كاندي كرش لريما ملحم: حين تتحول الكلمة إلى بيان إنساني

كاندي كرش لريما ملحم: حين تتحول الكلمة إلى بيان إنساني

منذر كامل اللالا

ليست مجموعة «كاندي كرش» للكاتبة ريما ملحم كتابَ نثر أدبي بالمعنى التقليدي، ولا هي مجرّد نصوص وجدانية عابرة؛ إنها محاولة واعية لترميم ما تهشّم في الذاكرة العربية، وإعادة تعريف الإنسان داخل زمن فقد فيه المعنى بوصلتَه. تميل ريما ملحم في كتابها إلى الجملة الموجزة ذات النفس التأملي الهادئ، وتعتمد التكرار أداةً للتثبيت الشعوري لا حشوًا لغويًا؛ إذ تعود بعض العبارات كنبضٍ داخلي يمنح النصَّ إيقاعه الخاص. واللغة مباشرة في ظاهرها، لكنها مشحونة بإيحاء رمزي يجعل التفاصيل اليومية تتجاوز بساطتها؛ لا إفراط في الزخرفة، ولا ميل إلى الغموض المصطنع، بل اقتصاد لغوي يخدم الفكرة ويكثّفها.

يضمّ الكتاب ثمانيةً وأربعين نصًا، تشتغل جميعها على طبقة قيمية واضحة: الكرامة، والوفاء، والتضامن، والانتماء، والمسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر. غير أن أهم ما يميّزه أنه لا يرفع هذه القيم شعاراتٍ طنّانة، بل يزرعها في تفاصيل الحياة اليومية بصبر الحرفي وأناة الشاهد.

منذ عتبة الإهداء، حيث تربط الكاتبة بين الحروف و«العزّة والكرامة»، يتحدّد المسار الأخلاقي للنصوص. فالإهداء هنا ليس مجاملةً عاطفية للوالدين، بل إعلان انتماء إلى منظومة قيمية تتشكّل داخل العائلة، ثم تُختبَر في مواجهة الواقع، وتتحوّل إلى مسؤولية فعل. وهذا البعد القيمي لا يظل حبيس اللغة، بل يجد امتداده الطبيعي في الفعل الثقافي الذي تمارسه الدكتورة ريما ملحم على أرض الواقع؛ إذ يتقاطع مشروعها الكتابي مع تجربتها في تأسيس جمعية «تواصل الثقافية» عام 2015، وهي مبادرة تُعنى بالتنمية الشاملة وتعزيز التبادل الثقافي بين الأردن ومحيطه العربي، وتعمل عبر برامج تستهدف المرأة والشباب والأطفال. هكذا لا تبدو القيم المطروحة في الكتاب أفكارًا مجردة، بل ممارسةً متسقة بين النص والحياة، بين القول والفعل.

في نصوص «كاندي كرش»، لا تبقى اللعبة الرقمية لعبةً؛ تتحوّل إلى استعارة دقيقة للمقاومة الناعمة، وأداة رمزية لإعادة تعريف الفعل الإنساني في زمن الحصار. الكاتبة لا تستخدم الاسم بوصفه عنوانًا طريفًا أو لافتةً جذّابة، بل تفكّكه دلاليًا حتى آخر طبقاته؛ فالكسر هنا ليس للحلوى، بل لطوق العزلة، وليس للنقاط الإلكترونية، بل لجدران الخوف المُحكَمة.

ومن خلال جغرافيا الأمكنة التي عايشتها الكاتبة عشقًا وفعلًا وتجربةً حيّة، يتّسع النص ليصبح خريطة وجدانية للعالم العربي. ففي نص «بلدان وأماكن» نقرأ:

«بانتظارك في بلادي ما يضمّك بيننا: عشق يمتد من حلحول والقدس، يمرّ بغزة ومصر، ويُقبّل جبين دمشق وبيروت وبغداد  بانتظارك يا أبي تراب وسنابل ستنمو حولك؛ لتنام أنت في سلام.»

هنا تتحوّل الجغرافيا إلى جسد واحد، والحدود إلى خطوط وهمية أمام امتداد العشق. ليست المدن محطات سياحية في النص، بل نقاط اشتعال وجداني تشهد على وحدة الألم ووحدة الأمل. من قرى الجنوب الأردني والأغوار، إلى مخيمات عين الحلوة وصوف، إلى الطفيلة ومعان والكرك والمفرق وإربد وجرف الدراويش، إلى البقاع وعكّا وصيدا وبيت لحم ودمشق  هذا الامتداد المكاني ليس استعراضًا للأسماء، بل تثبيتٌ لفكرة أن الإنسان سابقٌ على الجغرافيا، وأن الكرامة لا تتجزّأ بتجزّؤ الخرائط.

وفي مقطع آخر تقول الكاتبة:

«بانتظارك اليوم لنطوي حدود البلاد  لنأتي مع الريح محلّقًا فوق حواجز وأختام وشهادات موت وميلاد.»

يصبح الطيران هنا فعلًا رمزيًا لتحرير الهوية من قيد الوثيقة ومن سلطة الختم. الإنسان ليس رقمًا في شهادة، ولا مجرّد حالة عبور بين حدود.

وفي مقطع ثالث يتجلّى البعد الفلسفي بأوضح صوره:

«هو العمر ذاهب بنا إلى أبواب نعرفها بقيت كما هي  وعلينا أن نطرقها مجددًا لنفتح لنا ونشاركها قوّتها وفرحتها وغصّتها.»

