الرئيسية / قراءات / أنطونيو نيجري يبحث العنصر المشترك بين البشر

أنطونيو نيجري يبحث العنصر المشترك بين البشر



*محمد الحمامصي


يضم كتاب “العنصر المشترك بين البشر” الصادر أخيرا عن دار صفصافة بترجمة بسنت عادل فؤاد، مختارات مما نشره الفيلسوف السياسي وعالم الاجتماع الإيطالي أنطونيو نيجري على مدى أعوام في الصحافة الفرنسية في الفترة المفصلية بين نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي، مقاربا الموضوعات الجارية مثل حربي الخليج، الإضرابات الكبيرة في فرنسا عام 1995، نشأة الاتجاه السياسي البيرلسكوني “نسبة إلى رئيس وزراء إيطاليا سلفيو بيرلسكوني”، ولكنه يناقش كذلك ظهور مشكلة الأحياء المهمشة، ظهور أشكال غير مسبوقة من المقاومة السياسية، الحركة البديلة للعولمة، ضرورة وإخفاقات بناء نسيج أوروبي، الدور السياسي للكنيسة، والتحول إلى الرأسمالية المعرفية.. إلخ.
بالإضافة لذلك يحاول نيجري وضع الأسس لمساحة سياسية جديدة من شأنها أن تعارض كل الأشكال المتداعية للشمولية القديمة الحديثة، والتي يضم لها الديمقراطية الغربية التي ينتقد تحايلها على الديمقراطية الحقيقية باسم الديمقراطية الشكلية المزعومة.
المختارات التي قد تمت كتابتها في الفترة بين بداية عام 1990 حتى نهاية عام 2000، تتناول أكثر من خمسة عشر عامًا من العمل في قلب الخبرة الجماعية للبحث والنضال، هذه السنوات الخمس عشرة كانت ذات أهمية في السيرة الذاتية للكاتب، فهي تمثل آخر سنوات عزلته في فرنسا ثم عودته إلى بلده إيطاليا، تلك السنوات التي تخللتها سنوات سجنه الست ثم أخيرًا حريته المنشودة، وهي تمثل أيضًا سنوات كتابة ونشر ثلاثة من أهم الكتب التي تعاون نيجري في كتابتها مع مايكل هاردت: “الإمبراطورية”، الذي سرعان ما لاقى نجاحًا عالميًّا، ثم “التعددية”، وأخيرًا “الكومنولث”.
وتشير الكاتبة جوديث ريفيل في تقدمتها التحليلية للمختارات “أن الأكثر إثارة للاهتمام هو أن نميز بين أربع مجموعات كبرى تخص قضايا معينة، وهي التي تعلن جزئيًّا عن تأليف كتب تعتبر هذه النصوص معاصرة لها. يمكن لنا أن نعرف هذه المجموعات بشكل مبسط على النحو التالي:
أولا: التحول من نقد شكل الدولة (مثل الذي شكله نيجري في الأعوام ما بين 1970-1980) إلى تحليل شكل جديد – الإمبراطورية، الذي أصبح يشكك في صلاحية وفعالية الإشارة إلى الدولة الأمة، وذلك ليتم تحليل الحاضر.
في الواقع، قد تم تعريف سيادة الدولة الأمة بشكل فعلي من قِبَل الفكر السياسي من خلال أربعة مبادئ موحدة (وحدة الأراضي، وحدة اللغة والثقافة، وحدة العملة، ووحدة القوة العسكرية)، والتي تعلن العولمة اليوم بطلانها: حيث خلافًا لذلك، تتمحور القوة المعولمة، في مساحة مقسمة بشكل مختلف (بما أن الحدود تفتح وتغلق في هذه المساحة وفقًا للتحديات الاقتصادية التي تملى قوانينها على إدارة التدفقات البشرية)، فهذه القوة متجانسة إلى حد كبير لغويًّا وثقافيًّا، فهي لا تنتمي إلى بلد دون الآخر، ولكن تأسيسها يتم في مكاتب المحاماة ومكاتب التمويل، في منظمات التجارة الدولية، في صندوق النقد الدولي أو في البنك الدولي أكثر منها في المكاتب الوزارية.
في هذا السياق، تفقد الحرب خصائصها الحديثة (الدفاع عن الأراضي وعن السيادة)، ولكن قد أصبحت أمرًا آخر: حرب وقائية، حرب إنسانية، حرب عن بعد، خارج الحدود الإقليمية الخاصة بها، إلخ. تمتد وتتكاثر مهام الرقابة، وتجعل من الصعب أن نميز بين ما ينتمي إلى قوات الشرطة عالية الكثافة وبين ما يعتبر بشكل فعلي بمثابة حرب محدودة. وأخيرًا، يتم حاليًّا طرح مشكلة العملة المرجعية (من أجل التبادلات التجارية) بشكل واضح وصريح: لقد فتح انتهاء اتفاقيات بريتونوودز اليوم أمام المنافسة العالمية من أجل السيطرة على التبادلات النقدية، ولم تعد حاليًّا سلطة “سك العملة” القديمة موجودة.
ثانيا: تحديد القضايا السياسية الجديدة الذاتية، وتحديد الأساليب الجديدة في التنظيم، في العمل وفي النضال: انطلاقًا من تحليل الأحداث الواقعية (إضرابات عام 1995، حركة العدالة الاجتماعية، من سياتل إلى مجموعة الثمانية في جنوة عام 2001، مشكلة العشوائيات… إلخ)، كان الأمر يتعلق بالنسبة لنيجري بالإجابة على تساؤل جوهري: ما هي نوعية الذاتية المعارضة التي يمكن أن تتواجد في هذا السيناريو الجديد الذي تقدمه الإمبراطورية؟ كان عمل نيغرى، الذي يتصف دائمًا بأنه عمل واقعي، يكشف دائمًا عن جذوره الفلسفية: من خلال استعادة مفهوم سبينوزا للتعددية، وهو في الواقع فكرة غير مسبوقة عن اختلافات غير ممكنة (أي خصوصيات)، والتي يمكن أن تحدث نوعًا من ترتيب الاختلافات كاختلافات، والتي تتمسك السلطة دائمًا برفض وحدتها وتسعى دائمًا إلى تكوين أشكال ذاتية جديدة تتغير باستمرار وفقًا لعلاقات القوى.
ولكن بعيدًا عن نظرية سبينوزا التي طالبت بمفاهيم مثل مفهوم التعددية، فهي تمثل مفهوم الإنتاج الذاتي لدى فوكو (بما أن الأمر يتعلق بجعل اختراع الذات ممارسة أخلاقية وسياسية حتى في قلب نسيج السلطة)، ومفهوم الكينونة لدى دولوز (والتي تلعب دورًا ضد سياسة الهويات) والمقصود بها هنا: بطريقة مختصرة، أن الفكرة الرئيسية هي أن الأشكال القديمة التي من خلالها تدعونا الحداثة إلى التفكير في القضايا السياسية تعد حاليًّا شيئًا قد عفا عليه الزمان، ولا بد من اختراع موضوعات ذاتية جديدة تكون على مستوى الواقع الخاص بنا، تحليل الكيفية التي يتحول بها نموذج الإنتاج الاقتصادي (وبالتالي نموذج العمل).
يأتي وصف التحول نحو ما يطلق عليه اليوم الرأسمالية المعرفية (أي نحو اقتصاد المعرفة، الإيثار والتعاون) في تحليل نيجري لصيغة الطفرة الأولى، التي تحددت في السبعينيات، والتي تتشكل من الانتقال من “العامل الشامل” إلى “العامل الاجتماعي”. إن الأمر يتعلق بجعل التفكك نزعي الاتجاه لتنظيم العمل الفوردي مرئيًّا لصالح منظمة أكثر تعقيدًا تتضمن جزئيًّا الذاتية (السلوك الاجتماعي) للعامل وليس فقط قدرته على العمل البدني وغير الذاتي – هذا ما كان نيجري يطلق عليه أحيانًا، في بعض نصوص هذا الكتيب “العمل ما بعد الفوردية” أو “العمل غير المادي”.
وترى جوديث ريفيل أن تطور تحليلات نيجري بوضوح: من مجرد تحديد المخرج الحتمي (الذي لا يزال نزعي الاتجاه) للفوردية أو توصيف اللامادية (في مقابل العمل المادي) الذي يتوافق مع الإنتاج التسلسلي للسلع من قبل القوى العاملة” البدنية” للعمل، إلى فكرة الرأسمالية المالية الحقيقية التي تستند إلى اقتصاد المعرفة والتعاون الاجتماعي، والذي يتجاوز المعارضة بين مادي وغير مادي إلى توصيف إيجابي، فالأمر يتعلق هنا بعمل مثير للاهتمام، وهو متعلق بالجمع بين الفرضيات والتحقيقات التي سمحت لنا بهذه القراءة.
مع الاستخدام الدائم لنوع من (هيكليانوس) للتحليل، مزدوج الجانبين: من جهة، يتعلق الأمر بشكل فعلي بوصف الكيفية التي يعاد بها تنظيم الرأسمالية، ولو بشكل جزئي خارج حدود المصنع، والتي قد عدلت من أطر الإذعان والاستغلال (مما يعني أيضًا إنتاج القيمة)، وذلك حتى تشمل وتسيطر على ذاتية القوى العاملة، والقيام بنفس الأمر فيما يخص إنتاجها، وذلك عقب عقد من الصراعات التي بدأت عام 1968. ومن جهة أخرى، بوصف الكيفية التي أصبحت بها هذه الذاتية لا غنى عنها للتقييم الرأسمالي، والتي تتم مراقبتها أيضًا (حيث إنها مدرجة في الإنتاج) ومن المفارقات أنها تعد أمرًا مهمًّا (لأنها لا غنى عنها لرأس المال).
وإجمالًا: يعتبر إدراج إنتاج الذاتية وآليات التنشئة الاجتماعية في قلب عملية إنتاج وتنمية رأس المال، امتدادًا للإذعان وللاستغلال الرأسمالي، ويعد أيضًا كدخول متناقض لحصان طروادة في قلب رأس المال نفسه. فإذا كانت الدوافع الذاتية هي المحرك الرئيسي للصراعات، فإن الإنتاج المعرفي لا يعد شيئًا بدون الأخذ في الاعتبار لهذه الدوافع الذاتية.
وتضيف ريفيل “نعرف جميعًا تحليلات ميشيل فوكو حول كيف أصبحت علاقات القوى السياسية حيوية، أي: أنها امتدت إلى جميع نواحي الحياة – لكي ترافق مولد الليبرالية الاقتصادية والتصنيع الأول، وذلك لكي تحقق أقصى قدر من الأرباح. إن التحكم بحياة العاملين تاريخيًّا، منذ بداية القرن التاسع عشر، يعني السيطرة على كافة ظروف الحياة وتوظيفها بشكل كامل من أجل الإنتاج. بالنسبة لنيجري، فإن استعادة لفظ “سياسة حيوية” من أجل وصف عمليات التقييم الحالية توضح في المقابل استعادة النشاط في الحياة بأسرها: فالحياة ليست هي ما يجعل الإنتاج ممكنًا، إنما هي المادة الأساسية للإنتاج، التي يتم الحصول عليها، استغلالها واستخدامها، حيث إنها في حد ذاتها، هي الشيء الذي يتم تقييمه.
ولكن الحياة ليست فقط مجرد علم الأحياء أو علم وظائف الأعضاء، كما أن السياسة الحيوية ليست فقط مجرد استغلال تكنولوجي لهذه الأخيرة. فلم يتراءَ لكهنة بيوس، الذي تم اختزاله إلى زوي، أي ما يعني تفاصيل الحياة والتي تبدو ظاهريًّا قاصرة على نفسها، انتقاد السياسة الحيوية والذي يتطلب مشاركة أكثر من ذلك بكثير. فالحياة قبل كل شيء عبارة عن مجموعة العلاقات، مجموعة المشاعر، التعاون، تداول اللغات، المعلومات، الإيماءات والمعارف، التي تنسج بشكل يومي هذا السلوك الاجتماعي المشترك والنابع دائمًا من المهنة التي نعكف على تناولها.
فيمكننا أن نعتبر أن الحياة عبارة عن بناء بطيء وصلب للذاتية، لطرق الوجود، لأساليب العمل والتنظيم، وهي عبارة عن وفرة الاختراعات والتجارب، والتي هي تبتكر وتخلق، من داخل المحددات الحالية (والتي بالطبع لا يمكن إنكارها).
هذا ما يطلق عليه نيجري أحيانًا الأنطولوجيا (وهو ما يعني حرفيًّا: خلق أشكال جديدة، يجب أن تكون جوهرية تمامًا). هذه هي الحياة، أو بعبارة أخرى الإنتاج الأَنْطولُوجِيّ، الذي يحاول رأس المال حاليًّا أن يندرج تحته.
كيف لنا إذن أن نضمن أن هذا الإنتاج المبتكر والخلاق لا يتمزق على الفور من قبل رأس المال إلى دوافع ذاتية منفصلة، فتجمع هذه الدوافع هو الذي يجعل هذا الإنتاج المبتكر ممكنًا؟ كيف لنا أن نمنع أن يستولي رأس المال، بحكم التعريف، على كل شيء؟
وأخيرًا: كيف نعيد التفكير في إعادة توظيف الآلة الاقتصادية لتقوم على أساس الإنتاج الاجتماعي، والذي يعتبر حاليًّا أكثر إفادة من إنتاج السلع المادية؟ ما هي أشكال رقابة، تقييم وقياس رأس المال التي يجب أن تؤسس اليوم حتى يتم تطبيقها على هذا الإنتاج الاجتماعي الجديد؟ وما هي الاستراتيجيات المعارضة لإعادة التعريف التدريجي للصورة الاقتصادية الجديدة، التي يجب أن تكون على مستوى هذه الأشكال الجديدة.
وتوضح ريفيل أنه بينما لم يقدم العنصر المشترك قط أي تحدًّ سياسي أو قانوني. يجب أن نتذكر أن العنصر المشترك، في القانون الروماني، هو كل عنصر يمكن تكييفه للجميع، لقد تم تأسيس القطاع العام والخاص على نظم أساسية توصف سياسيًّا على أنها متضادة، ولكن يشمل كل منهما في الواقع بعض الأفكار عن الملكية، وهو ما يعني بشكل فوري، بعض ممارسات نزع الملكية. فنحن نطلق في الواقع لفظ “خاص” على ما ينتمي إلى شخص واحد (باستثناء الآخرين)، أما لفظ “عام” فيطلق على ما ينتمي إلى الدولة، وهو ملك الجميع بما أنه لا ينتمي إلى شخص معين.
وبالتالي، لا يمكن أن تنطوي محاولة التفكير في الوضع الفلسفي أو في الوضع القانوني أو في الوضع السياسي للعنصر المشترك بعيدًا عن فئات العام والخاص قبل كل شيء، على انتقاد للملكية وللأرباح في حد ذاتها. ولكن من وجهة نظر التكوين الذاتي للتعددية، يعتبر “العنصر المشترك” وهو ما يطلق أيضًا على ما يؤسس بناء على التفاعل، التعاون، وعلى التبادلات بين الخصوصيات: وليس كما اعتقدنا لمدة طويلة، على أنه أساس المجتمع وقاعدته ومبدؤه فائق الوصف، وإنما على العكس هو ناتج منتج آخر، ألا وهو التعددية، أو بمعنى أدق: إذا كانت التعددية هي الاسم الذي يطلق على التصنيف الفاعل للاختلافات كاختلافات، فبالتالي، العنصر المشترك هو الاسم الذي يطلق على إنتاجها المبتكر. العنصر المشترك: يعتبر في نفس الوقت ما أسسه الرجال والنساء معًا (هو ما يريد رأس المال أن يحصل عليه ويسلبه تحت الشكل المزدوج من الملكية الخاصة وملكية الدولة)، وهو أيضًا اسم لمشروع سياسي من أجل التعددية. ولكن أيضًا العنصر المشترك هو اختراع لمساحة سياسية جديدة من شأنها أن تعارض كل الأشكال المتداعية للشمولية القديمة الحديثة، التي تحولت إلى صنم فارغ، متجاوز الحدود، والذي بدوره تحول إلى قناع قبيح لتوحيد أو تحييد الاختلافات، باختصار: عن طريق التحايل على الديموقراطية الحقيقية باسم الديموقراطية الشكلية المزعومة.
يبقى لنا أن نفهم كيف يستطيع العنصر المشترك بدوره أن ينتج شمولية جديدة، لا تتم حيازتها من حيث المبدأ، ولا تصبح قاعدة لكل شيء، وإنما تبنى هي، وتصبح مطلوبة ومتجددة باسم الديموقراطية المطلقة، بل ويتم إعادة تصميمها على أساس تغييرات الوقت الذي نعيشه، شمولية يجب أن تشتمل قبل كل شيء على احترام الخصوصيات والصلات بينها، على الذاتية الحرة للخصوصيات، على الحق في العيش سياسيًّا واجتماعيًّا بشكل محترم. مما لا شك فيه، أن مختبر الفكر النقدي لا يزال مفتوحًا، ولكن نيجري بخصوصيته، لن يكف عن المساهمة في هذا المختبر، ولنا أن نراهن على ذلك.
______
*ميدل إيست أونلاين

شاهد أيضاً

معجم «مفاتيح التراث» للدكتور محمد عبيد الله.. مشروع معرفي ضخم

 مجدي دعيبس   عندما شرعتُ بقراءة المقدمة التي وضّح فيها الدكتور محمد عبيد الله منهجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *