الرئيسية / نصوص / كلمة عظيمة

كلمة عظيمة


*ماريو بينيديتي/ ترجمة عن الإسبانية: إبراهيم اليعيشي


الحرية كلمة عظيمة. مثلاً، عندما تنتهي الحصص الدراسية يُقال إن الواحدة منّا حرّة طليقة. كلّما طالت مدّة هذه الحرية، بإمكان الواحدة منّا التجوّل واللعب، وليس عليها أن تدرس. يُقال عن دولة ما إنها حرّة عندما يكون بمقدور أي شخص – رجلاً كان أو امرأة – القيام بما يحلو له. لكن حتى في الدول الحرّة، هناك أشياء ممنوعة كلّياً؛ مثل القتل على سبيل المثال. ومع ذلك، نعم يمكن قتل البعوض والصراصير وأيضاً الأبقار للشواء. مثلاً، السرقة ممنوعة، لكن بالرغم من ذلك ليس بالأمر الخطير إن احتفظت واحدة منّا بباقي النقود بعد شراء ما كلّفتني به غراثييلا، التي هي أمي، من مستلزمات للبيت. على سبيل المثال، الوصول المتأخّر إلى المدرسة ممنوع رغم أنه في هذه الحالة يجب كتابة رسالة أو أفضّل القول يجب أن تكتب غراثييلا الرسالة لتبرير سبب التأخّر. وهكذا تقول المعلّمة: تأخّر مبرّر. الحرية لها معان كثيرة. مثلاً، إذا كانت الواحدة منّا خارج السجن، يُقال عنها إنها حرّة. لكن أبي سجين، ومع ذلك يقولون إنه في حرية، لأن السجن حيث يقبع منذ سنوات طويلة يُسمّى هكذا.
عمّي رولاندو يقول عن هذا الأمر: يا له من تهكّم. في يوم حكيتُ لصديقتي أنخيليكا أن السجن حيث يقبع أبي يُسمّى حرية، وأن العم رولاندو كان قد قال عن الأمر إنه تهكّم، ساعتها أعجبت صديقتي أنخيليكا الكلمة كثيراً إلى درجة أنها أسمت الجرو الذي أهداها إياه عرّابها باسم تهكم. أبي سجين، ليس لأنه قتل أو سرق أو وصل متأخّراً إلى المدرسة. غراثييلا تقول إنه في حرية، أي إنه سجين، بسبب أفكاره.


يبدو أن أبي كان مشهوراً بأفكاره. أحياناً، أنا أيضاً تتكوّن لدي أفكار، لكنني إلى غاية الآن غير مشهورة. لهذا فأنا لست في حرية، أي لست سجينة.
إن حصل وأصبحتُ سجينة يوماً، ما أريده هو أن تكون دميتَيّ توتي ومونيكا سجينتين سياسيتين أيضاً. فأنا أحب أن أنام وفي حضني على الأقل دميتي توتي، مونيكا ليس كثيراً لأنها كثيرة الهمهمة. لكنني لا أضربها قط، خصوصاً لأكون قدوة حسنة لغراثييلا. هي لم تضربني إلا مرّات قليلة فقط، لكنها عندما تضرب، أكون بحاجة إلى الكثير من الحرية. عندما تضربني أو تصرخ في وجهي أقول لها: هي. إنها لا تحب أن أناديها هكذا.


من الواضح أنني أكون غاضبة جداً عندما أصل حد مناداتها بـ هي. إذا جاء جدّي مثلاً وسألني أين توجد أمي وأجبته: هي في المطبخ. الكل يعرف تلقائياً أنني غاضبة جداً. إن لم أكن كذلك، أقول إن غراثييلا في المطبخ فقط. جدّي دائماً يقول إنني الأكثر عصبية من بين كل أفراد العائلة، وهذا أمر يجعلني في غاية السعادة. غراثييلا أيضاً لا تحب أن أناديها غراثييلا، ولكنني أناديها هكذا لأنني أجد اسمها جميلاً. فقط عندما أحبها كثيراً، عندما أعشقها وأقبّلها وأحضنها بشدة وهي تقول لي: آه يا صغيرتي لا تعصريني هكذا، ساعتها نعم أقول لها أمّي أو ماما وغراثييلا تتأثّر وتصبح حنونة للغاية وتداعب خصلات شعري، وهذا الأمر لم يكن ليكون بهذه الطريقة ولا بهذه الطيبة لو أنني قلت أمي أو ماما في كل ساعة وحين، ولأي سبب كان.
إذن، الحرية كلمة عظيمة. بالنسبة إلى غراثييلا، أن يكون شخص ما سجيناً سياسياً مثل أبي ليس وصمة عار إطلاقاً. بل يكاد يكون فخراً. لماذا يكاد يكون؟ هو فخر أو وصمة عار.
أتحب أن أقول لها مثلاً إن هذا الأمر يكاد يكون وصمة عار؟ في الواقع، أنا فخورة جدّاً بأبي لأنه كان يحمل أفكاراً كثيرة، كثيرة جداً، ولهذا رموه في غياهب السجن. أظن أن أبي حالياً لا يزال يحمل أفكاراً، أفكاراً عظيمة. لكن من المؤكّد تقريباً أنه لا يقولها لأحد، لأنه إن قالها، حين سيخرج من حرية ليعيش في حرية، يمكنهم أن يعيدوه مرّة أخرى إلى حرية. أترون كم هي عظيمة هذه الكلمة؟

 mario benedetti شاعر وقاص وروائي وكاتب مسرحي أوروغواياني (1920 – 2009) عرفه قرّاء العربية بشكل خاص من خلال روايته “الهدنة”.*

________
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

الحشف

خاص- ثقافات * ابراهيم عثمونه ألم تكن صديقتي تعشق القهوة فلماذا رمت اليوم فناجينها في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *