محمد الغزي في ذكراه الثانية: شاعر الحب والموت
منصف الوهايبي
بعد أيام من العام الجديد تحل الذكرى الثانية لرحيل الشاعر محمد الغزي على قلق هذه الكلمة «رحيل» المستعارة من اللغات الأجنبية كناية عن الموت، فيما الشعراء هم أبدا أحياء عند قرائهم يرزقون. ينتمي الغزي إلى «الحدث الجيلي» نفسه الذي أنتمي إليه، جيل الستينيات والسبعينيات، من أمثال الشعراء، الحبيب الزناد والطاهر الهمامي وفضيلة الشابي.. على أن محمد الغزي، وإن كان هؤلاء من زملائه في الجامعة، وكان ينشر مثلهم في مجلة «الفكر» التونسية؛ لم ينتم إلى حركة «في غير العمودي و[غير] الحر»، التي اشتُهِر بها هؤلاء؛ على قلق هذا المصطلح شأنه شأن «قصيدة النثر» («القصيدة النثر» كما أفضل ترجمة المصطلح الأجنبي، أي باعتماد الصفة بالمصدر، وليس التركيب بالإضافة)، التي جربها الغزي في العقد الأخير من حياته.
والأقرب إلى الحق أن هذا الجيل عاش تجربة تاريخية «واحدة»، لكن دون أن يكون مجموعا أدبيا متجانسا؛ من ذلك أن محمد الغزي ظل وفيا لما تلقاه في بيئته القيروانية الأولى «مكان الذاكرة»، من حيث الحفاظ على أوزان الشعر العربي ولطائف العربية الفصحى وإرثها الأدبي العظيم، ما أتاح له أن يتفرد وأن ينقل الشعر التونسي، الذي كاد يكون مجهول النسب متهم الأصل، إلى آفاق عربية أرحب؛ دون أن يكون ظلا لأبي القاسم الشابي، الذي يدين له الشعر التونسي بهذه النقلة النوعية. ومثلما لم تكن للشابي صلة تذكر بالشعر التونسي في الثلث الأول من القرن الماضي، وإنما علاقات بأفراد يقاسمونه رؤيته بنسبة أو بأخرى مثل محمد الحليوي وهو ناقد ومترجم عن الفرنسية؛ كان محمد الغزي كذلك في ما سمّاه البعض «المدرسة القيروانية»، التي ضمته مع شعراء من القيروان ومن تونس العاصمة (علي اللواتي وخالد النجار وبشير القهواجي وفتحي النصري وكاتب هذا المقال). ولعل رأي البعض في أن ثلاثين عاما هي الفترة الزمنية المثلى بين جيل وآخر؛ هو السائغ في مثل هذا التصنيف، الذي نأتيه على حذر؛ أي أن ظهور الأجيال إنما يتحدد بالعام الذي يبلغ فيه أفرادها سن الثلاثين.
وهؤلاء الذين يعيشون في عالم واحد، ويكون بينهم تواصل، نجدهم يعبرون عن هموم وشواغل ومواقف مشتركة أو متقاربة. وثمة في الشعر التونسي جيل ما قبل الاستقلال، وجيل ما بعد الاستقلال، بل هناك من الكتاب والفنانين والشعراء، من يرفض أن يضع نفسه في جيل بعينه. ولعل أكثرها دلالة هذا الاستعمال الشائع «زميل دراسة»؛ وعليه تأسس نمط جديد من شبكات الصداقة والرفقة، يتقاسم أصحابها تجربة تاريخية مشتركة، أو شعرية، كما هو الشأن في «مدرسة القيروان». ولعل في هذا ما يسوغ الرأي في أن «الجيل» مفهوم جديد زمانا ومكانا، بل هو مرتبة من مراتب المعرفة الأساسية، نشأت في الثقافة العربية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في مركزين كبيرين: بلاد الشام ومصر. ثم كانت لهما فروعهما في سائر البلاد العربية. على أن خواص هذا الزمان وهذا المكان غير ثابتين، ومعاييرهما نسبية، على الرغم من وحدتهما العضوية؛ فقد يحل المركز محل الهامش، والهامش محل المركز، وقد يكون الزمان بطيئا في نظام سريع الحركة، وقد يكون أقصر في نظام عديم الحركة، وما إلى ذلك، مثل نسبية الماضي والحاضر، حيث تتعايش أجيال مختلفة حد التباين بالجملة.
كان الغزي مثل الشابي، شاعرا عربيا بالمعنى الثقافي العميق للكلمة، وليس بالمعنى السياسي، أو القـومي الذي لم يكن يعنيه كثيرا. إنما كان شغله الشعر العربي قديمه وحديثه. ومن لطيف المصادفات أنهما ولدا في الشهر نفسه وفي اليوم نفسه، فقد ولد الشابي في 24 فبراير/شباط 1909، وولد محمد الغزي في 24 فبراير 1949.
والشعر التونسي لا يمكن أن يدرس بمعزل عن قرينه في شرق البلاد العربية، أو عن السياق الأوروبي عامة، أو ما يمكن أن نسميه «أفق الحداثة الأوروبية». على أنها في ثقافتنا العربية عامة، عصور أو أزمنة متراكبة. وكل عمل شعري للغزي بدءا بعمله الأول «كتاب الماء كتاب الجمر» إلى كتابه الذي صدر بعد وفاته «الجبال أجدادي.. الأنهار إخوتي»، هو «كتاب» مثل «أغاني الحياة» للشابي، وليس «ديوانا»، يقوم على علاقة حميمة بين الرؤية والتصور، وليس مجرد قصائد متناثرة لا رابط بينها سوى «الغرض» أو القافية. والانتقال من القصيدة إلى «العمل» الشعري، قد يكون أحد أظهر مظاهر الحداثة وملامحها. وهو الذي وصل نصه بالتجارب الشعرية الرائدة في عصره، مثله مثل الشابي الذي وصل نصه بتجربة شعراء المهجر وجبران تحديدا.
إن الغزي صاحب تجربة متنوعة، سواء في الشعر أو في أدب الطفل. وتجربته يتجاذبها طرفان: «الأبولونية» بعبارة أهل الفلسفة، حيث الصدارة في الكتابة للتوازن والتناسب والتناغم، و«الديونيزوسية» القائمة على المصادفة والعشوائية والغرابة. وربما راوح بينهما في نصوصه النثرية شكلا وصورة ودلالة. ولعل ما يستأثر بالغزي وهو ينشئ قصيدته، أن يبلغ بالصورة شكلا من التماثل، أو المحاكاة، والعثور على منطقة تتجاور فيها الأشياء أو يتلبس بعضها ببعض. وربما لاحت الصورة في بعض قصائده النثرية، التي جربها في العقد الأخير من حياته كما أسلفت، غريبة أو انقطاعا في سيرورة تجربته. والغزي لا يحب لقصيدته الموزونة (قصيدة البيت وقصيدة التفعيلة) أن تكون متاهة، حتى وهي تحتفل بالأشياء وتسميها، في جمل وصور تنفك عن النسق اللغوي القائم، فلا مبادرة إلا للكلمات ولا صدارة إلا للغة المصفاة؛ وهو الشاعر المتمكن من لغته ومواد شعره. لكن قد يكون من المفيد أن نقرأ هذا الشعر، من حيث هو مدونة واحدة، وإن تعددت القصائد وتنوعتْ، بل قد لا تكون القصيدة الواحدة عند الغزي، وهو الذي يراوح بين الموزون والنثري (قصيدة النثر والهايكو)، متى تمليناها في أبعادها الزمنية؛ سوى «قصائدَ» تشكلُ اللحظاتُ الزمنيةُ مجتمعةً، مختلفَ عناصرها ومكوناتِها.
ولعل هذا ما يجعل نصوص الغزي، كما هو الشأن عند بعض أبناء جيله من الذين ضمتهم المدرسة نفسها؛ تنضوي على اختلافها، إلى «شعرية الأثر» بالمعنى العميق للكلمة. ونعني بـ«شعرية الأثر» أي أثر اللغة التي يطويها النسيان، أو ما يتبقى بعد أن تُعفيَ الذاكرة كل شيء.
وفي هذه التجربة تنهض الأشياء والأسماء بـ»طوبوغرافيا متخيلة» (أو «إراثة» كما يترجم المصطلح الأجنبي من حيث وصف الأماكن وحالاتها)، تصل بين أزمنة وأمكنة متحولة، وتكتنه عند الغزي الفضاء القيرواني خاصة، من حيث هو مكون جمالي لشعرية الأثر، وتؤسس الكتابةَ تَغْرِيبا لأوضاع طبيعية أو لأشياء مألوفة؛ وأمثلتها في شعره تتسع للأنواع الثلاثة التي أجادها، عل تفاوتها: «قصيدة البيت» و»قصيدة التفعيلة» و»قصيدة النثر» أو «القصيدة النثر».
وكل هذا يتنامى في تجربة الغزي في سياق شعري، يتخيل فيه الشاعرُ الماضي أكثر مما يستعيده، كما في مراثيه الشجية لزوجته. والشعر بهذا المعنى تجربة شمولية، والحداثة «حدثية». ومن ثم يند شعر الغزي، عن التصنيف الذي دأبنا عليه في دراسة الشعر العربي المعاصر، ويصعب أن تقرنه بأحد من رواده في المشرق. فهو صاحب تجربة خاصة. والحق ليس ثمة ما يصل شعر الغزي في «كتاب الماء/ كتاب الجمر»، و«ما أكثر ما أعطى/ ما أقل ما أخذت» و«كثير هذا القليل الذي أخذت» و«سليل الماء» و«كالليل أستضيء بنجومي» و«ثمة ضوء آخر» و«استجب إن دعتك الجبال» وغيرها، بـ«النص الشعري المشرقي»، إلا في القليل النادر.
ومهارة محمد الغزي تتجلى أكثر في «القصيدة الوجيزة»، أو «القصيرة»، أو «القُصرى» على قلق المصطلح، منذ كتابه الشعري الأول «كتاب الماء كتاب الجمر» 1983. وقد ظل وفيا لهذا «النوع» في جل ما كتب، حتى في قصائده النثرية مثل «مزامير محمد الغزي»: «تتحدثُ أنت، دَعِ الندوبَ التي تركوها تتحدث عنكَ. كُنِ الكتفَ التي تُلقي عليها رأسَها كلما احتاجت إلى عزاء. ما احتفاظكَ بمفاتيحَ أنت تعرفُ أنها لا تفتحُ الأبوابَ التي تطرُقهَا؟».
أو قصيدته «آدم»:
ماذا لو لمْ يَهُم بتلك الشجرة؟
ماذا لو لم يقتطفْ ثِمارها؟
ماذا لو لم تكُنْ خطيئَتُهُ؟
هل كنا سنرثُ الأرضَ؟
هل كنا سنندلعُ كالبرْقِ في ظُلمَتِها؟
هل كنا سننحدرُ كالجواميسِ من عصرٍ إلى عصرٍ
ونثبُ كالوعول من ضفةٍ إلى أخرى؟
هل كنا سنحمِل قبائلنا وخيُولَنا
وننوءُ بأعباءِ توابيتنا
ونَبْسُطُ على الأرضِ سُلطانَنَا؟
اذنْ فلْنَقُلْ:
المجدُ للخطائين
من قَوموا درْءَ الأرضِ
وصوبُوا أخطاء السلالة
حيث تتحقق الشعرية في هذا النوع، في قفلة القصيدة وفي تراكب كلماتها التي تنشئ نوعا من الإيقاع الكمي النبري، وفي موضوعين استأثرا به هما: الحب والموت، أو ما يجمعهما في نسيج واحد هو الحياة بلذائذها ومتعها، ومكرها وألاعيبها.
كاتب تونسي
عن القدس العربي – لندن
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!