الرئيسية / إضاءات / عبد الوهاب الطراونة: الإعلامي الذي أقضّ مضاجع الغشّاشين

عبد الوهاب الطراونة: الإعلامي الذي أقضّ مضاجع الغشّاشين

          (ثقافات)

* عامر الصمادي

           يجمع خبراء الإعلام أن له وظائف عديدة لخدمة المجتمع والمساهمة بتطوره من خلال توفير المعلومة الصادقة المتوازنة للناس بحيث يستطيع كل فرد في المجتمع تكوين رأيه الخاص تجاه أي قضية تثار، ويختلف الأمر قليلا أو يزيد عليه إذا كانت وسيلة الإعلام حكومية وليست خاصة، لأن الإعلام الرسمي في الدول النامية يهتم بكثير من القضايا التي لا يهتم بها الإعلام الخاص مثل القضايا التنموية من زراعة وصحة وتعليم فنجد برامج خاصة للمزارعين وأخرى للتوعية الصحية والبيئية والدفاع المدني وبرامج القضايا الوطنية والتعبئة الوطنية كبرامج الجيش والأمن العام وغيرها، ومن أبرز هذه البرامج التي قدمها التلفزيون الأردني كان برنامج دليل المستهلك الذي بدأ  تقديمه عام ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين واستمر لمدة عشرين سنة متواصلة من إعداد وتقديم الإعلامي الكبير عبد الوهاب الطراونة، وحقق هذا البرنامج شعبية كبيرة ونجاحا هائلا حتى أنه أصبح وسيلة للجهات الرقابية على الغذاء والدواء لمعرفة أساليب وطرق الغش الغذائي وأماكن تواجده وأبرز من يقوم به، ووصل الأمر إلى أن كثيرا من أصحاب المحلات الغذائية خاصة القصابين وأصحاب المطاعم كانوا يغلقون محلاتهم بمجرد مشاهدتهم لسيارة التلفزيون بالمنطقة خوفا من افتضاح أمرهم .

يعتبر عبد الوهاب الطراونه من جيل المؤسسين للتلفزيون الأردني فقد بدأ العمل به في السنة السادسة من تأسيسه أي في عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين وتدرج بالعمل من قسم رصد الاخبار ثم قسم مونتاج الأخبار وبعدها  قسم تحرير الأخبار ثم تحول إلى قراءة التقارير الإخبارية وإعداد وتقديم البرامج وهي مسيرة مهنية تجعل من الإعلامي ملما بكل زوايا العمل الإذاعي والتلفزيوني فيصبح مؤهلا للقيام بكل ما يلزم لإنجاح العمل بأقل عدد من الأشخاص وبحرفية عالية بأقصر وقت .

تعود معرفتي بالزميل عبدالوهاب الطراونه إلى بداية عملي بالتلفزيون الأردني بداية عام ألف وتسعمائة وتسعين عندما طلب مني تقديم برنامج المجلة الثقافية وهو أهم برنامج ثقافي وقتها، ودون تدريب أو معرفة بأدوات العمل التلفزيوني أو حتى الوقت الكافي للتعرف على الاستوديوهات بدأت تصوير أولى الحلقات من ذلك البرنامج معتمدا على لغتي العربية السليمة ودراستي للغة الانجليزية وعشقي للأدب والشعر وعلاقاتي مع معظم الشعراء العرب والأردنيين بحكم تطوعي بإدارة كل أنشطة لجنة الشعر والصحافة بمهرجان جرش لعدة سنوات، وما زلت أذكر موقفا للأستاذ عبدالوهاب الطراونه أقوم بتدريسه لطلابي في الدورات الإعلامية حول أهمية العامل النفسي للإعلامي، ويتلخص ذلك لموقف بأنني وبعد بث الحلقة الأولى من البرنامج عقدنا اجتماعا لفريق العمل لمناقشة الحلقة وكان هناك أحد الزملاء يرغب بأن تقوم بتقديم البرنامج إحدى الزميلات وفوجئ بتكليفي بتقديمه له فحاول بشتى الطرق أن يؤثر علي للانسحاب من البرنامج مستغلا عدم معرفتي ببعض أدوات العمل التلفزيوني وبما أنه كان هو المخرج فقد تعمد عدم تنبيهي لبعض الحركات مثل النظر إلى الكاميرا المضاءة باللون الأحمر او تحريك الكاميرات بشكل سريع داخل الاستوديو دون معرفتي أيها الموجهة علي وطبعا استغل بعض تلك الهفوات لإقناع الإدارة بأنني لا أصلح وأن مذيعة أخرى يجب أن تقدم البرنامج، وفعلا أوصلني لحالة نفسية كرهت بها العمل التلفزيوني وخرجت من الاجتماع محبطا وعازما على ترك البرنامج وفي حديقة التلفزيون التقيت بالأستاذ عبدالوهاب الذي لم أكن أعرفه من قبل والذي بادرني بالسلام وأبدى إعجابه بحلقتي الأولى وكيف أنني لفت انتباهه بلغتي ومخارج حروفي السليمة وطريقة تقديمي للبرنامج رغم أنها المرة الأولى لي، وقال أن لي “حضورا ” على الشاشة وشكلا مناسبا للتلفزيون  وكال لي من المديح الكثير مشيرا إلى أنني سأصبح من أفضل مقدمي البرامج  مما رفع معنوياتي وزاد من ثقتي بنفسي وجعلني أعود عن قراري وأقبل التحدي بالاستمرار بتقديم البرنامج وهذا ما كان واستمر عملي بالتلفزيون إلى يومنا

هذا.

الميلاد والنشأة :

يقول الأستاذ عبد الوهاب عن نشأته الأولى :

ولدت في بلد شهداء معركة مؤته، جعفر بن أبى طالب  وعبدالله ابن رواحة  وزيد بن حارثة (المزار الجنوبي) في عام ١٩٤٦ في بيئة دينية محافظة كان بيتنا بجانب مسجد الصحابي الجليل  جعفر الطيار .

والدي رحمه الله كان يعمل مؤذننا وإماما لهذا المسجد وكان حريصا على أن  أرافقه إلى المسجد وعلى متابعة تعليمي في المراحل الابتدائية والإعدادية  والثانوية و حتى بالعطلة الصيفية كان يحرص على أن أدرس عند الكتاب لتقوية اللغة العربية والدين، وكان يوكلني عندما مرض في الآونة الأخيره للقيام بواجباته كالآذان وإمامة المصلين وهذا عزز عندي القدرة على المثول أمام حشد من الناس لإلقاء الدروس الدينية وشجعني أيضا على إصدار مجله الحائط الأسبوعية بعنوان (الشعلة) كان يشارك فيها العديد من زملائي الطلبة في المرحلة الإعدادية بالإضافة لمشاركة عدد من المعلمين، كل هذه المعطيات عززت عندي حب الإعلام والانخراط في مجاله بعد إنهاء دراستي ولكن الظروف شاءت غير ذلك عندما تخصصت بدراسة الحقوق في جامعة بيروت العربية وحصلت على شهادة الليسانس عام ١٩٧٦ لكن بعد مرحلة التوجيهي لم أتمكن من الذهاب للجامعة نظرا لوفاة والدي ١٩٦٩ وتقدمت بطلب للعمل في سلاح الهندسة الملكي قسم المساحة العسكرية كوني أحمل شهادة دبلوم مساحة وتم قبولي ولحسن الحظ تم قبولي أيضا أنا وسبعة طلاب آخرين لإرسالنا في بعثة إلى هولندا لدراسة هندسة التصوير الجوي -كارتو جرافي-

ولكن جاءت الموافقة علي وحدي من بين الطلاب الآخرين نظرا لأني أحمل دبلوم المساحة وأنهيت كل الإجراءات اللازمة للسفر لكن لسوء الحظ حصلت ظروف منعتني من السفر بسبب مشاكل مع قائد الوحدة آنذاك المهندس المرحوم نشأت المجالي، عندها قدمت استقالتي وكنت حينئذ مقدم طلب للعمل في التلفزيون وتم قبولي للعمل في التلفزيون عام ١٩٧٤ ومنذ هذا التاريخ  بدأت  مسيرتي الإعلامية .

العمل في التلفزيون الأردني : وحول عمله بالتلفزيون منذ البداية والأشخاص الذين زاملهم وأبرز محطات عمله خاصة البرامج التي قدمها يقول الطراونه :

بدأت القصة من دائرة الأخبار وكنت أرغب أن أكون مذيعا ومحررا للأخبار حيث كان للتلفزيون آنذاك ألق خاص وشهرة واسعة حتى في العالم العربي

وعمل المذيع آنذاك كان يتمناه الكثيرون لما له من ميزات كثيرة لأنه لم تكن وسيلة مشاهده في ذلك الوقت إلا التلفزيون فقط، حيث لم تكن القنوات الفضائية ووسائل الاتصال متوفرة في ذلك الوقت كما هو اليوم. لكن أن تكون مذيعا أو محررا في تلك الفترة لابد وأن تمر بعدة مراحل ودورات حتى تتأهل لأن تظهر على الشاشة. كان مدير أخبار التلفزيون وقتها المرحوم الأستاذ جورج حداد فطلب مني أن أعمل أولا في دائرة رصد الأخبار وكان معي من الزملاء عمر أبو زيد رئيس القسم، وسند حدادين، وعبدالله النسور، وسمير العمد، كنا ننقل الأخبار من وكالات الأنباء ونعطيها لزملائنا في التحرير من أجل نشرة أخبار الثامنة الرئيسة .

بعدها انتقلت إلى قسم مونتاج الأخبار الذي كان يرأسه الزميل المرحوم زهير صيام ومن الذين زاملتهم الزملاء كمال ماف، ويوسف الصرايرة، وعلي الطلافيح، ونائل الطراونه.

بعدها طلبت العمل كمحرر أخبار ولكن مدير الأخبار آنذاك المرحوم محمد أمين اشترط أنه لابد من إجراء اختبار وفعلا خضعت للاختبار الكتابي وتجاوزته بحمد الله وتغيرت مهنتي إلى محرر أخبار. لكن رغم ذلك بقيت  أرغب في الظهور على الشاشة لأنه حلم كان يراودني دائما.

بعد فترة بسيطة تسلم إدارة الأخبار المرحوم الدكتور مروان خير وكان له الفضل علي بأن طلب مني أن أقرأ التقارير الإخبارية على الهواء مباشرة

صوتا فقط وهذا منحني نوعا من الجرأة للتغلب على هيبة الاستوديو والميكروفون ثم طلب مني أيضا أن أقوم بتصوير تقارير إخبارية ميدانية

وكان أول تقرير ميداني إخباري لي مع الزميل المرحوم صالح جبر عن مستشفى الكرك الحكومي  حيث سلطنا الضوء على بعض المشاكل التي كان يعاني منها الناس  في هذا المستشفى، وبعد نجاح هذا التقرير كلفت بإجراء تقارير إخبارية ميدانية في منطقة وادي عربة ومناطق أخرى في المملكه. بعدها استمريت في عملي كمحرر أخبار حيث كان الزميل المرحوم عبدالحليم عربيات رئيسا للتحرير وكان يريد أن يجعلني  رئيسا للتحرير حيث طلب مني في أحد المرات نتيجه لظروف خاصة  به أن أستلم رئاسة تحرير نشرة الأخبار المسائية الثانية التي كانت تذاع عادة بعد الساعة  الثانية عشرة ليلا بعد انتهاء مسلسل السهرة وكان وقتها انعقاد مؤتمر القمة  العربي في عمان وبعد تجهيز النشرة جاء في وقت متأخر من الليل الزميل المرحوم المصور حنا فراج ومعه أشرطة تتضمن البيان الختامي  للمؤتمر  وأيضا مؤتمر صحفي لوزير الإعلام آنذاك عدنان أبو عودة وبما أن الوقت متأخر والبيان قصير والمؤتمر الصحفي لمعاليه كان وقته طويلا اتخذت قرارا بإذاعة البيان الختامي فقط وتأجيل بث المؤتمر لليوم الثاني

ولكن المفاجئة  حصلت لي بعد نهاية نشرة الأخبار في الساعة الواحدة ليلا اتصال وزير الإعلام عدنان أبو عودة غاضبا مهددا لعدم إذاعة مؤتمره الصحفي وجرت مشاده كلاميه بيني وبينه حضر على إثرها في اليوم التالي  لمبنى التلفزيون واستدعاني لمكتب مدير الأخبار وجرى بعض العتاب تم على إثرها نقلي من الأخبار إلى  دائرة الإعلام التنموي التي كان يرأسها الزميل  صقر الحمود

وفي هذه الدائرة كانت لي تجارب رائعة وفرص ودورات في الخارج وحضور ندوات ومؤتمرات لم تتم لي عندما كنت في الأخبار ذهبت في دورات على حساب الأمم المتحدة إلى كل من ماليزيا، الصين، سنغافورة، مصر، ولبنان، وجامعة جون هوبكنز الأمريكية. كما أتيحت لي الفرصة لتقديم العديد من البرامج منها على سبيل المثال برنامج صور من الأردن يتحدث عن القرى الأردنية وما تضمه من تراث وفنون وعادات وتقاليد وآثار صورت أكثر من ٥٠ حلقة وكانت فعلا تجربة رائعة لي طفت خلالها على جميع القرى الأردنية.

بعدها عدت إلى دائرة  البرامج وكان مديرها آنذاك المرحوم الأستاذ محمد أمين الذي تلقيت منه كل دعم وكلفني بتصوير برنامج سماه هو دليل المستهلك وأعطاني فكرة عن محتوى هذا البرنامج لكني كنت خائفا من هذا النوع من البرامج لأنها كانت جديدة علي وصورت أول حلقة من هذا البرنامج وبعد بثها لاقت نجاحا جيدا مما شجعني على طرق مواضيع جديدة تهم المستهلك وكنت أثناء عملي أتعرض لضغوطات كثيرة من المخالفين للشروط الصحية في المخابز والمطاعم والمحلات التجارية والمستشفيات والصيدليات ومحلات العطارة والعصائر ومصانع الأغذية وأخيرا تم تكليف  إخوة من الأمن العام ومراقبي الصحة والأمانة والغذاء والدواء لمرافقتي وكنا فريق مؤلف من أكثر من عشرة أشخاص، ولاقى هذا البرنامج شعبية واسعة جدا وكان محبوبا من الجميع إلا من المخالفين الذين كانوا يعلنون  صراحة عدم ترحيبهم بي أثناء التصوير عندهم وفي إحدى المرات تم توقيف برنامجي ومنع دخولي الى التلفزيون لأجل خاطر أحد المتنفذين لكن تدخل وزير الإعلام آنذاك واعادني إلى التلفزيون بعد توقف دام أسبوعين واستمريت بعدها بتقديم هذا البرنامج إلى أن أحلت إلى التقاعد. أيضا قبل تقاعدي كلفت ببرنامج وطن وسياحة كان من إعداد الزميل المرحوم غازي دميثان المجالي وإخراج الزميل عارف سطام الفايز كان البرنامج يركز على التعريف بالمواقع السياحية والأثرية في الأردن وصور البرنامج في عدة محافظات أجملها  كانت في العقبة والبتراء وكان البرنامج يذاع على الهواء مباشرة. أيضا كان يتم تكليفي أثناء شهر رمضان بتصوير برنامج سهرات رمضانية كان معي الزميل المخرج مرعي الشعار صورنا حلقات مع بعض سفارات الدول الإسلامية مثل باكستان وماليزيا بالإضافة لسهرات مع عائلات أردنية. بعد ذلك طلب مني تصوير برنامج ديرتنا وكان يهدف إلى التعريف بالقرى الأردنية وكان يرافقني الزميل المخرج ناصر الزعبي.

صورنا أكثر من ستين حلقه ولاقى البرنامج شعبية جيدة. كان آخر أعمالي في التلفزيون الأردني برنامج المتميزون و صورت أكثر من ٦٠ حلقة وهو برنامج كان مدفوع الأجر من قبل المصانع والشركات التي  كنا نصور فيها. تقاعدت من المؤسسة عام ٢٠٠٧ لكنني استمريت بالعمل بنظام المكافئة حتى عام ٢٠١٦ بعدها غادرت التلفزيون  نهائيا هذه المؤسسة التي أحب وأكن لها ولكل الزملاء الذين عملوا فيها سابقا ولاحقا كل تقدير واحترام لها ذكريات جميلة في نفسي لن أنساها ما حييت.

العمل في الإذاعة الأردنية:

أما عملي في الإذاعه فقد كان  على نظام المكافئة وكانت البدايات في عام ١٩٧٦ كانت وقتها الإذاعة مستقلة عن التلفزيون وكان مديرها آنذاك معالي الأستاذ نصوح المجالي أبو ذاكر الذي لاقيت منه كل ترحيب ودعم وتم تعييني في قسم الأخبار كوني كنت أعمل في أخبار التلفزيون.

 وفي دائرة البرامج  الإخبارية التي كان يرأسها المرحوم سليمان خير الله وكلفني بمشاركة الزملاء السيده مريم الدجاني، والزملاء سهيل خوري، ومحمد الشريف، ومحمد نويران، والمرحوم محمود الفاعوري.

جميعهم لقيت منهم كل محبة وترحيب خاصة الزميلة مريم الدجاني أم هاشم وكان لنا برنامج مسائي يومي اسمه جريدة المساء وهو برنامج إخباري محلي يومي بمساعدة المندوبين في ألوية ومحافظات المملكة. أيضا تم تكليفي بتقديم برنامج إذاعي اسمه وجهة نظر كل حلقة تتحدث عن مواضيع الساعة وكان البرنامج يذاع على الهواء مباشرة وكذلك قدمت برامج أخرى على الهواء منها برنامج قريتنا الذي كنت أذيعه سابقا على شاشة التلفزيون. وهنا لابد أن أشير إلى التعاون البناء الذي وجدته من الزملاء في بداية عملي في الإذاعة منهم الزميل العزيز شاكر حداد الذي كان له الفضل علي بأن دربني على قراءة نشرة الأخبار وأبقى معه في الاستوديو طيلة النشرة سمح لي بعد فترة التدريب أن أكون مسير فترة إذاعية فقط أقول هنا عمان إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، أو تستمعون الآن لبرنامج أو أغنية كذا، وبقيت فترة طويلة على هذا الحال إلى أن كلفت بالبرامج التي ذكرتها سابقا. وكان معي من الزملاء المرحومين جبر حجات، وسحوم المومني.

العمل في كوريا :

أما عن قصة عملي في إذاعة كوريا الجنوبية فيعود الفضل  فيها إلى الصديق العزيز الأستاذ هاني فراج الذي كان رئيسا لشؤون الموظفين وكان يعلم أني أعمل مذيعا في الإذاعه وطلب مني مقابلة مديرعام التلفزيون  الأردني المرحوم محمد كمال وأعلمني أنه تم ترشيحي للعمل في إذاعة كوريا الجنوبية وكم كنت سعيدا بهذا الخبر

وحقيقة وجدت كل الاهتمام والرعاية من السيد هاني فراج والسيد محمد كمال مدير التلفزيون  السابق رحمه الله وتم تجهيز أوراق السفر وتعبئة الطلب باللغة الانجليزية من قبل الأستاذ إبراهيم شاه زاده الذي كان يعمل وقتها مديرا لدائرة التبادل الإخباري لأن لغتي الانجليزية وقتها كانت ضعيفة وهذه لها قصة عندما وصلت لعملي في كوريا الجنوبية كانت الرحلة لكوريا الجنوبية  أول مرة عام ١٩٧٨ طلب مني بناء على العقد الموقع معهم أن أقوم بعمل ترجمة وتحرير الأخبار وترجمة التعليق وترجمة البرامج الأخرى التي كانت تبث على الموجة القصيرة الموجهة لدول الشرق الأوسط. الإذاعة الكوريةkbs  تتألف من تسعة أقسام تبث برامجها بتسعة لغات إلى مختلف دول العالم وكان وقتها اهتمام كوري كبير بدول الشرق الأوسط خاصة الدول  البترولية لأنها كانت تسعى لإيجاد مشاريع لها في هذه الدول وهذا ما حصل لاحقا. وطلب مني في القسم العربي تدريب الموظفين الجدد للعمل في العديد من البرامج وهذا ماتم فعلا. واجهت صعوبات في بداية عملي لكننها ذللت بفعل تعاون مدير عام الإذاعة الكورية معي وسارت الأمور على مايرام إلى  أن طلبت مني بعض الجامعات الكورية مثل: جامعة هانكوك للغات الأجنبية  وجامعة ميونجيه الكورية وكذلك جمعية الصداقة العربية الكورية أن أدرس اللغة العربية لطلبتها خاصة في الفترة المسائية لأنني نهارا كنت مشغولا في الإذاعة بعدها وافق مدير القسم  الدولي على أن أعمل مدرسا للغة العربية في  هذه الجامعات وكانت فرصة رائعة جدا لي إضافة للرواتب الجيدة التي  كنت أتقاضاها من الإذاعة مبلغ لم أكن أحلم به طيلة حياتي إضافة إلى  البرامج الوثائقية التي كنت أعلق عليها وأتقاضى عنها أيضا مبالغ  خيالية  مقارنة براتبي الضعيف في التلفزيون الذي  لم يتجاوز ١٦٠ دينار. في إذاعة كوريا كلفت  بإجراء مقابلات مع العديد من الضيوف  العرب من بينهم وزراء وسفراء كانوا يحضرون لكوريا من أجل المشاركة في مؤتمرات وفعاليات أخرى.  بعد مرور سنتين عدت للأردن وطلبت مني إذاعة كوريا مذيعا أردنيا

يحل مكاني وتم ترشيح الزميل جمال ريان من التلفزيون وعمل عندهم سنتين عاد بعدها للأردن وذهبت مرة أخرى مكانه وبقيت هناك سنتين ثم عدت للأردن جاء بعدي زميل من القاهرة وأخيرا عدت للمرة الثالثة إلى كوريا في عام  ١٩٩٢ وبقيت فيها حتى نهاية عام ١٩٩٤ وكان هذا عاما حزينا بالنسبة لي لأني فقدت والدتي ولم أستطع مشاهدتها قبل وفاتها بسبب وجودي في الغربة وتأخر إخوتي بإبلاغي بوفاتها ودفعت ثمن الغربة غاليا بفقد والدتي دون أن ألقي  النظرة الأخيرة عليها عندها قررت عدم الاغتراب عن الوطن نهائيا.

هذه باختصار حكاية السنوات الأربعين التي عملت خلالها في مؤسستي التي  أحب الإذاعة والتلفزيون والتي ستبقى ذكراها في قلبي للأبد وأكن لجميع منتسبيها كل الحب والاحترام

في بلاط جلالة السلطان:

عملي في ديوان البلاط السلطاني في سلطنة عمان عام ١٩٨٥

عملت هناك مستشارا إعلاميا وأيضا معدا للبرامج في تلفزيون عمان وانتدابي للعمل في عمان كان أيضا بفضل الأستاذ العزيز ابو سليمان هاني فراج  الذي رشحني لهذه المهمة.

كان عملي منصبا على إعداد برامج خاصة بالإعداد لمؤتمر القمة الذي كان سيعقد في العاصمة العمانية مسقط

وكذلك كلفت بكتابة نصوص درامية يقوم بأدائها عدد من الفنانين العمانين مثل فخريه خميس وأسماء أخرى غابت عن ذاكرتي إضافة إلى كتابة نصوص درامية للإذاعة أيضا يؤديها فنانون عمانيون وكانت جميعها تهدف إلى التوعية والتثقيف بالشؤون البيئية والصحية وذلك للحفاظ على نظافة العاصمة التي ستستقبل وفود الدول العربية المشاركة في مؤتمر القمة. كان يشاركني من الزملاء في الإخراج الزميل محمد الطراونه الذي عمل لفترة طويلة في التلفزيوني العماني وكان يساعدني في كتابة النصوص وفي صياغة اللهجة العمانية كونه أقدم مني في السلطنة أيضا من الزملاء الذين عاصرتهم هناك السيد عمر عبدالرحيم مصور والسيد خالد مساد مصور والسيد منذر الشوا. قدمت أيضا في الإذاعة العمانية برنامج البلدية والمواطن في خدمة المجتمع وكان وجودي في سلطنة عمان فرصه جميلة للتعرف على هذا البلد الطيب وشعبه الكريم لكن لظروف خاصة بي لم أجدد عقدي معهم فقط سنة واحدة عدت بعدها لعملي في التلفزيون الأردني.

لا يزال عبدالوهاب الطراونه ينبض بالعطاء ويقدم خلاصة تجاربه للاجيال الجديدة من خلال مشاركتهم اياها عبر وسائل التواصل الاجتماعي واللقاءات الاجتماعية المختلفة ويشعر بالاسى لتقاعده وهو ما زال قادرا على تقديم المزيد ،فالاعلامي لا يتقاعد، تماما مثل الكاتب والمفكر واصحاب الرأي.

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “من زاوية أنثى”: آثام الذنوب في الحب والطموح.

(ثقافات) ميسّر السردية في سيرة مدينة –عمان في الأربعينات – يقول عبدالرحمن منيف ” هذا …

تعليق واحد

  1. عامر الصمادي

    شكرا لجهودكم الكبيرة وحسن اختياراتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *