بودكاست لريما ملحم: نصوص حرّة تنشغل بالوطني والانساني دون ضجيج

(ثقافات)

بودكاست لريما ملحم: نصوص حرّة تنشغل بالوطني والانساني دون ضجيج

يحيى القيسي

 

هذه قراءة تحاول التفاعل مع نصوص هذا الكتاب من وجهة نظر المتلقي ولا تلتفت إلى النقد بمعناه الأكاديمي وانشغالاته المعقدة، ومن المؤكد أن الكاتبة ملحم حينما وضعت نصوصها على الورق، لم يكن في بالها إرضاء هذه الفئة، أو استهدافها بشكل مباشر، أو صبّها في إطار محدّد يخضع للتجنيس الأدبي بشكل حاد، فالكتابة الابداعية تخرج حرّة، وتتدفق بقوة من الأعماق، وتجد مكانها على شاشة الحاسوب أو بين دفتي كتاب باحثة عن قارئها المحتمل.

وفي الحقيقة لو أردنا تصنيف هذه النصوص لاخترنا إضافتها إلى حقل “قصيدة النثر” لكنها في كل الأحوال لا تنتمي إلى فئة الخواطر، ومع ذلك فإن الأفضل تركها تحت حقل “نصوص” عابرة للتجنيس، تأخذ من الشعر جمال اللغة والتحليق والخيال والتدفق السلس، وتأخذ من السرد موضوعاتها وحضور الأمكنة فيها والشخصيات والأحداث.

أول ما شد انتباهي هو الاسم أي “بودكاست” وهنا مثل عنوان كتابها السابق “كاندي كرش” فإنها تبقي على الاسم الأشهر كما هو في لغته الأصلية، وهذا أمر جائز، فالكثير من المفردات ذات الأصل الانجليزي أخذناها كما هي ولم تتم ترجمتها، وهذا ما يسمى “الاستعارة”  أو النقل Borrowing   (أمثلة من الانجليزية إلى العربية، انترنت، بيتزا، موبايل، الخ) كما أن بعض اللغات الأخرى استعارت من العربية الكثير، ومنها : فتوى، إمام، جهاد،حجاب، وغيرها.

نأتي الآن إلى نصوص الكتاب، التي كما أوضحتُ في كلمة الغلاف أنها “خرجت عفو الخاطر” أي بشكل سلس وعفوي بناء على المواقف التي تمرّ بها الكاتبة.

 لقد استرعى انتباهي قبل فترة حينما كنا في دارة الأديب هاشم غرايبة بإربد، وبينما كنا نتحدث عن الرجل، أن الأستاذة ريما كانت تكتب على دفتر صغير معها، فقلت إن الأمر يتعلق بتسجيل ملاحظات مما سمعته من المشاركين لعلها بحسّها الصحفي وخبراتها العملية السابقة ترغب في كتابة رؤوس أقلام تصلح لتغطية صحفية عن الجلسة، غير أنّ المفاجأة لاحقاً والتي صرحت بها أنها كانت تكتب نصوصها الخاصّة مباشرة، ولا تنتظر حتى تعود أو تصبّها على الورق فيما بعد، هذا أمر كان يحدث معها أيضاً أثناء تسجيل حلقات تلفزية أو “بودكاست” إذ تستغل فترة الاستراحة بين التصوير لتكتب ما تشعر به في تلك اللحظة.

من الملاحظ في نصوص هذا الكتاب أنها تصدر بدوافع عديدة، أي ان محرك الابداع، أو شرارة الانطلاق للكتابة والمحفز Trigger غالباً ما يكون لتفاعلها مع الأمكنة، لهذا هناك الكثير من النصوص عناوينها أمكنة معروفة مثل في السلط، ركوة عرب، السويس، بورسعيد، الاسماعيلية، بغداد..وغيرها، أو أن هذه العناوين تحيل إلى أمكنة أو جزء منها مثل: محسوم أو متاريس، جسر، مسرح، مربعات، مسافات، بوتيك هوم، محطة وغيرها، نحن هنا نتحدث عن العنوان لكل نص أي أنه يقع تحت سطوة المكان ودلالاته المباشرة وغير المباشرة، غير أن بقية النصوص كتبت أيضا في أمكنة محددة كما تشير الكاتبة في آخر كل نص مثل: عمان، بيروت، البحر الميت، اسطنبول، القاهرة، دبي، وغيرها.

أما موضوعات هذه النصوص فهي غالباً تندرج تحت ثلاث فئات: الوطنية، الإجتماعية، الذاتية، ففي الجانب الوطني تحضر مأساة غزة، ولبنان، والشوق إلى فلسطين، وبطولات بورسعيد وغيرها، على أن هذا الجانب يظهر لنا بصوت خافت، دون ضجيج أو ادعاء وبعيداً عن الشعارات الفاقعة التي أكل الدهر عليها ونام.

إن ملحم لا ترغب بالنضال من خلال نصوصها بشكل استعراضي، بل تعبر عما يعتمل في أعماقها من “مقاومة” بشكل مغاير لما اعتدنا عليه:

من قصيدة علياء نقرأ:

في الجَنوبِ يَصعَدُ شَيخٌ إلى العَلياء..

وتَئِنُّ حُقولٌ مِنْ ألسِنَةِ لَهَبٍ..

وتُسدَلُ سَتائِر  ..

عَلَّها تَحجِبُ تَصاعُدَ هذا الكَمِّ مِنَ الدُّخان!

تَتَظاهَرُ امرأةٌ بِشُربِ قَهوَتِها،

وتَلتَقِطُ مِنْ بَينِ الحِجارَةِ بَقايا فِنْجان..

تُصافِحُ جِبالاً تَدارَتْ خَلفَها شُموسٌ،

وتُعِدُّ أغصانَ شَجَرٍ تَناثَرَ لِمَوقِدِ وشِتاء..

وتُنشِدُ لِلرِّيحِ قَصيدَتَها..

حينَ يَتَسَلَّلُ الجُندُ مِنْ كُلِّ مَكان!

حتى في نص مثل “ركوة عرب” يتوقع المرء أن يقرأ نصاً برائحة القهوة، وينشغل باليومي والمستهلك للبشر المارين أو الجالسين، لكن الحرب تتسلل إلى هناك أيضاً:

رَكْوَةُ عَرَبٍ.. تُتَوَّجُ بِصَمتٍ وحُزنٍ كَئيبٍ..

واللَّعنَةُ ما تزالُ رابضة

كِيانٌ قاتِلٌ يَرسُمُ المَوتَ فَوقَ كُلِّ جَبينٍ!

يَحتَضِنُ قَلَمَهُ.. 

يَهرُبُ إلى نَصٍّ قَرَّرَ إضافَتَهُ..   

لابُدَّ مِنْ سَرْدٍ لِلوَقائِعِ وتَوثيقٍ..

يَرتَشِفُ ما تَبَقَّى مِنْ قَهوَةٍ..

يُغادِرُ دونَ وَداعٍ..

فالعَدوُّ يُخَطِّطُ لِمَجازِرَ جديدة

الانشغال الثاني عند الكاتبة ملحم في بودكاست يندرج تحت الجانب الاجتماعي أو التفاعل الانساني مع الآخرين، حيث تجد أنها تعيش من خلال نصوصها مع المجتمع وهمومه، وتتفاعل معه بشكل حقيقي كناشطة اجتماعية، وتعبر عنه بشكل شعري عبر ما تكتبه من نصوص.

في نص “العاشق” مثلاً لا تتحدث هنا عن شاب متورط بالغرام الاعتيادي لفتاة، بل لشخص مثقل بالمَنافي .. (ولا تُوقِظُهُ أغاني “مارسيل” و “خالد الهبر” و “أحمد قَعبور”..هوَ أسيرُ بَيَّارَةٍ كانَ جَدُّهُ يَحرُسُها.. ومِنْ بَعدِ جَدِّهِ جاءَ والِدُهُ بِرِفقَةِ غَيمَةٍ.. وأُنشُودَةِ طِفلٍ..).

في نص آخر بعنوان “الأستاذ” يبدأ الوصف من تجاعيد وجهه الزاحفة ببطء، وشقاوة التلاميذ، وجرس المدرسة، والبحث المشترك بين الطلاب والمعلم عن  الحرية وخارطة الوطن، هنا تتقن ملحم الانتقال من الخاص إلى العام، ومن الذاتي إلى الجمعي، ومن الفرد إلى الوطن، وهذا ما يحدث أيضا في نص “شبه ظلال” إذ الحديث عن بيروت ومعاناتها، حيث كتبت هذا النص نهاية العام 2025 أثناء تعرضها للعدوان، وهنا تبدأ أيضا من تفاصيل صغيرة لمشاهد إنسانية ثم تنتقل إلى الحدث الأكبر حيث قساوة الحزن:

قُرْبَ المَنارَةِ..

صَيَّادٌ يُدلي بِشِباكِهِ..

بائِعُ ذُرَةٍ يَلهو بِقُصاصَةِ جَريدَةٍ..

وعاشِقٌ يُمسِكُ بِيَدِ حَبيبَةٍ..

لا حَديثَ لَدَيكَ..

صَمْتٌ يُحيطُ بِكَ.. 

وعَيناكَ تَرقُبانِ غِيابَ المَراكِبِ والأُفُق!..

 

سنجد أمثلة كثيرة على هذه الانشغالات ذات الطابع الانساني والاجتماعي في القصائد مثل: خضرا، تقاعد، ترقب،…وغيرها.

أما في الجانب الآخير من الانشغالات أي التعبير عن الذاتي أو الهواجس الشخصية، فيمكن أن نجد أمثلة له في قصيدة مثل “رحلوا” حيث أصدقاء الحي الذين لا يمكن الالتقاء بهم مجددا بسبب رحيلهم، سواء كان هذا الرحيل بالموت أو بالسفر إلى المنافي، أو في نص قصير بعنوان “صوتك” مكتوب في شتاء هذا العام 2026

صَوتُكَ الّذي أضَعْتَهُ وَسطَ الزَّحامِ..

تُرى.. كَيفَ فَـقَدْتَهُ؟

وَمَن الّذي التَقَطَهُ بَعدَكَ؟

تُفَكِّرُ كَثيرًا ..

تَلومُ إنْفلَوَنْزا الشِّتاءِ تارَةً..

وتارَةً تُقـنِعُ نَفسَكَ..

بِأنَّكَ أضَعْتَهُ حينَ هَبَّتْ

 رِياحُ الصَّحارَى ذاتَ سَفَـرٍ..

ورغم ما يبدو في هذه النصوص الذاتية الطابع من حزن وأفراح غير مكتملة إلا أن هناك دائما “محاولة للفرح” حيث الكرنفال، والألوان المزركشة، وصوت تقاسيم العود، وأناشيد الأطفال وتصفيقهم.

في الحقيقة يحتاج المتلقي للنص أن يكتشف سبب هذا الحزن الذي يتسرب من بين سطور النصوص، وذلك السواد الذي يتصاعد من دخان الحروب والمعاناة اليومية، ولكن دائماً ثمة أمل يرافق هذا الألم، وثمة شعاع من نور يزيل الكثير من العتمة.

شاهد أيضاً

وقفة مع”مدارات نقدية في التلقي والتأويل”

وقفة مع”مدارات نقدية في التلقي والتأويل” د. سلطان المعاني     تنفتح هذه القراءة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *