جلال برجس.. من سنابل حنينا إلى مجد الرواية العربية

جلال برجس.. من سنابل حنينا إلى مجد الرواية العربية

فايزة عبدالكريم الفالح

 

أخالني أخلعُ عن جلبابِ الوقتِ رتابتَه، أقفُ على حافّةِ السطرِ كمن يقفُ على شرفةِ الغيب. ما جئتُ وحدي، بل اقتفيتُ أثرَ خطاي الممتدةِ في عروقِ الورق. القلم رفيقي الأزلُ، النبضُ الدائم، الذي كلّما توكأتُ عليه؛ أورقَت كفّي حقولاً من الأسئلة، وفجّرَ من صمتِ الجمادِ بلاغةً لا تعرفُ الهوان. إنه ليس مجرد أداة، بل هو امتدادٌ لروحي، يئنُّ حين يعصرُني الشجن، ويستقيمُ فارساً كلما دعتْه خيولُ الفكرةِ للميدان. وها محبرتي كأنّما ليلٌ صغيرٌ أُختزل فيه مَجرّاتِ الوعي، كلما غمس القلمُ رأسَه في أحشائه، عادَ محمَّلاً بنورِ الكشفِ واليقين. وتلك السطورُ الممتدةُ على بيضِ الصحائف، تنتظرُ كما تنتظرُ الأرضُ الجدباءُ أولَ الغيث. أبذرُ في ممرّاتِها الضيقةِ بذورَ الرؤية. وإذا ما تلاقت الأدوات، وِلِدَتْ الكلماتُ، تلك الكائناتُ النورانيةُ الخالدة؛ التي أغزلُها من طينِ الواقعِ. تارةً تأتي كالنسمةِ الحانيةِ؛ لتضمّدَ جرحًا، وطورًا تعصفُ كالإعصارِ؛ لتهزَّ ركودَ الساكن. هي طقوسُ ولادة متجددة لمقالة جديدة؛ عن قلمٍ طالما يلامسُ فينا وميضًا من حقيقة. إنّه قلم الروائي الأردني «جلال برجس الغليلات».

تغفو الحكايةِ على ذراعِ التاريخ:

مِنْ خاصرةِ مأدبا الأمّ، يمتدُّ الطينُ السيرةً الأولى، تغفو الحكايةُ وادعةً على ذراعِها التاريخيِّ الصلب؛ لتستيقظَ «حنينا» من مخبأِ الروحِ الشَّفَقِيّ. هناك، حيثُ كانت الأمُّ تُدعى في أوراقِ الزمنِ المنسيةِ، وسِفرِ الملوكِ الغابرينَ بـ»مِيدَبا»؛ الأرضُ التي هجستْ بالسرّ الفصيح لتكونَ «مياهَ الفاكهةِ والراحةِ والطين»، سُرَّةَ الأرضِ التي نبتَ منها جبل «نيبو» كأنّ عصا النبي «موسى» تشير بها الأرض نحو السماء، يقف المدى شاهدًا على وقار الأنبياء الذين ارتقوا سُدّته؛ ليمسحوا بآخِر نظرةٍ لهم جبهةَ القدس العتيقة من وراءِ ضبابِ الوادي على تخوم الأبدية. وما إنْ يلوحَ رمحُ المؤابيينَ على حجرِ «ميشع»؛ حتّى يمرَّ خيلُ الأنباطِ يحملُ عطرَ البخورِ، وتتبعه عرباتُ الرومانِ، وسلاسلُ البيزنطيينَ وهم يرصفونَ الكنائسَ بعبورِهم، وأحجارِ الفسيفساء. هناك تتصافحُ حواضرُ الأردنِ وفلسطينَ، ومصرَ، في موكبٍ حَجريٍّ بَديع، خطَّتْهُ أناملُ الماضي لتكونَ الأرضُ خريطةً من ضياء. في عمقِ هذا الامتداد، أشرقتْ «مأدبا» بنورِها العربيّ؛ يومَ أنْ رفعتْ رايات الأمويينَ هيبتَها فوق جبهةِ الشمسِ، فنبتتِ المآذنُ إلى جوارِ القِبابِ كأنّما أشجار نور تسبّحُ بذاتِ الأبجديّة؛ لتُعانقُ فسيفساء «أُم الرصاص» الأمويّةُ خلودَ التاريخِ في جنوبِ «مأدبا»، بينما تحرسُ أقواسُ المتنزهِ الأثريّ بوسطِ المدينةِ هيبةَ التراثِ بعبقريّةِ مِعمارِها؛ لتروي لوحاتٍ حجريةٍ حكايةَ العصور. من رَحمِ هذه القداسة وِلِدَتْ «حنينا» بلدة ابن «الغليلات» «جلال برجس»من جذرِ التحنانِ والوجيبِ.

 أنين في مدارات الحنين:

تتنهد السنابل الذهبية في سهول «حنينا» المأدبيّة، تنحني برؤوسها المُثقلة بالقمح لتهمسَ بثنائيّة الوجود : هنا تشبثت الجذور، ونبتت الحكاية. لاسم «حنينا» سرٌّ يسري في عروق ترابها؛ المُشتق من ذلك الحنين الأزليّ المُخبّأ في مسامات الأرض، كأنّها دمعة شوق جفّت فوق خدِ التاريخ، أو نداء خفي يشد الراحلين إلى أوّل الخَلق، وأوّل الطين. من جوف هذا الحنين، ينهض «البيت العتيق» كقلعة من حجرٍ وتراب، بيتٌ لم تطرقه هندسة غريبة، بل بنته أصابع الأجداد مدماكاً فوق مدماك. حجارته الصامتة تنطق سمرة، محفورة بملامح الصبر، تختزن في مساماتها رطوبة الشتاءات الغابرة، ودفء الشموس التي توالت على مأدبا منذ عهد الأنباط. أمّا بابه الحديديّ المصقول، كان واسعاً كقلب أهله، له صرير يشبه ترتيلة ترحيبٍ لا تنتهي، يفتح ذراعيه لكلّ عابر سبيل، يهمس للمساء بصخب إنسانيّ وئيد؛ ليصبح الملاذ والأمان وسط ليلِ الريفِ الموحش، ليلٌ يجرّ أنين في مداراتِ الحنين.

شيوخ الطين وسدنة الحكاية:

تتدفّق الحياة في صدر البيت العتيق، من حيث كان الجدّ يتربع كشجرة بلوط دهريّة حارسة للتقاليد. فلّاح يرتدي هيبة الأرض كعباءة أبديّة، يداه اللتان تشقَّقتا من غزل المحاريث، وفِلاحَة الروابي، تحملان حَزْمًا ريفيًّا صارمًا؛ لكنّه حَزم نبيل يصون كبرياء العائلة الممتدّة. وإلى جانبه كانت الجدّة الحكّاءة تتكِئ على ربوع الحكايات، كأنّما مذياع أصيل يعترش مصطبة الزمن؛ يجلس الأحفاد حولها، فتنفتح من شفتيها بوّابات الخيال. لم تكن تقصّ الحكايات لتهدهد النوم في جفونهم، بل كانت تزرع في وجدانهم عوالمًا من السِّير الهلاليّة، والقصص الشعبية، محوّلة غرف الطين إلى مسارح كونيّة تضج بالحياة؛ قبل أنْ يعرفوا الحِبر والأوراق. وفي عتمة الكفاح، يبرز وجه الأبّ القرويّ «برجس»؛ ذلك العامل الكادح الذي يطحن الصخر نهاراً؛ ليشتري لأولاده فضاءً من الكرامة. يعود في المساء محمّلاً بملامحِ تعبٍ مُقدّس، فيدرأ عنهم صقيع العالم الشاسع. ولتكتمل لوحة السكينة، كانت الأم تفيض كالنبع الهادئ وسط صخب البيت الكبير، ففي هذا الفضاء المترع بأنفاس الطين، ورائحة الخبز الأصيل، ووشوشات السنابل، كان الزمن يتدفق ببطء شديد، حاملاً التفاصيل الصغيرة، والكبيرة اللتان شكّلّتا معًا الرحم الروحي الوديع، والمهد الأوّل لإستقبال صرخة الطفل البكر «جلال» في الثالث من حزيران عام 1970؛ فكان الولد الذي لم يولد لأي رواية؛ بل جاء ليصنع الروايات بنفسه ويمنحها الحياة.

حبر الذاكرة…

تتأمل السنابل طفولة «جلال» التي لم تكن تشبه طفولة الصغار العابرة، بل كانت طفولة مثقلة بالشقاء والهدوء معًا. لم يكن الطفل يمارس الكثير من اللعب، غير أنّه كان ينسج من خيوط العتمة بساطًا مزخرفًا بالأحلام. يجلس وحيدًا على عتبة البيت العتيق، يبدأ بعدّ النجوم على أصابعه الصغيرة؛ وحين لا تكفي يداه الصغيرتان لاستيعاب زحام النجوم في السماء، يمد خياله المُبَكّر الشاعري؛ ليقترضَ أصابع إضافية من يد القمر المستدير الهادئ. ولا بأس من السير على تلك الطرقات الترابية، التي تنتهي بطريق معبّد يتيم، كأنّه كائن حي يسلك ذاته برتابة يوميّة مكرّرة، ليهبطَ من أعالي القريّة، ويصل في النهاية إلى قاع سوق مأدبا النابض بالحياة والدكاكين القديمة. وعلى جنبات مشاريق «حنينا» يمررن نسوة القرية مُرتديات «المدارق» السوداء اللون، كأنّهن يلبسن عتمة الليل وقاراً وهيبة، يحملن فوق رؤوسهن سطول الماء، ومن قلوبهن تنبع حكايا البيادر الذهبيّة. ومن الشفق الممتدّ، قَطَفَ الطفل دفتر سرّيّ غير مرئي، يخطّ فيه بذاكرته ملامح الصيف الساخن، وكروم التين والعنب، أمّا كروم الزيتون التي تفوح برائحة الأرض بعد المطر، لها قدسيّة خاصة في صومعة حبر الذاكرة.

عزلة الصدر الضيق:

في غمرة عزلة «حنينا» المأدبيّة، باغتت الطفل محنة مبكّرة غيّرت مجرى حياته؛ إذ أصابه مرض «الربو الحاد» وهو في سن الخامسة من عمره. ممّا ضيّق عليه أنفاسه، وحرمه من الركض، واللعب مع أقرانه، فرض عليه عزلة إجبارية طويلة. لكن الطفل «جلال» حوّل هذه العزلة إلى صداقة أبديّة مع الكلمة، لينبتَ من بين نوبات السعال تفوقًا دراسيًا لافتًا؛ من حيث شقّ أوّل خطواته الدراسيّة من عتبة مدرسة «حنينا» الابتدائية، يحمل معه في حلّه وترحاله كتاب اللغة العربيّة، وقلمه الذي يرى فيه سلاحه الأوحد. لم يكن جلالاً وحيداً في مضمار تفوّقه؛ فقد كان يركض بعقله تحت مَظَلّة عائلة تحرسه بالحب. كان الجد يرقب نبوغه بعيني الشيخ الفخور بحفيده البكر الذي يحمل شعلة الحرف، بينما تواصل الجدة شحذ مُخيّلته بالرموز والسِّير. والأبّ الكادح يرى في تفوق ابنه امتدادًا لأحلامه التي أطفأها تعب السنين، فيقتطع من خبز اليوم؛ ليشتري له وقود العلم. وكانت الأم الملاذ الدافئ، تطهّر صدره المتعب بالدعوات والتمائم، تجلس بإصغاء مقدّس لتسمعه؛ وهو يُرتّل القرآن الكريم، ويقرأ لها رسائل عمّه المغترب. وفي تلك السن المبكّرة؛ اتخذ برجس الطفل قراراً؛ أنْ يبقى مخلصاً للحكاية والأرض؛ كأنّما وعدٌ سرّي قطعه الصغير ل «جلال الفتى والرجل» الذي سيكون عليه مستقبلاً، وعد يتدفّق بالحياة من أنفاس صدره الضيّق.

الفتى يقرأ، والطفل يحرس الوعد:

أنا هنا.. لم أزل مختبئًا في الزوايا العميقة من صدر هذا الفتى الذي بدأ يطول قِوامه وتتسع خطواته. أنا الطفل الذي أصابه الربو ذات حزيران، وقرّرتُ ألّا أبرح حنايا جلال، فاصطحبتُ معي دفتري الشفقي وأقلامي، وعبرتُ معه ذلك الجسر الخفي الذي ينقل الصبيان من دفء قرية «حنينا» إلى صخب مدينة مأدبا الشاسعة. لم يكن عبورنا من المرحلة الإعدادية إلى عتبة المرحلة الثانوية في منتصف الثمانينيات مجرّد انتقال مدرسيّ عاديّ؛ تُمليه كشوف العلامات، وتلقائية السنين، بل كان ترحالاً لوعي الفتى الذي بدأ يرى العالم بعينين جديدتين. تحت ظلال أشجار الفتوّة، بدأت قامة الفتى تتمدّد، وكبُرت معها أحلامه في تلك الزوايا العتيقة لمكتبات مأدبا القديمة؛ كان الفتى يلتهم الروايات العالمية المترجمة، وكأنه يعوض أنفاسه التي ضاقت يوماً عليه؛ فبدأ وعيه يتفتّح كزهرة برية على مفاهيم الحياة. بدأ لسان ريفه يفيض عاطفةً وشجنًا؛ عَبْرَ قصائد، وخواطر يعرضها بخجلٍ وشغف، على معلمي اللغة العربيّة، الذين رأوا في عينيه بريق أديب استثنائيّ. حيث بدأت بذور الشعر تنبت من حبر مراهقته، ولأنّني الطفل الشغوف فيه، سادن الحكاية الذي يحرس خُطاه في ردهات «مدرسة مأدبا الثانوية للبنين» أهمس في أذنه: تَذكّر وعدنا القديم؛ أنّنا جئنا لنبقى ناطقين باسم الذين طحنهم الشقاء النبيل. تجاوز جلال التوجيهي وبتفوّق. ولم ينسَ يوماً رائحة الخبز الأصيل، وتفاصيل البيت الأوّل العتيق.

من بيادر «حنينا» إلى هندسة الأجنحة الحديدية:

ولأن الأيام مسافرة ولا تنتظر أحدًا؛ فقد أخذت بعجلة الشاب جلال؛ ليرحل بعيدًا عن الكروم وأشجار التين؛ نحو أفق تقنيّ قد خبأه المستقبل له، ولم يكن يتوقّعه خيال الطفل المُتشبّث فيه؛ حيث التحق بدراسة هندسة الطيران الحربي في الكلّيات التقنيّة التابعة لسلاح الجو الملكي الأردني. هناك، خلع الشابّ كنزته الصوفيّة التي غُزلَت من خيوط الصبر والدعاء؛ لتدرأ عن صدره صقيع الفجر؛ ليرتدي البدلة الزرقاء الصارمة، واستبدلَ قلم الرصاص بمفاتيح الصيانة الفولاذيّة، والمخطّطات الهندسيّة للطائرات الحربية. كانت مفارقة مذهلة. كيف لصدره الذي ضاق بالربو يومًا؛ أن يصبح مسؤولاً عن رئة الطائرات النّفّاثة، ومحرّكاتها التي تشق عنان السماء؟ وكيف ليده التي كانت تتحسّس رقّة السنابل والورق؛ أنْ تطحنها قسوة الحديد والزيوت؟ وكلّما انهمك جلال في صيانة جناح حديدي صلب، يهزّ الطفل روحه من الداخل ويهمس له: «هندس هذه الأجنحة جيدًا _ يا جلال_، فذات يوم، لن نطير بالحديد؛ بل سنطير بهذه الحكايات عبر اجنحة من حبر وورق؛ لتصل إلى أقاصي الدنيا». كان يروّضه الطفل العنيد؛ ليكون مهندساً يضبط اتزان الأجنحة في السماء، دون أن يدرك أن الحبر في عروقه كان يتأهب أيضًا ليروّضه روائياً، يُقلّب صفحات القلوب، ويزلزل السطور.

يرتدي حبره بدلةً زرقاء:

لم تملّ الأجنحة الحديدية من الطيران، وما تعب القلم من رسم المُخطّطات الهندسيّة؛ لكنّما حان وقت الترجّل، وخلع صرامة الوظيفة العسكريّة في عام 2007؛ ليطلق العِنان لحبره المخبأ تحت البدلة الزرقاء، متنقلاً بين أروقة الصحافة الميدانيّة كمحرّر في «الأنباط» ومراسل في جريدة «الدستور» العريقة. وتقلّد رئاسة تحرير المجلّات الثقافيّة كـ»مادبا» و»أدب وفكر»، ويبث أنفاسه عبر أثير الإذاعة الأردنيّة في برنامجه الشهير «بيت الرواية»، ليكون صوته والريح الجديدة يحملان حكايا المبدعين إلى فضاءات أرحب لا تحدّها حدود. ومن حيث ترجّلَ عن صهوة الهندسة في مختبرات التصميم والتطوير، تربع على سدة «مختبر السرديّات الأردنيّ»، رئيسًا وحارسًا لبوصلة الرواية والنقد. وكذلك حفرَ خُطاه باكرًا في رابطة الكتاب الأردنيين كأمين سرّ لفرعها في معشوقته مأدبا. ولأنّه صَدَقَ الوعد مع الطفل المتشبّث فيه؛ أسّس وترأس «ملتقى مأدبا الثقافي»، و»ملتقى أطفال مأدبا الثقافي»، محوّلاً براءة الصغار إلى سنابل جديدة تحفظ حكايا الأجداد. ثمّ أطلق فضاءً رقميًّا شاسعًا أسماه «منصة حبر المخيلة»، مبادرةً تفتح ذراعيها للكتّاب الشباب. ليرتدي من حِبره بدلة زرقاء؛ ينحني يقبّل يدَ أبيه، يقول له: «أبي لولا حكمتك، لما رأيتُ، وما كتبتُ. أطال الله في عمركَ».

لا تضيقُ القصيدةُ باتساعِ الرواية:

تتحدث الأوراق الصفراء المترعة برائحة المطابع القديمة، يئنُّ القلمُ الذي طالما سال حبره في جوف الليل. ويقولان: نحن الذين استقبلنا دفقات أنفاسه، وروحه حين ضاق صدره عليها، والبدلة الزرقاء؛ بوشوشات الكلمات. في البدء جاءنا جلال نحيفاً كـ «أي غصن على شجرة». يقطر شعراً يافعاً وينام مستوحشاً تحت «قمر بلا منازل». كان في أوجّ فتوّته يرتجف وجدًا، فيكتب في قصيدته «قميص الطفولة» لغةً لا تشبه السائد: «أتذكرُ ذلكَ اليومَ الذي مشينا فيهِ على حبالِ المسرّةِ دونَ أن نخشى هاويةَ الغيابِ». كان يلوذ بظلال الصمت، واصفاً قلق المبدع في قصيدته الأثيرة «انتظار على كوة القلق». يهمس لجلال الطفل الذي يسكنه: «أقفُ كأيّ غصنٍ على شجرةٍ.. أرقبُ الرّيحَ وهي تمشطُ شعرَ الفضاء، وأهزُّ روحي ليتساقطَ منها ثمرُ الشجن». وفي أعماقه كان يعلم بيقين فِطري أن أوجاع الناس، وحكايا البيادر، وأنين المهمشين، والفقراء الذين يملؤون طرقات مادبا وعمان، أضخم من أن تتسع لها تفعيلات القصيدة وقوافيها؛ فقرر الفتى أن يكسر جرّة الشعر؛ ليفيض منها نهر السرد الجارف الذي لا تحدّه السدود. حيث بدأ الزلزال القصصي يعصف بالسطور بمجموعته «الزلزال».

مجرّات الحبر:

من مجرّات الحبر نهض جلال؛ نصَبَ صوره البلاغية المبتكرة على «مقصلة الحالم» لتدشن عبوره إلى فضاء الرواية الشاسع؛ فجاءت روايته «أفاعي النار» لتلتهم بنيران مجازها خرافات التطرّف، وقسوة العشاق، وتلتها «سيدات الحواس الخمس»؛ لتتلمس عوالم عمان وتحوّلاتها الاجتماعيّة الصاخبة. وإذ به يفتح «دفاتر الوراق» للقلوب والعقول معًا. وما أجمل العزف على وتر سيرة «نشيج الدودوك»؛ ليعزف مذكراته بنفحات شجنيّة، ويسكب آخر تقطيرات مخيلته في «معزوفة اليوم السابع». تحوّل جلال إلى سادن حقيقي، وحارس أمين للقلم والأوراق، يغزل من أوجاع البسطاء روايات تطير بأجنحة من حبر لتملأ طباق الأرض. ومازال يطل على الناس عبر نوافذ الصحافة اليومية، بمقالات لم تطويها شمس النهار، بل تشتبك مقالته مع الوجود «سحر العلاقة بين المكان والإنسان». وحين جفّت المحابر في زمن العوالم الرقمية، صرخ في وجه العزلة التكنولوجية بمقالته الشهيرة «حمى القراءة في زمن الشاشات الشبحيّة»، مدافعاً عن قدسية الكتاب الورقي وعشّاقه. ولم ينسَ يوماً جذوره الطينية، فجاءت مقالته «رائحة الحبر المنسي.. دفاعاً عن المهمشين في السرد». لتبقى مجرّاتُ الحبر تندف شعرًا، ومقالة، ورواية.

حقولُ الاستحقاق.. حين تنحني السنابلُ لراعيها:

يقف جلال اليوم على شرفة العمر، يشرع نوافذ الذاكرة؛ ليتأمل حقولاً شاسعة من السنابل التي لم تعد مجرد قمح ريفي، بل غدت «سنابل من استحقاق وذهب» أنبتها حبره الصادق. ينظر بزهو الفلاح الذي أضناه الشقاء، فيرى مواسم الحصاد تقبل عليه محمّلة بأرفع الأكاليل؛ حين توج بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عن ملحمته «دفاتر الوراق»، ليزلزل بها أركان المشهد السرديّ. ولم يكن هذا الحصاد وليد الصدفة، بل سبقتها زغاريد «جائزة كتارا» التي التفت حول «أفاعي النار»، وجائزة «روكس العزيزي» و»رفقة دودين». وتكتمل دائرة الفخر؛ حين توّج ب «وسام الملك عبد الله الثاني ابن الحسين للتميز» تكريماً لفتىً خرج من بيوت الطين، ليرفع اسم بلاده عالياً فوق سحاب العالمية. إنها التفاتة العمر للوراء. يبتسم الطفل الشغوف في أعماقه مطمئنًا؛ فقد أثمر الوعد، وشمخت سنابل «حنينا» المأدبيّة كلها تحيةً لراعيها «سادن القلم والورق»، «جلال برجس الغليلات»

أمَّا أَنَا.. فَسَيبْقَى قلمي أَمشَاطًا مِنْ ضَوءٍ يسرّح شَعْرَ الذَّاكرةِ، يقتَفي أَثَرَ هؤلاءِ المُتجذّرين في طينِ الأَبديَّةِ. لأكتبَ عن «أَعلَامٍ وَأَقلامٍ» في خلجاتي السَّابحة.

  • عن الدستور

شاهد أيضاً

سامر طباع: فنان سعى لإعادة تعريف النحت (1-2)

سامر طباع: فنان سعى لإعادة تعريف النحت (1-2) هاني حوراني   منذ تخرجه من جامعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *