الرئيسية / خبر رئيسي / السينما حين تتحول إلى سؤال فلسفي

السينما حين تتحول إلى سؤال فلسفي

* خاص – ثقافات

*د. عزيز الحدادي

يتراءى أن السينما تحتوي على الكثير من الأسئلة التي يجب استثمارها فلسفيا “

بدون سينما كان الفيلسوف دلوز سيشعر بالغربة في مدينة باريس , حيث نجده يخرج في جفون الليل , ولا يهمه ماذا يعد له هذا الليل

من قدر فرح أو حزين إلى أن يجد نفسه في قاعة السينما ليشاهد فيلم ؛

  هذا الفيلم الذي مارس المحو الخالص للموضوع , والمكان والزمان , فسائق الطاكسي لا يقود سيارته ولكنه في لحظة هذيان Taxidrive

“فالمخرج سكورسيزي يصف لنا سائقي سيارات الأجرة وكأنهم في حالات هذيان , إنهم معتقلون في آلاتهم الصغيرة , ومع ذلك يكون املهم هو معرفة ما يجري في مجالهم , في مدينتهم , وسكورسيزي  يصف لنا ذلك بروعة معتمدا على التناغم بين الأنا التي ترى والأنا التي تنفعل انطلاقا مما ترى في الأزقة “كما يقول دلوز الذي كان منتشيا بهذا الفيلم إلى حدود الثمالة ,لكن ما هو المثير في هذا الفيلم ؟ ألا يكون الفيلسوف يسعى إلى اختراق  كينونة الرأسمالية بأنطولوجية الإنسان ؟,ألم يكن الفيلسوف نفسه إنسانا ممزقا الكينونة ؟.

   الواقع أن الفيلسوف يشبه سائق الطاكسي لأنهما معا , وهذا اعتراف لدلوز , لا يهتمان بالهندسة المعمارية لأزقة المدينة , ولكن بما يجري من أحداث في هذه الأزقة , وربما تكون هذه النشوة الإيستيطيقية  هي التي دفعت الفيلسوف إلى اكتشاف الفرح المأساوي في هذا الفيلم بالمعنى الديونيزوسي , فالبطل يقاوم المجتمع بكامله , ولذلك جعل من الادراك حركة ومن الحركة ادراك .

 مهما يكن من امر فإن دلوز يحكي فلسفيا فيلم سكورسيزي إلى درجة  الإعجاب بتلك اللحظة التي عاشها مع هذيان السائق وهو يتجول في أزقة المدينة , ينظر إلى العاهرات , وبعض الأشخاص المتصارعين , أو ذلك الطفل الذي ينقب في القمامة باحثا عن العيش , فما معنى كل ذلك ؟ , وما الذي يجعل الفيلسوف يتفرج الفرجة ؟ وبعبارة أخرى ؛ هل يبحث عن الأشياء التي لا يرغب فيها ؟ألا يكون هذا العالم عبثيا بفعل الرأسمالية ؟

  كانت رحلة دلوز مع سائق الطاكسي ممتعة تتجول في الأحلام , والهذيان , إنها بمثابة علم الخيال , وربما يكون هذا هو عالم الفيلسوف الذي اكتشفه في السينما , فالوجود يخضع للزمان الممزق لماهيته , يلهث وراءه كما يلهث الفيلسوف وراء سيارة الأجرة في منتصف النهار , بيد إنه في المساء يبحث عن سينما الفرجة ومرح الصورة من أجل نسيان الذات في الذات بواسطة اغراء الحقيقة , حقيقة الفن باعتباره اظهارا لحقيقة الوجود , ولذلك يريد الفنان وضع الحقيقة في عمله الفني , وبالنسبة لدلوز فإن الفن هو ما يقاوم  الموت .

السينما حياة والحياة سينما , فمن يسعى إلى التفريق بينهما سيكون مصيره هو الحرمان من المحبة , محبة السينما ومحبة الحياة ,فعندما نحب الحياة نذهب إلى السينما مع دلوز

شاهد أيضاً

“المؤابي” رواية تخيل تاريخي عن ثورة العرب ضد العثمانيين

*عواد علي أكثر من أي وقت مضى صارت الرواية التاريخية تجتذب الأقلام العربية، مغرية إياها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *