“جريمة الآباء” و”الهارب”.. محطات مفصلية لسينما فلسطين قبل النكبة

“جريمة الآباء” و”الهارب”.. محطات مفصلية لسينما فلسطين قبل النكبة

كتبت بديعة زيدان:

ضمن فعاليات معرض عمّان الدولي للكتاب (اليوبيل الفضي)، أُقيمت، مساء أول من أمس، أمسية تناولت جذور وتأصيل السينما في فلسطين، حيث قدم فيها الباحث والناقد يوسف الشايب، ورقة غنية بالشواهد والأدلة التاريخية لنقض الروايات المغلوطة وتأصيل السينما الفلسطينية منذ بواكيرها.
استهلّ الشايب ندوته، التي أدارها الروائي الأردني يحيى القيسي، بالإشارة إلى الدور المبكر للأخوَين الفرنسيَّين “لوميير”، اللذين أوفدا مبعوثهما أليكس بروميو لتصوير الأراضي المقدسة في فلسطين العام 1896 (أي بعد أقل من نصف عام على اختراع السينما)، حيث عرض في الأمسية التسجيل الكامل لهذا التوثيق السينمائي النادر، والذي تجاوز ثماني دقائق، موثقاً مشاهد حية في القدس، ويافا، وبيت لحم؛ لتكون فلسطين المحطة الثانية عالمياً في تاريخ الصورة المتحركة (السينما)، وليؤكد أن ما صوره أليكس بروميو بإيعاز منهما يُعد أول مادة مصورة في فلسطين، ودليلاً بصرياً يدحض خرافة “أرض بلا شعب”.
كما سلّط الشايب الضوء على تجربة الشقيقَين إبراهيم وبدر لاما اللذين أسسا شركة إنتاج في الإسكندرية خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وتنسب لهما ريادة السينما الروائية العربية والمصرية؛ حيث فنّد ما جاء في بعض المراجع التي اعتبرتهما من اليهود، مؤكداً أنهما من أبناء فلسطين المسيحيين (من عائلة الأعمى في بيت لحم)، وعرض صورة نادرة لهما أثناء تصوير فيلمهما “الهارب” في بيت لحم من أرشيف المقتني الفلسطيني الفنان جورج الأعمى.
وحسب الشايب، لم تكن صلة الأخوَين لاما منقطعة بفلسطين، بل عادا إليها لتصوير المشاهد الخارجية لفيلم “الهارب” بالكامل في جبال، وأودية، ومراكز شرطة بيت لحم، وبيت ساحور، والدهيشة، في العامَين 1935 و1936، إذ شارك في العمل كوكبة من نجوم الفن العربي في ذلك الوقت، مثل فاطمة رشدي وعبد السلام النابلسي، إلى جانب طاقات ومجاميع محلية من شبان وعائلات بيت لحم الذين ساهموا في الدعم اللوجستي والمشاركة الحية. وهو الفيلم الذي تناول قضايا لصيقة بالوجدان الفلسطيني والعربي في تلك المرحلة، ممثلة بظاهرة “الفراري” من التجنيد العثماني.
وتطرقت ورقة الشايب كذلك إلى تفكيك بواكير السينما الاستيطانية وسرديتها الموجهة للعالم، متناولة إستراتيجية “أسرلة المشهد الطبيعي” ومحو الوجود الأصيل التي تبنتها السينما الصهيونية المبكرة بوعي ممنهج لترويج سردية “العودة وبناء الأمة”؛ فمن خلال أفلام مبكرة بدأت من أعمال موراي روزنبرغ (1911) ونوح سوكولوفسكي (1913) وصولاً إلى ناثان أكسلرود وباروخ أغاداتي بتمويل من المؤسسات الصهيونية، حيث عُمد إلى اختيار زوايا تصوير مخاتلة تخفي المدن والمجتمع الفلسطيني المأهول لتقديم فلسطين كأرض خربة تنتظر “الإحياء”.
وفي كشف جديد شكل علامة فارقة في الندوة، اعتبر الشايب أن ما عرف بـ”الرواية السينمائية المسرحية” الموسومة بـ”جريمة الآباء”، هو أول منتج سينمائي فلسطيني، وسماه المنتج لكونه تأتى في إطار عمل هجين أُنتج بإشراف “معهد السينما والتمثيل في القدس”، ودمج بين التمثيل الحي على المسرح والعرض المصور سينمائياً على الشاشة البيضاء، وانطلقت عروضه في ربيع العام 1933 على مسرح “تياترو أديسون” بالقدس ثم في يافا، كاسراً بذلك سطوة الرواية التي تفيد بأن أول منتج سينمائي فلسطيني هو ذلك الذي قدمه إبراهيم سرحان في العام 1935 ويوثق زيارة الأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز إلى فلسطين.
ومن المفترض، حسب ما اشتملت عليه الندوة، أن تتكشف قريباً كل هذه التفاصيل والتوثيقات المدعومة بالفيديوهات، والصور، والوثائق النادرة في كتاب جديد بذات عنوان الندوة يصدر للشايب عن دور نشر فلسطينية وعربية العام المقبل، كتأسيس لمشروع تأريخ السينما الفلسطينية لأكثر من قرن، ويعمل عليه منذ أكثر من عشرين عاماً، وسيجمعه بعد اكتمال كامل إصداراته وصدورها منفردة في إطار موسوعة من المقرر أن تُوسم بـ”شاشات البلاد”.

  • عن جريدة الأيام الفلسطينية

شاهد أيضاً

“البستانيون” لبثينة العيسى: ديستوبيا المستقبل القريب للرأسمالية المتطرفة

“البستانيون” لبثينة العيسى: ديستوبيا المستقبل القريب للرأسمالية المتطرفة موفق ملكاوي بعد “حارس سطح العالم”، تعود …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *