الرئيسية / إضاءات / بطاقة حب إلى عمان في مئويتها الأولى

بطاقة حب إلى عمان في مئويتها الأولى

بطاقة حب إلى عمان في مئويتها الأولى

بطاقة عتب !!

بطاقة خوف؟!

* سهام ملكاوي

أما البطاقة فإنها تحررنا من إسار البحث المنطقي والعلاقات المرتبة، وتمنحنا فسحة من الانطلاق في تداع حر، يطل على دواخلنا تاركا للحب أن ينساب بتلقائيته وعنفوانه، بشروطه التي لا تقبل شروطا أو معايير مصممة مسبقا…..

البطاقة تقبل منا انثيالات الحنين بفوضوية تعرض قضاياها بتراقص نوستالجي لا يأبه كثيرا لمقدمات البحث ورصانتها المملة المكررة!!

وأما العتب فهو صنو الحب، قرينه الذي يرافق تداعياته، محطما جمالياتها حينا، وداعما رونقها، ممسكا بتلابيبها خشية عليها أحيانا…

أما الخوف على عمان، فله قصة أخرى تنسحب إلى معالم الطفولة الأولى، حين تشكل تجاذبات الكبار وحكاياتهم مصادر قلق للصغار تعبر دون وعي منهم، بحيث تحفر أحاديث التسلية أخاديد ضمائرهم الغضة…..!

و تبدأ قصة الخوف عندي برواية ـــــ أسطورة، سمعتها كثيرا من أمي ومن غيرها، تقول أنه وجد في عمان، على بوابة أو سور أو جدار، نقش كتابة مفادها أن عمان مدينة عظيمة عبر التاريخ، لكنه كتب عليها أن تهدم سبع مرات،حين تبلغ أوج عظمتها في كل مرة. و تقول الحكاية أن هذه النبوءة قد تحققت ست مرات، حين حققت المدينة أزهى عصورها، فتم دمارها بالوباء والحرب والزلزال حينا، وبالحريق والغرق والطوفان أحيانا، وهكذا فإن عمان الحديثة لا بد أن تتلاشى مرة أخرى، لتكتمل النبوءة….! كم أرقتني تلك الحكاية وأنا صغيرة وأثارت لدي فضول البحث عن أصولها وأنا كبيرة. و لم يوصلني البحث إلا إلى أصول حكاية مشابهة تروى عن مدينة بيروت….!

وكلما كبرت أنا عاما، تكبر معي عمان أعواما…! وكلما كبرت تكبر معي تلك المخاوف التي جسدت الأسطورة بصور شتى ومناحي عديدة وإشكالات ودلالات لا تنتهي مفتوحة على كل الاحتمالات….!

كنت دائما أحس أن عمان أنا… وأنا عمان، كلانا تنتسب إلى أصل عروبي عريق، كلانا تمتلئ بطموحات تجاور القمر، وكلانا تحاط بحدود تقد الحجر….! كلانا تنثر الحب والرضا… وكلانا تحصد الجحود والنكران….!

تنتابني أحيانا مشاعر ذنب مؤرقة، تجاه ما كنته/ كناه من جحود ونكران تجاه المكان وتجاه ذواتنا المستلبة، إذ كنا نحتكم بكل ما حولنا إلى معايير غريبة، نقرأ بعيون غريبة، نتناقش بفلسفات غريبة، نتبادل التحية والسلام بألفاظ غريبة، بل كنا نعيش إشكالات وقضايا غريبة نفتعل وجودها دون أن نعيها، نغلغلها في أعماقنا قسرا ودون مبررات منطقية، لمجرد أنها صرعات سائدة في عالم المثل الغريب عنا، المهيمن على دواخلنا…!

وحتى عندما كنا ننتشي بتلك النسمات الصيفية الرطبة، أثناء سيرنا عبر طرقات جبل اللويبدة الأليفة، بياسمينها البلدي وأشجار اللوز والمشمش والصنوبر البري والزنابق والورود، تمتلئ نفوسنا بجمال أخاذ، لم يكن يفسده سوى جحودنا المغرور حين نردد أن مكانا بهذه الروعة يضيق خناقنا، وأن تلك الآفاق المتقاربة تقتل طموحنا وتصد بصرنا الراني إلى أبعد من البعيد…!

جبل اللويبدة المشمشي اللون، الذي لا أدري لم كنت أراه بلون مشمشي بارد؟! ربما كان السبب هو انعكاس الأشعة الذهبية قبيل الغروب وبعده عن المباني ذات الحجارة البيضاء بحيث ينشأ عن التفاعل بين اللونين الذهبي والأبيض ما يوحي أنه مشمشي هادئ …! ذاك الجبل كان بمثابة عمان كلها بل بمثابة وطن كامل. فيه يختزل حراك المدينة ونزوعها الآتي نحو الجنون، نحو الطفرة التي خلخلت كيانها وحولته إلى مسار آخر. ومع أن جبل عمان مثل دائما جانب المدينة البرجوازي، إلا أنه لم يكن ينافس اللويبدة بتلك الخصوصية التي تجمع بين البساطة والرقي، بين الأبهة والتواضع، بل بين الناس بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والمادية. كان بجدارة جبل الثقافة والناس، الذين بنوه بحكمتهم الفطرية، ألا تبنى المدن بحكمة الشعوب بحسب ( برخت ) ؟؟!

مدن اليوم تبنى بحكمة المصالح، بحكمة البورصات، و حكمة المال الآتي من كل صوب، فأين هي الحكمة؟؟؟!

وتأخذنا التداعيات إلى تلك الأيام بدايات السبعينات من القرن الماضي حين كنا وجيلي قد تخطينا للتو عتبة المراهقة، وبدا لنا أننا أصحاب قرار، وشعرنا حينها أننا امتلكنا ثقافة العصر، كانت الصرعات الفلسفية والأدبية فرنسية الهوية والنكهة، خاصة بتأثيرات الوجوديين في الشعر والرواية والفلسفة وسائر أشكال التعبير الثقافي. لذلك كان محجنا آنذاك المركز الثقافي الفرنسي المحاذي لمنطقة الحاووز التي كانت تشكل مركزا ثقافيا وتجاريا راقيا للجبل، حاووز الماء…ألا تشكل مصادر المياه، شرايين الحياة، مراكز للاستقرار والسكن؟؟!

وتأخذنا التداعيات إلى رمضان تلك الأيام في أيلول أو تشرين حين تبدأ أوراق الشجر بالاحمرار تعلن إرهاصات الخريف، كنا نؤدي الحد الأدنى من طقوس العبادة ونقرأ في وصف الجنة ” لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا” ، كم شعرنا أن طقس عمان الخريفي يشبه وصف الجنة في بعض أيام الخريف تلك…! خاصة قبيل الغروب حين يسود الصمت وتبدأ الشوارع تودع الناس في البيوت، توحدهم لساعات، تسود الجبل و سائر المدينة، طاقة إيجابية من نوع خاص، تفاعل بين الطقس والصمت والطقس الروحي، ما يشكل حالة شعورية تند عن الوصف…!

وما أن ينتهي رمضان وطقوس العيد، حتى يبدأ الطقس الأهم آنذاك ( الكريسماس ) واحتفالات رأس السنة، بحيث يتم التماهي التام مع الغرب، وتشكل الاحتفالات نسخة حرفية لما يتم هناك. وعلى الرغم من أن طقس كانون الأول كان يمثل حالة خاصة من تداخل الخريف بالشتاء، الدفء وسكون الريح وغياب الشمس وحتى دفء المساءات الهادئة، إلا أن الناس كانوا مأخوذين بما يجري هناك…!. قالت لي إحدى الصديقات المسيحيات، ذات رأس سنة صدف فيها هطول الثلج، أن هذه السنة تمثل عيد ميلاد حقيقي…! نسيت صديقتي أن عيد الميلاد الحقيقي ابتدأ هنا وليس هناك…!!!

ما استفزني لاستعادة عمان الذاكرة وعمان الشخصية، هو ما أسمعه هنا وهناك من تعليقات وتصنيفات تظلم المدينة وناسها، معماري عربي مرموق، ربما لم يزر عمان يوما أو ربما مر بها مرورا عابرا، يقرر أنها مجرد فقاعة نفختها الهجرات، مدينة بلا تاريخ ولا هوية…!! أليس جهل العالم أشد وطأ وأثقل وقعا؟؟؟! ويقول مفكر معروف نحترم مساره، أن عمان مجرد ممر وليست دار مقر..! يا أيها العالم بأخبار الحكام والسلاطين، أنت جاهل بأخبار المدن وناسها، ففي اللغة أن من معاني (عمن) أقام واستقر وطاب له المقام…..! واسأل أهل عمان الطيبين الآتين من كل صوب، كيف هو المقام في عمان؟؟!

وما استفزني أيضا تعليقات المعماريات الصغيرات من بنات عمان، أن عمان مجرد أكوام من الحجارة البيضاء المتناثرة بفوضى معمارية لا تشكل شخصية أو نمطا ثقافيا مميزا، نحن لا نعرف سوى غرب عمان، خاصة منطقة الكمالية…!

أما منطقة الكمالية فلها معي قصة، كتبتها الصدفة التي ترافقت مع عشقي الخاص للهدوء والطبيعة البكر، وهو ما كان يميز المنطقة التي حبتها الطبيعة ما لا يوصف من جمال بكر، غابات من أشجار السرو والبلوط والصنوبر البري والحور وكل ما يريح العين والرئة…!

لقد سكنت هذه المنطقة قبل أن تطالها يد التطوير والاستثمار، متحملة عناء الانتقال من مسافات غاية في البعد عن مركز المدينة آنذاك، في النصف الثاني من السبعينات، حين أسست بيتي الخاص تاركة بيت الأهل في جبل اللويبدة. هل يمكن استبدال اللويبدة بأي مكان؟؟؟!

ثم أتى التطوير والاستثمار ليقتلع آلاف الأشجار ويحول المنطقة إلى ما يشبه صحراء، تم تحويلها إلى ما يشبه مدينة…! هل نلوم المعماريات الصغيرات؟ هذا ما بصرته أعينهن الغضة…!! أليست هذه هي حالة عمان في كل بقاعها شرقا وغربا؟؟

قد يطول بنا التداعي فيأخذنا إلى مسافات بعيدة لا تتسع لها هذه الورقة. لكنني أتخيل عمان التي أحب، لو لم يقطنها الشركسي ولأرمني ولو لم تكن عاصمة، ولو لم يؤمها المهاجرون من كل صوب، أتخيلها مدينة جميلة يخترقها نهر دمع ينهمر من عينها، يسير، تحفه الغابات والأزهار، تؤمه الطيور المهاجرة تشرب مياهه التي تعرف طريقها ملاقية سيل الزرقاء النظيف، الذي لا تلوثه مياه المجاري ولا مخلفات المصانع ولا عبث العابثين…!! أحلام يقظة!! أعرف ذلك تماما، لكن البطاقات كما، الأعياد تمنحنا فرصة الحلم…! بالإضافة إلى منطق تكون المدن؟ ألم يخبرنا (جمال حمدان) طيب الله ثراه أن ما يحدد شخصية المكان هو ذاك التفاعل بين الموقع والموضع؟؟ هل هناك مجال لمثل هذا التفاعل أكثر من عمان؟؟

هي تداعيات حرة…! جلسة علاج نفسي على طريقة التحليليين، مبعثها الأول الحنين ومبعثها الثاني تلك المؤتمرات والتعليقات والأفكار والتحليلات والآراء، التي شكلتها دروس التربية الوطنية الفاشلة البائسة في مناهجنا التعليمية…! مجرد حولنا انبهارنا بالتنوير الفرنسي إلى انبهار جديد بالحذاء الرياضي الأمريكي الضخم!! ونسينا أن نقول حتى (بنجور) باللغة الفرنسية!! فكيف الحال مع السلام العربي؟!

أتوقف هنا على غير رغبة مني، إذ أن هناك عشرات التداعيات والصور والأفكار تتزاحم لتجعل من هذه الورقة ما يشبه عرض الأكروبات، لكنني أختار أن أتوقف هنا مع أمنيات:

لك يا عمان مني كل الحب

لك أمنيات خالصة بأن يتمتع أبناؤك بمناهج تعليمية أرقى، و بدروس تربية وطنية تشبه تلك التي طبقها (محمد علي) في مصر، فجعل من أبنائها المستلبين من أبسط شروط الإنسانية، يسجدون لاسم القاهرة ،حتى لو لم يعرفوها أو مجرد مروا بها!! هي

لك منا أمنية في مئويتك الثانية التي لن نحضرها، أن تتمتعي بالعز والجاه، وأن يكون أحفادنا أكبر حظا بتقديمك للآخرين دون خوف…………قائلين:

” كذب المنجمون ولو صدقوا “

آمين

* عن مجلة تايكي

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “من زاوية أنثى”: آثام الذنوب في الحب والطموح.

(ثقافات) ميسّر السردية في سيرة مدينة –عمان في الأربعينات – يقول عبدالرحمن منيف ” هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *