ثمّة وأخواتها: في اكتساب اللّغة وتلقينها

ثمّة وأخواتها: في اكتساب اللّغة وتلقينها

د. تغريد يحيى- يونس

ثمّة من يتقن لغته أو تتقن لغتها، ثمّ لغة أخرى فأكثر، لأنّه/ا اجتهد/ت وتعب/ت لأجل إتقانها والاقتدار فيها، وبالذات في سياقات استعماريّة استيطانيّة. لا تأتي اللغة عنده/ا كاستعارة عابرة أو كقالب جاهز، بل كامتداد طبيعيّ لسيرورة طويلة من الاهتمام والتعلّم والممارسة والدربة حتّى التمرّس والاقتدار. هكذا، المفردات والتعابير اللغويّة ليست غريبة عن صاحبها أو صاحبتها، بل هي جزء من معجمه/ا اللغويّ الحيّ، اكتسبها أو اكتسبتْها بالقراءة والكتابة والممارسة والتمكّن، من الصوغ وإعادة الصوغ اللغويّ. وبالتالي، تسري أداءاته/ا الشفويّة أو نصوصه/ا المكتوبة بسلاسة وتلقائيّة ملفتتيْن، وقد ي/تطوّرها بالتجديد والتوليد والنحت الذاتيّ، من داخل اللغة نفسها.

أمّا حين تدخل مفردات وقوالب تعبيريّة بعينها إلى قاموس هذا أو تلك، بين عشيّة وفجرها، دونما سابق وجود لها في مسار استعماله/ا، فذلك أمرٌ مغايرٌ في مسار اللغة وطرائق امتلاكها. والأمر لا يتعلّق بطفرة أسلوبيّة بقدر ما يتعلّق بتحوّل طارئ، قد يمتدّ بحسب توافر مصدره الخارجيّ. وهي حالة نادرًا ما تظهر في الأداء الشفويّ، إذ يكشفها اللسان الذي لم يسبق أن جرت عليه عبر دربة متراكمة، بينما تجد مفردات وقوالب لغويّة كهذه طريقها إلى النصوص المكتوبة، حيث تتكثّف إمكانيّات الوساطة وإعادة التشكيل والتحرير.

عدا عن دأب الاجتهاد والتجدّد، وهو أقلّ حدوثًا في الحالات الآتية، في رأينا، ثمّة ثلاثة مصادر خارجيّة رئيسيّة لدخول مفردات وتعابير من هذا القبيل إلى معجميّة شخص ليس بذي أو بذات عهد بها. المصدر الأول هو التقاطها من شخص آخر أو أخرى وتطبيقها بدءًا من أول فرصة، وقد تُختلق هذه الفرصة بتكلّف. ولا بأس في ذلك، إذ يُعدّ تعلّم اللغة بالمحاكاة طريقةً فعّالة. لكنّ المحاكاة ليست التلقين. المصدر الثاني هو الذكاء الاصطناعيّ، سواء استخدمه الشخص، أو استخدمته، بضغطة زر، أو دفع/ت بنصّ أوليّ لجهة تحرير، شخص أو مؤسّسة تستخدمه، وهو ما يكتسح الفضاء الرقميّ ويعبُر منه إلى فضاءات أخرى. المصدر الثالث هو التلقين، وهو ليس نمطًا واحدًا، بل يتخذ شكلين متداخلين: تلقين مؤسّسيّ تُنتج فيه القوالب داخل مراكز معرفة أو خطاب، وتلقين شخصيّ ومشخّصن يتمّ عبر علاقة مباشرة بين مُلقِّن/ة ومُلقَّن/ة، بمعنى متلقٍّ/ة. في كلا الحالين، تترجم الصياغات خدماتٌ بشريّةٌ أو اصطناعيّة أو وسائط معرفيّة أخرى تعيد إنتاج قوالب جاهزة ومبتدعة، فتطفو المفردات بوصفها لغة مستحدثة وملقّنة.

لا تكمن المسألة في المفردات ذاتها، فالعربيّة نبعٌ لا ينضب من الإمكانات اللغويّة، ولا تعدم القدرة الكامنة على إنتاجها واستحداثها. ـ”ثمّة” و”مدخل” و”باب” و”أفق” وسواها مفردات عربيّة أصيلة، لها معانيها السياقيّة، ومواضعها واستعمالاتها السلسة على ألسنة بعض المتكلّمين/ات وأقلامهم/ن. المسألة في مسار وصولها وشروط ظهورها. فثمّة فرق بين من امتلك/ت المفردة عبر سيرورة تعلّم وتمكّن، وبين من استقدمها/استقدمتها جاهزة نتيجة تلقٍّ من سلطة معرفيّة تُنتج الصياغة، ثم تُعاد نسبتها لاحقًا إلى من نُسبت إليه/ا بوصفها لغةً ذاتية.

والأنكى من ذلك أنّ بعض حالات التلقّي تبلغ درجة من النجاح تجعلها غير مرئية تقريبًا. إذ لا يتوقّف الأمر عند حدود استعارة المفردة أو القالب التعبيريّ، بل يتحوّل إلى تلقٍّ مُلقَّنٍ، يُستدخل فيه المعجم الجديد بحيث يبدو جزءًا أصيلًا من اللغة الشخصيّة. بيد أنّه يكشفها اللسان الذي لم يسبق أن جرت عليه في دربة جذريّة، ويظهر الفرق بين ما هو مكتسب عبر ممارسة طويلة راسخة، وما هو مُستدخَل عبر وساطة معرفيّة.

ثمّة “ثمّة”، وثمّة “مدخل”، وثمّة “باب”، وثمّة “أفق”، وثمّة أخواتها في لغات أخرى، وثمّة ترجمة سريعة لقوالب لغويّة اصطناعيّة، وثمّة اكتساب وثمّة تلقين، وثمّة تلقٍّ يتقنه بعضهم/نّ إلى حدّ يجعل أثر التلقين نفسه غير مرئيّ، ظاهريًّا، حتى يغدو ما ليس لهم/نّ لغتهم/نّ، وما لم يكتسبوه/يكتسبنه يومًا، لغتهم/نّ في الظاهر، بينما في العمق، أثرُ سلطةٍ لا يمكن إغفالها. في هذا السياق، لا يعود الأمر مجرد اختلاف في أساليب اكتساب اللغة أو تداولها، بل يتحوّل إلى سؤال أوسع حول اقتصاد اللغة ذاته: كيف تُنتَج القوالب اللغويّة، وكيف تُنقَل، ومن يمتلك/تمتلك سلطة تحويلها إلى “لغة ذاتيّة” تبدو طبيعيّة وبديهيّة. بين الاكتساب والتلقين، وبين المحاكاة والوساطة، تتشكّل اللّغة بوصفها مجالًا لإعادة إنتاج السلطة، اللّغوية والمعرفيّة، لا بوصفها فقط أداة تعبير. وما يبدو فرديًّا في السطح، هو في العمق أثر لشبكات إنتاج وتلقين، مؤسّسيّ وشخصيّ، وإعادة تدوير لا تُرى بسهولة، بل تتكشّف فقط عند النظر في شروط ظهور اللغة نفسها.

شاهد أيضاً

أحمد الشهاوي: لا أخشى الموت لكن أطالبه بانتظاري حتى أغلق قوس تجربتي الشعرية

أحمد الشهاوي: لا أخشى الموت لكن أطالبه بانتظاري حتى أغلق قوس تجربتي الشعرية وأقرأ المزيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *