الرئيسية / خبر رئيسي / جابر عثرات الثقافة..وداعاً

جابر عثرات الثقافة..وداعاً

جابر عثرات الثقافة .. وداعاً

د. نبيل حداد

كنت وما زلت مأخوذا ومفتوناً، بعطاء جيل الستينيات ( رحم الله الأكثرية منهم ومد في أعمار القلة الباقية) …نتاجاً أدبياً، ورؤى نقدية، والأهم من هذا مجالس ثقافية بل حلقات هادئة وعاصفة في ريش والحرية ولاظوغلي ونحوها…. مجالس ارتقت إلى مستوى الأكاديميات……

تعود علاقتي بالراحل الكبير الدكتور جابر عصفور القطب الأصغر سناً في هذه المجالس، ولكن لعله الأرفع إبداعاً نقدياً، إلى السبعينيات من القرن الماضي، حيث كنت أتردد عليه فيه مكتبه في قسم اللغة العربية وآدابها، قبل سفره إلى السويد، عقب معاناة سياسية مضنية مع النظام القائم آنذاك. وأحياناً قليلة حضرت بعض مجالسه ولا سيما في مقهى ريش حيث ربطتني علاقة صداقة مع أقطاب آخرين في هذه المجالس: من مثل الروائي المبدع غالب هلسا، والمبدع الراحل يحيى الطاهر عبدالله، والقاص عبده جبير أمد الله في عمره وغيرهم.

وحين انتهيت من إعداد أطروحتي للدكتوراه مع مشرفي العظيم الدكتور عز الدين إسماعيل، أبلغني- دون أن يأخذ رأيي- بأن الدكتور جابر سيكون عضواً في لجنة المناقشة، وبهذا تحولت المعرفة مع الدكتور جابر إلى شكل من أشكال العلاقة، ثم تطورت هذه العلاقة إلى ما يقرب من الصداقة، بعد أن زرته في بيته في شارع مصدق بالدقي، وسلمته الأطروحة حتى يناقشني مناقشة استغرقت ثلاث ساعات كانت كلها دروساً مازلت أتعلم منها إلى اليوم؛ وما زلت أحتفظ بالتسجيلات، وأعود إليها بين وقت وآخر……

ومع تكرر زيارات الدكتور جابر إلى الأردن، وكثرة ترددي على القاهرة، ولاسيما لحضور فعاليات المجلس الأعلى للثقافة، ودعواته الكريمة لي لحضورها….. تحولت العلاقة القريبة….. إلى صداقة بمعنى الكلمة…. صداقة التلميذ لأستاذه والمريد لمعلمه….. على الرغم من أن فارق السن بينه وبيني ليس كبيراً … صداقة اعتز بها وسأظل أتعلم منها حتى النفس الأخير فيما تبقى لي من أيام ….

صداقة امتدت لحوالي أربعين عاماً ترسخت في الوجدان وأشرقت في الروح السمات الفريدة لهذه الشخصية الاستثنائية التي ظلت معلماً بارزاً في حياتنا الثقافية، بل قلعة صامدة من قلاع العطاء الفكري التنويري والنقدي والمؤسسي يلوذ بها المثقفون من شتى أقطار الأمة العربية ليجدوا مصر – كما العهد بها – مفتوحة الذراعين مهللة مرحبة بالجميع، مهما اختلفت الأقطار، وتنابذت السياسات، وتعددت الاتجاهات، وتناقضت المواقف؛ فكلهم عند راعي هذه المحافل، وجابر نفوس المثقفين العرب، أصحاب بيت وأسياد دار يحتلون صدر المجالس وينعمون بكرم ضيافة لن تجد ما يدانيها في غير أرض الكنانة.

جابر عصفور شخصية غنية إنسانياً وفكرياً واجتماعياً فهو الدافئ المتواضع، كريم النفس السخي بالمشاعر الذي طالما

أشعرني….وأنا التلميذ بأنني الأستاذ الند ، معاذ الله.

لم يكن يشغله سوى أن تقدم في محفله العلمي أفضل ما توصلت إليه من إنجاز علمي أو ثقافي، وهو ثقافياً الناشط المبدع المتألق المتجدد والمجدد طيلة نصف قرن أو يزيد، ولعله الناشط الثقافي الأبرز بين المثقفين العرب المحدثين.

وهو الناقد الفذ الذي كان في طليعة النقاد الذين نقلوا الحركة النقدية العربية من التدبرات النصية إلى الطروحات التنظيرية الراسخة التي تفتح آفاقاً رحبة وأعيناً واسعة- ولا سيما أمام الجيل الجديد- على مسارات جديدة ودروب منتجة ومجدية.

ويبقى السؤال…

متى سيجود الزمان بجابر جديد…. لعثرات الثقافة والمثقفين…ولا سيما كرام المثقفين….؟!

شاهد أيضاً

إعلان الرباط يرسم مسار معاهدة دولية لحظر الاستخدام السياسي للأديان

إعلان الرباط يرسم مسار معاهدة دولية لحظر الاستخدام السياسي للأديان   احتضنت العاصمة المغربية الرباط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *