الجاذب الغريب في الأدب
د. نهال عبدالله غرايبة
هل يمكن للفوضى أن تتحوّل إلى نظام؟
قد يبدو هذا السؤال ضرباً من المفارقة، لكنه في جوهره يقف على عتبة نظرية علمية وفكرية عميقة تُعرف باسم «نظرية الفوضى»، التي تفترض أن العالم ليس عشوائياً كما يبدو، بل تحكمه أنماط خفية تنشأ من قلب الاضطراب، ومن أبرز مفاهيم هذه النظرية ما يُعرف بـ «الجاذب الغريب» ((Strange Attractor، وهو نقطة توازن غير مرئية تُوجّه الأنظمة المعقدة، فتمنحها نسقاً داخلياً منضبطاً رغم مظاهرها الفوضوية.
فـ «الجاذب الغريب» هو: مفهوم رياضي يصف سلوك الأنظمة الديناميكية المعقدة. فإذا ما قمنا بتمثيل حركة هذه الأنظمة في فضاء معين، سنجد أنها لا تتحرك بشكل عشوائي تماماً، ولا تتكرر في مسارات دورية منتظمة، بل تنجذب إلى نمط هندسي فريد هو الجاذب الغريب الذي لا يسمح لحركة النظام بالابتعاد عنه، بل يبقيها ضمن نطاق محدد، حتى لو بدت الحركة نفسها فوضوية وغير قابلة للتنبؤ.
وعندما ينتقل هذا المفهوم من العلم إلى الأدب يتحول إلى أداة نقدية خصبة، تُستخدم لقراءة النصوص السردية التي تقوم على التشظي، والتداخل الزمني، وتعدد الأصوات، حيث يتحول «اللا–نظام» الظاهري من فوضى عابرة إلى نظام رمزي داخلي يرتكز على جاذب خفيّ يربط عناصر النص في وحدة متماسكة.
في هذا السياق، يمكن قراءة رواية «أنا يوسف يا أبي» للروائي باسم الزعبي كنص أدبي يجسّد مفهوم الفوضى المنظمة ببراعة؛ فهي لا تتبع مساراً سردياً خطياً ومستقراً، بل تنثر القارئ بين أزمنة متداخلة، وأصوات متعددة، وشخصيات مبعثرة. غير أن هذه الفوضى السردية ليست عبثاً، إذ تتشكل حول جاذب رمزي مركزي هو شخصية النبي يوسف وقصته القرآنية، ما يمنح النص وحدة داخلية رغم تشظيه الظاهر.
فوضى الحكاية وبنية الجاذب
منذ الصفحات الأولى، يدخل القارئ إلى عالم تتقاطع فيه الأزمنة والأمكنة بلا مقدمات، فالأب عون يعيش حاضراً مثقلاً بذكريات الماضي، والابن محمد يبحث عن ذاته بين ثقافتين، والزوجة الروسية غالينا تتأرجح بين انتماءين لا يصالح أحدهما الآخر. تُروى الأحداث بأصوات متداخلة، فتارة يتكلم الأب، وطوراً الابن، وأحياناً الراوي، هذه التعددية لا تنشئ فوضى مجانية، بل تعبّر عن حالة وجودية جماعية يعيشها الأفراد في مجتمعات فقدت مركزها الروحي والرمزي.
يتحوّل التشتت السردي هنا إلى تمثيلٍ للفوضى الكونية التي تصفها النظرية العلمية: كل شخصية تتحرك في مسارها الخاص لكنها لا تبتعد عن الجاذب المركزي، فالرواية في جوهرها تدور كلها حول ثيمة واحدة إعادة إنتاج قصة يوسف داخل الواقع العربي الحديث، إنّها القصة القديمة التي لم تزل تتكرر في صيغٍ جديدة، حيث الأب يعقوب بلا وحي، والابن يوسف بلا معجزة، والإخوة رموز لمجتمعٍ يلتهم أبناءه.
– عون (يعقوب المعاصر): يمثل عون –الشخصية المحورية– الجاذب الأول في شبكة السرد، رجلٌ أنهكه العمر والعمل، وأحالته الدولة إلى التقاعد القسري، ليجد نفسه في بئر من العزلة والخذلان. يعيش صراعاً داخلياً بين ما قدّمه من إخلاص لمؤسسةٍ لم تردّ له الجميل، وبين إحساسه بالعجز أمام عالم يتغيّر بسرعة تفوق قدرته على الفهم. إنّه يعقوب معاصر بلا سندٍ روحي، تتكاثر حوله الخيانات الصغيرة في العمل والأسرة والمجتمع، لكنه رغم انكساره يحتفظ ببوصلة الإيمان الداخلي التي تمنعه من السقوط الكامل. ومن خلاله يتجسد الجاذب الغريب؛ فالحياة مهما بدت فوضوية تتحرك وفق مسارات لا يمكن التنبؤ بها، لكنها تؤدي دوماً إلى النقطة نفسها البحث عن المعنى.
– محمد (يوسف الموزّع بين هويتين): يمثل الابن محمد جيل الشباب الذي يعيش التمزق بين ثقافتين: العربية والروسية. وهو يوسف الذي لم يُلقَ في البئر على يد إخوته فقط، بل أُلقي في بئر الهوية المزدوجة ينتمي إلى أبٍ عربيّ وأمّ روسية، فيعيش مأزق الانتماء بين ثقافتين متنازعتين، تمزقه الداخلي هو صورة لتمزق جيل كامل يعيش بين إرثٍ ثقافيّ تقليديّ وحاضرٍ كونيّ سريع التحوّل، في كل محاولة منه لتأكيد ذاته يُلقى مجدداً في البئر، لكنّه يعود في كل مرة محمّلاً بتجربة جديدة.
– غالينا (الغربة المتجسدة): الزوجة غالينا تمثل مداراً فوضوياً آخر داخل بنية الرواية، فهي ليست مجرد شخصية ثانوية، بل رمزٌ للغربة المركّبة التي تقتحم البيت العربي. تحمل ثقافة مغايرة، لكنها تتورط في حياةٍ لا تستوعب اختلافها ووجودها يكشف عن هشاشة الهوية العربية حين تواجه الآخر المختلف. غالينا ليست «زليخا» التقليدية التي تفتن يوسف، بل هي الآخر الذي يعيد تعريف حدود الذات، إنّها تمثل التباعد الثقافي والعاطفي، حيث يصبح الحب نفسه ساحة صراع بين نظامين رمزيين في حضورها، تتحول الأسرة إلى مختبر صغير للفوضى، لكنّ هذه الفوضى هي ما يجعل التفاعل الإنساني ممكناً.
– الإخوة والمجتمع (تعدّد الوجوه وتكرار الخيانة): لا تقدّم الرواية الإخوة كشخصيات محددة، بل كرمزٍ اجتماعي متشعّب، فهم زملاء العمل الذين خذلوا عون، ومؤسسات الدولة التي همّشته، والجماعة التي انكفأت على ذاتها. «الإخوة» هنا هم بنية مجتمعية تكرّر الخيانة على مستويات متعددة، وتُسهم في سقوط الأفراد في آبارهم الخاصة. بهذا التوسّع الرمزي يتحول الجاذب الغريب إلى نظام اجتماعي شامل يحكم العلاقات الإنسانية، حيث تتكرر الدوائر ذاتها من الحسد والإقصاء والخذلان، وإن اختلفت أشكالها عبر الزمن.
– البئر: الرمز الكليّ: البئر في الرواية ليست مكاناً واحداً، بل فضاء رمزي يتجدد مع كل شخصية؛ فكل شخصية في الرواية تسقط في «بئرها» الخاص: عون في بئر التقاعد والخذلان، ومحمد في بئر الهوية المنقسمة، وغالينا في بئر الاغتراب الثقافي، لكنها جميعاً تخضع للجاذب الرمزي ذاته، وهو إعادة إنتاج قصة يوسف في عصر يعجز عن استيعاب المعجزات. وهكذا، يتحول البئر إلى مركز الجذب الأكبر في الرواية، حيث يعيد إنتاج السقوط بوصفه شرطاً أساسياً للمعرفة، فإن سقوط يوسف في القصة القرآنية لم يكن النهاية، بل بداية الطريق نحو النور، فإن السقوط في الرواية المعاصرة يصبح مدخلاً لاكتشاف الذات في عالم غارق في الضباب.
الجاذب الغريب والذاكرة الجمعية
من أعمق ما يميز الرواية اعتمادها على الذاكرة الجمعية بوصفها شكلاً من أشكال الجاذب الغريب، فالقارئ يدخل النص محمّلاً بمعرفته المسبقة لقصة يوسف، ما يجعله يشارك في بناء المعنى منذ البداية. هذه الذاكرة لا تعمل كمرجع ثابت، بل كقوة جذب دينامية تعيد ترتيب الحكاية كل مرة، فالرواية الحديثة لا تستنسخ القصة القرآنية، إنما تعيد توزيع رموزها في بنية معاصرة: القميص يتحول إلى رمزٍ للهوية الممزقة، والحلم إلى مرآة للوعي الجمعي، والبئر إلى استعارة للخذلان الاجتماعي، وبهذا يتحقق جوهر الجاذب الغريب تكرارٌ دون تطابق، وانتظامٌ في قلب الفوضى
الجاذب الغريب في الثيمات والبعد السياسي
يمتد الجاذب الغريب في رواية «أنا يوسف يا أبي» ليشمل الثيمات السياسية والاجتماعية، وليس الشخصيات وحدها، فكل الأحداث من إحالة عون للتقاعد إلى أزمات ابنه محمد، تتجمع حول ثيمة الاغتراب وفقدان الوطن، والجغرافيا المتنوعة تُعيد إنتاج الغربة في أشكال مختلفة لكنها جميعاً تقف عند جاذب واحد.
تُسْقِط الرواية قصة يوسف على الواقع العربي المعاصر: السلطة عمياء، المجتمع قاسٍ كـ“إخوة غيورون»، والغربة كبئر حديث يلقى فيه كل مهاجر أو شاب يبحث عن فرصة. هكذا تتحول الرواية إلى خريطة فوضوية للعالم العربي، حيث تتكرر بؤر القهر والخذلان في كل جيل، لكن جاذب الهوية والكرامة يمنح النص وحدة داخلية، مؤكّداً أن القصة القرآنية لا تنتهي بزمن، بل تعيش في كل جيل وفي كل تجربة من الغربة والخذلان.
ختاماً؛ تؤكد قراءة «أنا يوسف يا أبي» في ضوء مفهوم الجاذب الغريب، أن الرواية الحديثة ليست خطية، بل فضاء لفوضى سردية تتشابك فيه الأزمنة والأصوات والرموز، لكنها محكومة بجاذب خفي كشخصية يوسف ورمزيتها الوجودية.
والأدب هنا يكشف النظام الخفي وراء الفوضى، وتصبح الشخصيات رموزاً ثقافية متكررة، كما يصبح القارئ شريكاً في اكتشاف الجاذب؛ ما يفسر انجذابه للنص رغم بساطته الظاهرية، فالرواية نموذج حي لنظرية الفوضى مبعثرة على السطح، لكنها منسجمة ومتجانسة في جوهرها، كما في الأنظمة الطبيعية.
- عن الرأي الثقافي
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!