كيف تتحوّل مفردات تبدو مألوفة في اللّغة إلى علامات على مسارات خفيّة للتلقين وادّعاء المعرفة؟ بكلمات أخرى: كيف تظهر كلمات بعينها فجأة في خطاب أشخاص لم تكن جزءًا من معجمهم/نّ من قبل، وكأنها كانت دائمًا هناك؟
ثمّة من يتقن لغته أو تتقن لغتها، ثمّ لغة أخرى فأكثر، لأنّه/ا اجتهد/ت وتعب/ت لأجل إتقانها والاقتدار فيها، وبالذات في الشرط الاستعماريّ الاستيطانيّ. لا تأتي اللّغة عنده/ا كاستعارة عابرة أو كقالب جاهز، بل كنتاج وامتداد طبيعيّيْن لسيرورة طويلة من الاهتمام والتعلّم والممارسة والدربة حتّى التمرّس والاقتدار. هكذا، تكون المفردات والتعابير اللغويّة ليست غريبة عن صاحبها أو صاحبتها، بل هي جزء من معجمه/ا اللغويّ الحيّ، اكتسبها/اكتسبتْها بالقراءة والكتابة والممارسة والتمكّن، من الصوغ وإعادة الصوغ اللغويّ. وبالتالي، تسري أداءاته/ا الشفويّة أو نصوصه/ا المكتوبة بسلاسة وتلقائيّة ملفتتيْن، وقد ي/تطوّرها بالتجديد والتوليد والنحت الذاتيّ، من داخل اللّغة نفسها.
أمّا حين تدخل مفردات وقوالب تعبيريّة بعينها إلى قاموس هذا أو تلك، بين عشيّة وفجرها، دونما سابق وجود لها في مسار استعماله/ا، فذلك أمرٌ مغايرٌ في مسار اللّغة وطرائق امتلاكها. والأمر لا يتعلّق بطفرة أسلوبيّة بقدر ما يتعلّق بتحوّل طارئ، قد يطول بحسب توافُر مصدره الخارجيّ. وهي حالة نادرًا ما تستقيم في الأداء الشفويّ للشخص المعنيّ/ة، إذ يكشفها لسانه/ا الذي لم يسبق أن جرت عليه عبر دربة متراكمة، بينما تجد مفردات وقوالب لغويّة كهذه طريقها إلى النصوص المكتوبة، حيث تتكثّف إمكانات الوساطة وإعادة التشكيل والتحرير والتلقين.
عدا عن دأب الاجتهاد والتجدّد، وهو أقلّ حدوثًا في الحالات التالية، ثمّة ثلاثة مصادر خارجيّة لدخول مفردات وتعابير من هذا القبيل إلى معجميّة شخص ليس بذي/بذات عهد بها. الأوّل هو التقاطها من شخص آخر/ أخرى وتطبيقها في أوّل فرصة تحين، وقد يختلق/تختلق الشخصُ المعنيّ/ة الفرصة بتكلّف. ولا بأس في ذلك، إذ يُعدّ تعلّم اللّغة بالمحاكاة طريقةً فعّالة، غير أنّ المحاكاة ليست التلقين.
المصدر الثاني هو الذكاء الاصطناعيّ، سواء استخدمه المعنيّ/استخدمته المعنيّة بضغطة زر، أو دفع/دفعت نصًّا أوليًّا لجهة تحرير، شخص أو مؤسّسة، تستخدم هذه الأدوات، وهو ما يكتسح الفضاء الرقميّ ويعبُر منه إلى فضاءات أخرى.
المصدر الثالث هو مرجع مختصّ أو عارف يُلقّن ويُلقّن ويُلقّن …، سواء باللّغة الأمّ أو بلغة سواها أو بكلتيهما أو أكثر، حيث تُنقل الصياغات عبر وسائط بشريّة أو اصطناعيّة أو معرفيّة وسيطة تعيد إنتاج القوالب الجاهزة والمستحدثة، فتطفو المفردات والتراكيب الملقّنة بوصفهاجزءًا من لغة الشخص المعنيّ/ة.
غير أنّ هذا التوصيف العام للتلقين يحتاج إلى قدر من التمييز المفاهيميّ، حتى لا يُفهم بوصفه كتلة واحدة متجانسة. ومن المفيد التمييز بين التلقين بوصفه آليّة تأسيسيّة لاكتساب اللّغة (في الطفولة عبر التكرار والتصحيح والتثبيت)، وبين التلقين الموجّه إلى البالغين/ات. ففي الحالة الأولى، يكون التلقين جزءًا من مسار الاكتساب نفسه وشرطًا من شروطه، إذ يفتح الطريق نحو التمكّن التدريجيّ من اللّغة. أمّا في الحالة الثانية، فيتحوّل التلقين إلى آلية تُستدخل فيها الصياغات الجاهزة بوصفها لغة مكتملة، لا بوصفها مرحلة في سيرورة تعلّم وامتلاك، بما يعيد إنتاج اللغة كقالب خارجيّ أكثر منه كخبرة مُكتسبة من الداخل. وثمّة، في هذا السياق، تلقين مؤسّسيّ وتلقين شخصيّ، يتفاوتان في أدواتهما ودرجات نفوذهما، لكنهما يلتقيان عند لحظة واحدة: لحظة تحويل اللّغة إلى شيء يُنقل كما هو، لا شيء يُكتسب ويُعاد توليده من الداخل.
لا تكمن المسألة في المفردات ذاتها، فالعربيّة نبعٌ لا ينضب من الإمكانات اللغويّة، ولا تعدم القدرة الكامنة على إنتاجها واستحداثها. ـ”ثمّة” و”مدخل” و”باب” و”أفق” وسواها مفردات عربيّة أصيلة، لها معانيها السياقيّة ومواضعها واستعمالاتها السلسة على ألسنة بعض المتكلّمين/ات وأقلامهم/نّ. المسألة في مسار وصولها وشروط ظهورها. فثمّة فرق بين من امتلك/ت المفردة عبر سيرورة تعلّم وتمكّن، وبين من أخذها/أخذتْها جاهزة نتيجة تلقٍّ من سلطة معرفيّة تُنتج الصياغة، لتُعاد نسبتها لاحقًا إلى من نُسبت إليه/ا بوصفها لغةً ذاتيّة.
والأنكى من ذلك أنّ بعض حالات التلقين والتلقّي تبلغ درجة من النجاح تجعلها غير مرئيّة تقريبًا. إذ لا يتوقّف الأمر عند حدود استعارة المفردة أو القالب التعبيريّ، بل يتحوّل إلى تلقٍّ مُلقَّنٍ، يُستدخل فيه المعجم الجديد بحيث يبدو جزءًا أصيلًا من الكنز اللغوي الشخصيّ. بيد أنّه يكشفها اللّسان الذي لم يسبق أن جرت عليه في دربة جذريّة، ليظهر الفرق بين ما هو مكتسب عبر ممارسة طويلة راسخة، وما هو مُستدخَل عبر وساطة معرفيّة.
ثمّة “ثمّة”، وثمّة “مدخل”، وثمّة “باب”، وثمّة “أفق” وثمّة أخواتها في لغات أخرى، وثمّة ترجمة سريعة لقوالب لغويّة اصطناعيّة، وثمّة اكتساب وثمّة تلقين، وثمّة تلقٍّ يتقنه بعضهم/نّ إلى حدّ يجعل أثر التلقين نفسه غير مرئيّ، ظاهريًّا، حتى يغدو ما ليس لهم/نّ لغتهم/نّ، وما لم يكتسبوه/يكتسبنه يومًا، لغتهم/نّ في الظاهر، بينما في العمق، أثرُ سلطةٍ لا يمكن إغفالها. في هذا السياق، لا يعود الأمر مجرد اختلاف في أساليب اكتساب اللّغة أو تداولها، بل يتحوّل إلى سؤال أوسع حول اقتصاد اللّغة ذاته: كيف تُنتَج القوالب اللغويّة، وكيف تُنقَل، ومن يمتلك/تمتلك تحويلها إلى “لغة ذاتيّة” تبدو طبيعيّة وبديهيّة. بين الاكتساب والتلقين، وبين المحاكاة والوساطة، تتشكّل اللّغة بوصفها مجالًا لإعادة إنتاج السلطة، اللّغوية والمعرفيّة، لا بوصفها فقط أداة تعبير. وما يبدو فرديًّا في السطح، هو في العُمق أثرٌ لشبكات إنتاج وتلقين، مؤسّسيّ وشخصيّ، وإعادة تدوير لا تُرى بسهولة، ليس للجميع، بل تتكشّف فقط عند النظر في حالات وشروط ظهور اللّغة نفسها.