(ثقافات)
قراءة سيميائية و تفكيكيّة لرواية غابات الإسمنت . لذكرى لعيبي *
علي فضيل العربي (ناقد وروائي من الجزائر)
ختمت الروائيّة ذكرى لعيبي روايتها ” غابات الإسمنت ” على لسان بطلتها إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) ، قائلة : ( و رغم كلّ ما مرّ … سأعيش و أنسى المرّ ) .
هناك روايات تجبرنا – كقراء أو نقاد ، أن نقرأها أكثر من مرّة . لا لكونها رواية صعبة المنال ، أو غامضة في ثنايا السرد و الحوار ، بل ، نظرا لتفرّدها و تمرّدها على السرد العربي المألوف . و ما اعتاده القاريء العربي من نصوص سرديّة ، تمتّعه فنيّا ، و لا تستفزّه عاطفيّا . تدغدغ مشاعره و أحاسيسه ، و تزعزع أفكاره ، لكنّها لا تزلزلها ، و لا تزرع فيها كمّا من الأسئلة الحرجة . و إن كان من بين أدوار الفن ّ عامة ، اقتحام المناطق المغلقة في الطبيعة و النفس البشريّة ، و التنقيب في أعماقهما عن المكنونات ، التي لا تبصرها عيون العامة بعين بصيرة .
أجل ، لم تعد الرواية المعاصرة تهادن فلسفة الواقع المعيش ، بل أضحت وسيلة لتعريّة هذا الواقع الإنساني ، الذي يخفي كثيرا من الطابوهات ، و يقمع الحريّات ، و يمارس طقوس النفاق السياسي و الاجتماعي و الثيوقراطي ـ تارة تحت غطاء التقاليد الباليّة و العادات البائدة ، و تارة أخرى تحت طائلة الاستبداد بكل ضروبه و أشكاله .
رواية ” غابات الإسمنت ” ، للكاتبة ذكرى لعيبي ، و هي كاتبة ميسانية المولد ( نسبة إلى ميسان ** ) ، عراقيّة الموطن و الهويّة ، سندباديّة الترحال . ولدت في زمن العجائب العربيّة . تناولت فيها الكاتبة ، بكل جرأة و شجاعة ، أحد المجتمعات العربية – جعلت المكان الأول عائمًا – لأسباب نعرفها جميعًا، الذي لا تختلف البلاد العربيّة برمّتها – مازالت فيه الذكورة الفوقيّة ، تمارس (قوامتها ) و رعونتها على الأنثى ( المرأة ) الرازحة تحت نير الدونيّة و النصفيّة ( من النصف ) . فأضحى الذكر هو كلّ المجتمع ، بينما المرأة هي نصفه ، الذي سُلب منها ، و حُرمت منه . و قد صدرت هذه الرواية في طبعتها الأولى شهر أفريل 2023 م ، عن دار الدراويش للنشر و الترجمة / كاوفبويرن – جمهوريّة ألمانيا الاتحادية .
قسّمت الكاتبة الروائيّة ذكرى لعيبي ، روايتها ” غابات الإسمنت ” إلى قسمين ؛ عنونت قسمها الأول بـ ( الجريمة ) ، و قد توزّع على أربعة عشر فصلا ( هل نلوم القدر ؟ ، رفيقتي ، السجن الكبير ، نائلة ، اللقاء ، نافذة أخرى للحياة ، وعود ، بين الحياة و الموت ، إرادة الموت ، لقاء في المكتب ، عالم العطور و العقارب ، أناملي و الدمى ، العودة إلى السجن ، المهمة الأولى ، ) بينا عنونت الفصل الثاني بعنوان ( الحريّة ) ، و قد ضمّ أحد عشر فصلا ، هي كالتالي : ( الحريّة ، عناق ، البيت ، سكن و عمل ، احتفالية ، زيارة المقبرة ، خبر عن الفرح ، حياة جديدة ؛ لكن بحدود ، لقاء مع العروس ، التمرّد ، حريّة أخرى ) . أما عدد صفحاتها فقد ناهزت 218 صفحة .
و قد صدّرت الكاتبة الروائيّة ذكرى لعيبي روايتها ، بإهداء إلى بطلة روايتها ” أنعام عبد اللطيف الحاير ” قائلة لها : ” الأقوياء هم من يعاصرون أعوام التبعثر .. من دون أن تتشظّى أرواحهم .. نحن متّفقتان أن أيّ علاقة تجعلنا نتخلّى عن قيّمنا و مبادئنا ، لا بد من إعادة النظر فيها …ثم تضيف : جريمتك لا تنحصر في قتل رجل خائن .. بل في تمزيق صورة إنعام ؛ الأنثى الجميلة التي كانت بداخلك . ”
و قبل الولوج في هذا المتن السردي ، المثير لمشاعرنا ، المستفز لعواطفنا و قناعاتنا الفكريّة ، يستوقفنا ، عنوانها الموسوم بـ ” غابات الإسمنت ” . و إذا كانت الأبواب هي المداخل الشرعيّة القانونيّة للبيوت و المحلاّت ، فإنّ العناوين هي عتبات النصوص الروائيّة ، لا يمكن إغفالها أو تجازوها أو التهوين من قيمتها الفنيّة و الدلالية . إنّ الغابات ( مفردها الغابة ) في سياقها الرمزي و وظيفتها الإنزياحية ، و مفهومها النفسي تدل على الأنوثة غير المستكشفة . فقلب الغابات – غالبا – ما يمثّل الأرض المقطوعة الشجر و الطوق المقدّس . و منها صيغ مصطلح ( قانون الغاب ) ، فهو شريعة تقوم على الفوضى و الأنانيّة المطلقة و أخذ الحقوق بأساليب مختلفة و مشبوهة في وجود أمن ضعيف و سلطة سيّئة الذكر . أما في المفهوم السياسي ، فهي ترمز إلى مكان لترويض العاطفة و الشهوات الحسيّة و الانغماس في طقوس رومانسيّة و صوفيّة كما هو الشأن في الأدب الفارسي . أما رمزيّة الإسمنت ، فهي تحمل معاني القهر و التضييق و الخنق و القسوة و الاستبداد .
بطلة الرواية ( الراوية ) ، هي إنعام عبد اللطيف الحاير ( ميساء أدهم عبد الرحيم ) ، امرأة مثيرة للجدل ، متمرّدة عن مجتمع ( القطيع ) و ضحيّته في آن واحد . أمرأة باحثة عن حريّتها و كيانها و دورها و مكانتها في مجتمع شرقيّ ـ تقبض على زمامه فلسفة ذكوريّة فوقيّة متخلّفة . تناسى متعاطوها مبدأ ( النساء شقائق الرجال ) ، و تتعامل معهنّ بمباديء مغلوطة و مزيّفة عقليّا و دينيّا و إنسانيّا . قتلت زوجها ، الذي خانها مع عشيقته ، و انتقمت لشرفها و عزّة أنوثتها ، و لسان حالها يردّد في سرّها قول أبي الطيّب المتنبّي :