العودة هنا ليست عودةً مكانية فحسب، بل عودة إلى المعنى، إلى أبواب الذاكرة التي لم تُغلَق تمامًا، وإن أوهم الغياب بذلك.

لكن وسط هذا الثقل، لا يبقى الأطفال أسرى الحصار؛ إذ يصبحون في نص «كاندي كرش» «فريقَ عمل مصغّرًا» يوزّع الحلوى والمؤن. هنا يتبدّل معنى اللعبة جذريًا: من تسلية فردية على شاشة هاتف، إلى فعل تضامن جماعي في مواجهة العدم. حتى سؤال الكاتبة «ترى هل ستُبصر الرؤية والمنارة؟» لا يُطرح بوصفه يأسًا، بل كاختبار للرجاء، بل كمراهنة على المستقبل.

وَتَحتَ بَقايا مِئذَنةٍ.. يَرقُدُ طِفلٌ قَطَعَت أطرافَهُ آلافُ الغاراتِ!

وَفي المَدى حُطامُ صارُوخٍ كُتِبَ عَلَيهِ:

«هُنا باقُونَ في وَجهِ الإعصارِ»!

هذا المقطع يكثّف الجوهر الأعمق لمشروع ريما ملحم كلّه؛ فبينما ترقد البراءة تحت أنقاض المئذنة، وبينما يُعلن الصاروخ عن هويته القاتلة، يأبى الإنسان إلا أن ينحت على الخراب شهادةَ الوجود: «هنا باقون في وجه الإعصار». هكذا تتحوّل الكتابة عند ريما ملحم إلى فعل مقاومة من طراز مختلف؛ ليست مقاومة الرصاص بالرصاص، بل مقاومة العدم بالكلمة، ومقاومة النسيان بالتذكّر، ومقاومة الموت بالإصرار على الحياة. والطفل هنا   بكل ما فيه من هشاشة وجرح   هو المعادل الرمزي للحقيقة التي لا تُدحض: أن الكرامة الإنسانية لا تُقطع بما يُقطع، ولا تنهار بما ينهار.

بهذا المعنى، لا تكتب ريما ملحم عن أمكنة متفرّقة، بل عن وطن رمزي واسع تُعاد صياغته عبر اللغة. فحين تمر الكاتبة من دمشق وبيروت وبغداد والقدس وغزة في النصوص، لا تمرّ كمدن سياسية بل كوجوه متعبة. هنا يبرز صدى فلسفة إيمانويل ليفيناس حول «أخلاقيات الوجه»؛ أي أن مجرّد رؤية معاناة الآخر تضعك أمام مسؤولية أخلاقية لا يمكن التنصّل منها. والكاتبة لا تكتفي بوصف الألم، بل تحرّض على فعل ما: دعاء، تضامن، كلمة، موقف. وكأنها تؤكّد أن الكتابة نفسها ضرب من ضروب النجدة.

تحضر الأرض في المجموعة لا كجغرافيا جامدة بل كحاضنة معنى. القرية وحقيبة المدرسة ورائحة الزعتر وأزبكية عمّان  كلها علامات سيميائية تُشير إلى أن الكرامة لا تُختصر في خطاب سياسي، بل تتجسّد في تفاصيل يومية تكاد تمرّ مرور الكرام. والمعنى في «كاندي كرش» ليس فكرة مجردة، بل ذاكرة حيّة؛ ولذلك يبدو الحنين في النصوص ليس بكاءً على الماضي، بل دفاعًا عن هوية مهدَّدة بالذوبان في خضمّ العولمة وطغيان الاستهلاك.

وحين تستعيد الكاتبة «أزبكية عمّان» كرمز للمكان الثقافي المقاوِم للنسيان، تنقلنا من القيم الفردية إلى سؤال الثقافة ذاته: ما معنى أن تكون مثقفًا في زمن الاستهلاك السريع وتسييل المشاعر؟ الإنسان في هذه النصوص لا يريد أن يكون تابعًا، بل شاهدًا وصاحب كلمة. وهنا تتجاوز المجموعة حدود النصوص الأدبية المجردة لتصبح موقفًا ثقافيًا: الثقافة ليست تراكم معلومات، بل ممارسة يومية للحرية والكرامة. والفرد في هذا الكتاب ليس رقمًا في جماعة، بل كيان حرّ كامل المكوّنات، لا تُختزل قيمته بانتمائه الطائفي أو العرقي.

«كاندي كرش» ليست كتابًا عن لعبة ولا عن الحنين وحده، بل نصوص تكتب الإنسان من داخله، وتذكّرفي زمن الحروب والذكاء الاصطناعي وتسليع المشاعر،أن القيمة الحقيقية ليست في الضجيج ولا في التقنية، بل في قدرتنا على أن نبقى بشرًا كاملين؛ لذلك يبدو هذا الكتاب الصغير بيانًا أخلاقيًا هادئًا، لا يصرخ، لكنه يؤكد أن الأدب ما يزال فعل مقاومة، وترميمًا للروح، ودفاعًا عن كرامة الفرد في وجه كل ما يحاول سحقه.

  • عن الدستور

شاهد أيضاً

يــا أبــــا الطيــــب.. الطمــع طريــق العبوديـــة

يــا أبــــا الطيــــب.. الطمــع طريــق العبوديـــة د. زياد الزعبي   يا أبا الطيب، لم بدأت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *