الرئيسية / نصوص / موت لوحة

موت لوحة


*عدنان فرزات


منذ أن تفتحتْ عواطفي في هذه الدنيا وأنا كبرعم عفوي في صحراء لم يممسها بشر، أعيش بلا أحد، لم يكن ذلك يريحني. الحياة من دون أصدقاء، كما لو أنك تعيش في غرفة من النحاس تُشعرك بخواء صدى صوتك اليتيم.

كل يوم أعود وحيداً عند منتصف الليل إلى غرفتي الصغيرة التي أسكنها، وتبعد عن محطة القطارات في مدريد قرابة الأربعين دقيقة سيراً على الأقدام. أُبطئ الخطى محاولاً أن أتأخر قدر الإمكان عن عزلتي التي تنتظرني في الغرفة، أتفرس في وجوه العابرين مع كلابهم التي يقودونها بحرص، على الأقل هي تجد مَن يخاف عليها من عربات الطريق.
حين أدخل في أزقة فرعية موحشة، أفعل أي شيء يسليني، ويطرد عني خيالات الأشياء التي تبدو في العتمة مثل جنيات الحكايا، أحياناً أركل العلب الفارغة، أُخرجها برأس العصا من حاوية قمامة، وأدحرجها أمامي كما كنتُ أفعل في طفولتي التي لا أمتلك فيها الكثير من الألعاب.
عندما أدخل إلى غرفتي التي تقع في الدور الأخير من بناية قديمة فيها ثمانية أدوار، لا يكون أحد في استقبالي سوى لوحة لفتاة وهمية أسميتها «كحلاء»، وطائر سنونو كنتُ قد أسعفته من كسر حدث في جناحه الأيمن بعد أن وجدته بلا حراك على حافة نافذتي خلال الربيع الفائت، ولم يعد باستطاعته الطيران، لم أضعه في قفص، ليس فقط لأنه لا يقوى على الطيران، بل لأنني أرفض عبودية الخلائق. أمقت الأرقاء بالدرجة نفسها التي أمقت فيها الطغاة. أشعر أن الطغاة يصنعون من الأرقاء فئران تجارب للتسلط، حتى إذا ما نجحت تجاربهم استعبدوا بقية الخلائق. لذلك فإن شعوري بالمَقت للأرقاء يكون ممزوجاً بالشفقة، كيف يتقبلون ذلك؟!.
يستقبلني طائر السنونو الأسود بعينين حزينتين، أٌطعمه وجبته من النمل الحي، وأجدد له وعاء الماء. استشرتُ صديقاً لي مهندساً زراعياً فدلني على طرق تغذية السنونو المدجن، لم تعجبني عبارة مدجن، فهو ليس كذلك، إنه مضطر إلى العيش معي. قال لي المهندس إنه يتوجب علي أن أحضر حوضاً زجاجياً وأضع فيه عدداً من النملات، ثم هي ستختار من بينها ملكة، لتتكاثر. كنت حزيناً لأنني أسجن النمل في هذا القفص الزجاجي، وأكثر حزناً أنني أجعل من هذا السنونو برجوازياً لديه مزرعة من الكائنات الحية يعيش على أرواحها، وجدتُ نفسي أمام حياة حقيقية، لابد أن يتلاشى فيها طرف، ليظهر آخر. حين أقترب لأمسح على رأس طائري الصغير، يتحفز مذعوراً، ولكنني أُقدّر هلعه، فمن اعتاد الفضاء الواسع، صعب أن تقلصه له.
أفتحُ النافذة مُستقبلاً دفقة من الهواء البارد، لبضع دقائق ثم أغلقه، أتمدد على سريري الخشبي القديم بملابسي ريثما يهدأ جسمي من مسيرة أربعين دقيقة متواصلة، أفتح التلفاز الصغير، لا شيء يستهويني سوى نشرات الأخبار، أجول بين محطاتها ثم أُسكت الصوت وأترك الصورة تؤنس وحشتي. ثم أبدأ حديثي الافتراضي مع صورة كحلاء في اللوحة، أناقشها وأحتد أحياناً معها، وأشعر أنها تنصت إلي بشغف. ثم أستحضر بعض الذكريات معها، ولا أسمح لكل الذكريات أن تأتي، تعلمتُ أن أتحكم في جريان ذكرياتي. لم أعش قصة حب في حياتي. يراودني شعور الحب أحياناً ولكن على شكل وَهْمٍ عابر فلم يستقر قلبي على فتاة بعينها، لذلك فأنا أستعيض عن الحب بصورة كحلاء، لذلك قررتُ أن أصنع حبي على مقاس عاطفتي فعلّقتُ على الجدار المقابل لسريري صورة هذه الفتاة الوهمية التي صنعتها في مخيلتي، ذهبتُ إلى رسام في شوارع مدريد، وأعطيته مواصفات افترضتها لفتاة غير موجودة إلا في أحلامي، وأسميتها كحلاء، فهي حبيبتي الوحيدة.
قلت للرسام أريد لوحةً لفتاة بالطول الكامل، ذات عينين سوداوين داكنتين، وشعر فاحم السواد ومبلل بالماء كما لو مرت صاحبته من تحت غيمة تشرينية بلا مظلة، وترتدي بنطال جينز وقميصاً أبيض بقوام يشبه مهرة بلا سرج ولا لجام.
كل يوم أجلس إلى كحلاء أنادمها، أحكي لها بعض المواقف التي تحصل معي في عملي، وأحياناً أستشيرها بصوت مرتفع حول أمور أنوي القيام بها، وقد يتهيأ لي أنني أسمع صوتها، وفي الواقع هو صوت قناعتي بالخطوة التي سوف أقدم عليها، وغالباً ما كانت الاستشارة ناجحة، شخص ما في أعماقنا هو دائماً على صواب، ولكننا نخالفه برأي الشخص الظاهر للعيان فينا.
كثيراً ما كنتُ أشتاق كحلاء حين أكون خارج الغرفة، وفي أحيان كثيرة أعود من العمل لأجلها، أحس أنها استوحشت وحدها في غيابي. وعندما تباغتني لحظات عشق ليست لأحد، أبدأ بمخاطبة الصورة.
كنتُ أشفق على الصورة من أنها تبقى حبيسة طوال الأسبوع، لذلك كنتُ أسحبها من إطارها النحاسي، وأطوي قماشها على شكل لفافة أسطوانية، وأصطحبها معي في العطلات النادرة التي أمنحها لنفسي، أخذتها إلى كثير من الأماكن، حتى إلى دور السينما والمطاعم، وعندما أريد أن أشعر بالزهو أمامها، فإنني أصطحبها إلى التاريخ الأندلسي في الجنوب الإسباني.
أنتظر منها أن تناديني باسمي:«ميسرة»، أنتظر طويلاً، أقف مصغياً كأنني سأسمعها فعلاً تناديني، أشتاق إلى اسمي كثيراً، فمنذ زمن طويل لم ينادني أحد باسمي، كانوا ينادونني بالإسباني باسم «العراف» (clarividente) .
ذات مساء مفعم بالشجن، عدت إلى غرفتي، فلم أجد سوى فراغ الوهم يحوم في الغرفة الصغيرة، نبهتني نظرات السنونو إلى أمر ما حصل في غيابي، سمعتُ صوت إيقاع قطرات ماء بشكل منتظم وموحش كأنها دقات ساعة جنائزية، بحثت عن مصدر الصوت، كانت ثمة شقوق في سقف الغرفة أتاحت للمطر الغزير أن يتسرب إلى الجدار الذي يحمل صورة كحلاء.
شهقتُ بصوت مخنوق كما لو أنني أسقط في هاوية بالمنام، لم أتمكن من التقدم باتجاه الصورة، كانت الأمطار قد مسحت ملامحها تماماً، وتركت لي بياضاً ليس ناصعاً. دفعتُ قدميّ بتثاقل كأنني أسير في طين شاطئ لزج، أمسكتُ باللوحة الفارغة، ورحتُ أتأمل بقاياها من بين غشاوة دموع ساخنة. إحساس مؤلم رشقَ وجهي حينها بماء الغربة البارد. نزعتُ اللوحة من فوق الجدار، وجلست معها على الأرض أخاطبها: «كحلاء، يا تاج النساء، يا غابة ورد نبتت في صحراء غربتي، كيف لقلبك أن يترك فرحي معلقاً على باب الانتظار، هل يمكن أن يتسلل منجل قسوتك إلى حنطة روحي؟.. إذاً تكلمي».
لم أتلق العزاء من أحد، لأنني لا أعرف في غربتي سوى السنونو، الذي بدأت عيناه تغفو تاركاً لي هذا الخواء المفجع.
________
*مجلة دبي الثقافية /العدد123

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *