لغة الحوار مرض مصري قديم هذه حقيقة مؤكدة فقد مرت علينا ازمنة ونسينا فيها طعم الكلام والرفض والإقناع واستخدام العقل بصورة إيجابية وحين طفحت علينا امراضنا المزمنة بعد 25 يناير كان ولابد ان نتصدى وان نحاول الخروج من هذه المحنة وان نعالج هذا العقل العبقري الذي كان يوما اهم واغني واغلي ثروات هذا الوطن، ان عودة الحوار الجاد المترفع المؤثر والفعال هي اول ابواب الخروج من حالة الفوضى التي يشهدها الأن العقل المصري الذي خرج تائها في الشوارع يسأل الناس عن زمن الحكماء والعقلاء من رموز هذا الوطن.. أين عقلاؤنا يا سادة؟!.
..ويبقي الشعر
لا ‎تَسألوني الحُلمَ
أفلسَ بائعُ الأحلامْ مَاذا أبيعُ لكم؟
‎وصوتِي ضاعَ وأخْتنقَ الكلامْ
‎ما زلتُ أصرخُ في الشوارِعِ
أوهمُ الأمواتَ أنَّي لمْ أمُتْ كالناسِ
‎لم أصبحْ وراءَ الصمتِ شيئاً من حُطامْ
‎ مَازلتُ كالمَجنونِ
‎أحملُ بعضَ أحلامِي وأمضِي في الزحَامْ
********
* الأهرام

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *