المثقف والسياسي ..هل قدر المثقف أن يظل تابعا للسياسي ؟

المثقف والسياسي ..هل قدر المثقف أن يظل تابعا للسياسي ؟ 

قلولي بن ساعد / كاتب وناقد من الجزائر

في الثقافة الحزبية والممارسة السياسية العربية ، هناك أحزاب سياسية تريد نوعا معينا من المثقفين في صفوفها ، وبتعبير أكثر دقة تريد مثقفا تابعا يضفي المشروعية على خطاب السياسي وممارساته ، وفي أحسن الأحوال خطباء ومناضلون وادعون يجتهدون بأقصى قدر ممكن من الأمانة والمحافظة على شعرة معاوية التي تشدهم إلى المتكآت الإيديولوجية والإلتزام الإيديولوجي الذي يؤطر خطاب ومسارات بعض التشكيلات السياسية .
الامر الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى تحول وتغير في الوظيفة المناط بها المثقف ، و فقدان طبيعته كمنتج للقيم الرمزية و الفكرية على ضوء ما يسميه المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي “السلم الألسني ” .
وشتان بالطبع بين المثقف الحر وبين الخطيب وبين الصوت والصدى وبين المثقف وحارس الإيديولوجيا .
وعندما ينتقد المثقف الحر غير المدجن وضعا أو يعبر عن رأي بكل لباقة يقال له هذا من نتائج انسحابك من الشأن السياسي .
لقد كان الناقد والمفكر إدوارد سعيد يرى أنه على المثقف النقدي أن يكون منهمكا في نزاع مدى الحياة مع كل حراس الرؤية والحياة الذين يدهم الغليظة لا تتحمل عدم التوافق ولا التنوع .
وقبله كان الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر قد بشر بميلاد (المثقف المزعج الذي يدس أنفه ).
لكن للأسف الشديد هذا النوع من المثقفين نادرا ما يستمر في الذودعن قناعاته الذاتية والوجودية وسرعان ما يستسلم للإغراء الإجتماعي ولنداء الجماعة ولآليات العقل الوثوقي العربي الممنوع من التفكير خارج ماتراه الجماعة أو الخلية أو الأسرة الإيديولوجية والسياسية إلى درجة الوقوع تحت طائلة ما وصفه المفكرالفرنسي جوليان بندا (خيانة المثقفين ).
وهذا مأزق يحد من امكانية البعد الذي وضعه السوسيولوجي المرحوم عمار بلحسن وهو ( تثقيف السياسة ) بدلا من (تسييس الثقافة ) وتدجين المثقف والتعامل مع بوصفه تابعا للسياسي وليس شريكا له في التخطيط للمستقبل المنظور .
ولذلك يختار السياسي نوعا خاصا من ” المثقفين ” وتحديدا يريد مثقفا و(ديعا ) و تابعا يضفي المشروعية على الخطاب السياسي الرسمي وممارساته .
وأن ماينتجه هذا المثقف / التابع ينبغي أيضا أن لا يغرق في الغموض ، وأن يتجنب اللغة التي لا تفهمها حتى النخبة المثقفة .
وأن يظل محافظا على شعرة معاوية التي تشده إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية القائمة كي لا يزعج ليس فقط السلطة الفعلية بل أيضا ( السلطة المرئية ) بتعبير ميشيل فوكو أو ( السلطة الرمزية ) بمفهوم بيار بورديو التي تتشكل من كتاب ومثقفين تسكنهم “عقيدة ” الإلغاء المتجذرة في مخيالات المثقف الشمولي الإبن البار للأب السياسي الذي سيرث عنه أنساق الهيمنة أو ” الطغيان الميتافيزيقي ” وفقا لأطروحة نيتشة محولا إياها من المجال السياسي إلى المجال الثقافي .
بما يعني الإقتراب من السقوط المذل في وحل ( العبودية المختارة ) كما وقف عليها ايتيان دي لا بويسيه أو ( الزواج النسقي ) بتعبيرعبد الله الغذامي .
وفي كل زواج كما هو معروف عقد وهذا العقد كما يقول الغذامي هو ” العقد الثقافي القائم على المصلحة المتبادلة بين الطرفين مع تسليم المؤسسة الثقافية بذلك ” ، إن أراد أن يكون تحت تصرف السلطة أو رهينة لها يجسد في مساره وعي ( المثقف المقاول ) حسب عبارة السوسيولوجي التونسي الطاهر لبيب يتحدث إلى وسائل الإعلام ويكتب قصائدا عصماء وقصصا موجهة يتقاضى مقابلها جوائزا موسمية في مناسبات معينة وضمن الحدود المرسومة له .
هذا هو (الإبداع العظيم ) الذي تكرس له المؤسسات الحزبية مثلما تكرس له أيضا المؤسسات الثقافية الرسمية القائمة ومشتقاتها الجمعوية والمدنية انطلاقا من الدعم المالي والإعلامي القائم على أسس براغماتية تديرها أجهزة بيروقراطية وإدارية هي ثابت من ثوابت استقطاب المثقف وتدجينه والذي هو في الأساس تعبيرعن سلوك هيمني يبرز اسما على آخر ويضاعف من مفعول ( الطبقية الثقافية ) بنص العبارة التي أوردها الغذامي في أطروحته عن النقد الثقافي من خلال إعادة فرز طبقات المثقفين حسب درجة الولاء والتناغم كمجرد رجع صدى للخطاب السياسي الإيديولوجي السائد لا غير .
الأمر الذي جعل السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن في كتابه الذي نشر بعد رحيله ( كشف الغمة في ثقافة الأمة ) يتحسر على ضعف الأنتلجانسيا ، الضعف الذي يتمظهر في العنوان المثير الذي يضعه لأحد مقالات كتابه المذكور وهو ( صعلكة الأنتلجانسيا ) على الرغم من أن للسوسيولوجي الجزائري علي الكنز رأي آخر فهو عندما يحلل ظاهرة ( الهامشية والذيلية ) على حد قوله ذيلية المثقف وتبعيته للسياسي .
فهو يردها لأصولها التاريخية وبالضبط إلى لحظة تشكل الوعي الوطني المقاوم للكولونيالية الفرنسية التي تخلف فيها المثقفون عن الإلتحاق بصفوف الحركة الوطنية أو التحقوا متأخرين جدا .
فيسجل علي الكنز أن الحركة الوطنية “عمليا نشأت وترعرعت بدون مشاركة المثقفين وبعد التحاقهم بها لم يتمكنوا من التأثير فيها لا من حيث المحتوى ولا من حيث التطور فأصبحوا عبارة عن بيادق بين أيدي رجال الحركة الوطنية الرافضين لقواعد اللعبة ” .
وهذا لا يعني التقليل من الأدوار النضالية للنخب المثقفة الملتحقة بصفوف الحركة الوطنية الجزائرية ولو متأخرين على غرار فرحات عباس وعبان رمضان ومصطفى الأشرف والدكتور لمين دباغين الذي يخصص له الروائي الجزائري حميد عبد القادر كتابا بعنوان ” الدكتور لمين دباغين المثقف والثورة ” رابطا فيه علاقة المثقف بالثورة من خلال نموذج لمين دباغين الذي يعتبره المؤرخ الجزائري محفوظ قداش ( منظر حزب الشعب ) كما جاء ذلك في كتاب حميد عبد القادر السالف الذكر .
ومن الشواهد الدالة على هذا التنازع بين السياسي والثقافي أيضا أن التراث السياسي الإيديولوجي الذي تشكل في أفق النضال الجزائري المحموم للرد على الهيمنة الكولونيالية الفرنسية التي تطلبتها المصلحة الوطنية وآفاق الحرية والإنعتاق من نير العبودية والإستيطان الفرنسي لبلد عربي هو الجزائر يعج بحالات رهيبة من الإقصاء والإلغاء المتعمد بين الأب والإبن وبين السياسي والثقافي وبين المثقف الثوري والسياسي البراغماتي وبين النخب السياسية المدنية أو البرجوازية الثورية وبين النخب العسكرية الريفية .
وهذا بالطبع مأزق آخر يتطلب علاجا وتناولا علميا لهذه الظاهرة التاريخية من منظور الدراسات الثقافية والنقد الثقافي والنقد ما بعد الكولونيالي بالعودة إلى النصوص التأسيسية لأدبيات الحركة الوطنية الجزائرية التي ميزت مسارات النخب السياسية الجزائرية التي انخرطت في معركة التحرير تحرير الأرض والإنسان كل من موقعه الخاص ومنظوره الذاتي لمحاصرة المآخذ التي تنطوي عليها الأنساق الثقافية والإجتماعية وأنظمة الخطاب السياسي الذي يؤطر مسألة البناء النفسي والثقافي للإيديولوجيا الوطنية التي تجد تجذرها وأفقها الأعلى في الوعي بالحرية والقيم الإنسانية والإجتماعية والسياسية كتجل يسكن حاملها بوصفه فرد من مجتمع كان يقع تحت طائلة السيطرة والإستبداد من (ليل الإستعمار ) بمفهوم فرحات عباس بكل ما يترتب عن ذلك من محاولات للخروج عن الأنساق الثقافية والمعرفية المضمرة للإستبداد أو المطمورة بين طيات التاريخ ، تاريخ الذات العربية المجبولة على التفرد والغطرسة والتضخم النرجسي بأشكالها القديمة والجديدة .
والقطع مع رواسب القهر التي ميزت المجتمعات العربية الهشة أو (القابلة للإستعمار) بتعبير مالك بن نبي للحد من هذه الظاهرة أو الحيلولة بينها وبين من أن تمتد للأجيال الجديدة إن لم تكن قد امتدت إليها فعلا .
وعندئذ لا نملك سوى أن نردد مع عبد الله العروي ” هذا خطأ وذاك خطأ وهل كتب علينا أن نعالج خطأ بخطأ … ؟ ” .

شاهد أيضاً

جلال برجس.. من سنابل حنينا إلى مجد الرواية العربية

جلال برجس.. من سنابل حنينا إلى مجد الرواية العربية فايزة عبدالكريم الفالح   أخالني أخلعُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *