الرئيسية / خبر رئيسي / ومضات البرق

ومضات البرق

ومضات البرق + منبر الريش

هدى أبو غنيمة


ومضات البرق

 

تدفقت السيدة بحديث ودي، مع زميلات وزملاء العمل في الشركة الجديدة التي عملت فيها، أثناء حفل تعارف بين موظفي أقسام الشركة ومديريها الجدد.

لم تعبأ كثيرا في الاجتماعات المتتالية بومضات البرق المنبعثة من أعماقها، التي تهيب بها ألّا تسترسل في التعبير عن أ فكارها المتجددة لغزارة مطالعاتها الثقافية المعرفية، بل تصغي إلى الآخرين أكثر من الاسترسال في الحديث، فمهارات التلقي عند الآخرين ليست متجانسة، والتحلي بصفاء السريرة ليس صفة مستحبة دوما في مجتمعات الأقنعة، وميادين التنافس في المجتمعات الحديثة، التي أذهلتنا فيها التحولات القيمية في نفوس الناس.

بعد خبرات مضنية في التعامل والتواصل مع الآخرين، وملاحظتها لمن يسرق أفكارها وبعض جهودها من الزملاء أو الزميلات وبعض المديرين المباشرين ونسبتها إلى أنفسهم، بدأت تكبح جماح تدفقها في الحديث وحماستها في التعبير عن ذاتها ومشاريعها.

وفي لحظات تساوي عمرا، أصبحت أكثر استجابة لإشارات حدسها لتصغي إلى الآخرين أكثر من الاسترسال في الحديث، وتمعن النظر في وجوه الآخرين المتحدثين بوعي يتيح لها اكتشاف ما وراء الأقنعة التي التصقت بوجوههم.

بعضهم يتفاخر مغرورا مستعرضا إنجازاته، ومخفيا بصلافته خيبات خلفت ندوبا في نفسه. وبعضهم الآخر يتظاهر بمحبة الآخرين ونزاهته في دعم إنجازاتهم، وأقنعة القسمات تشبه كثبان رمل في صحراء جرداء.

حينما أتيحت لها إجازة قصيرة واختلت بنفسها واسترجعت ما مرت به من خبرات ومواقف أقلقتها، تحسست وجهها وهي تحدق في المرآة لتكتشف أنها اكتسبت قناعا جديدا.

= = =

منبر الريش

 

تنادى المؤتمرون لاجتماع يأتلف فيه المختلفون لمراجعة السلبيات من أجل تحقيق وحدة العمل الوطني لتضييق الفجوات التي تعيق الارتقاء بالوطن.

لم يتح المجلس للحاضرين مسافة حرية في الحركة. وكلما تحرك أحدهم اصطدمت يده أو قدمه بالآخر الجالس بجانبه، أو كاد رأسه يصطدم بالمقعد الذي أمامه أو برأس الجالس أمامه. لكن الفجوات الفكرية والوجدانية بين معظم الحضور بدت أكثر اتساعا من المكان الذي جمعهم.

لم يكن أحد منهم معنيا باستيعاب ما يقوله المتحدثون على المنبر بقدر ما كان ينتظر دوره ليعتلي المنبر، منشغلا بتلقي ما يريد حسب إطاره المعرفي، وطموحاته في إبراز موهبته في الخطابة.

ضقت ذرعا بالجو الخانق في القاعة، ففتحت النافذة التي بجانبي، ورحت أراقب سربا من النمل يخرج من شقوق النافذة ويسير على أطراف النافذة بانضباط، وكأنها تحمل قوتا إلى وجهة ما. وكلما تعثرت إحداهن، تلقت مساعدة من مرافقاتها.

أمتعني المشهد وأنعشتني نسمات منعشة والشمس تتهيأ للمغيب، لتشرق على عالم آخر من الأرض التي نعيش عليها، وبضعة عصافير تطير لتأوي إلى أعشاشها في الشجر المزروع على الأرض المجاورة للمجلس.

حينما عدت لمتابعة الحديث لم أر إلا عددا قليلا من الحضور وعرف ديك وريش على المنبر والمقاعد، وغمامة ريش تحجب أضواء القاعة وتحط رويدا رويدا على المقاعد.

خرجت مسرعة إلى الحديقة المجاورة للمبنى وأنا أنفض عن رأسي وكتفي ما علق بهما من الريش المتناثر، وأصوات بعض من بقي في القاعة تطرق سمعي وهم ينشدون في نهاية الاجتماع موطني موطني.

  • ناقدة وأديبة من الأردن
  • * عن مجلة عود الند مع الشكر

شاهد أيضاً

قراءة في لوحة “آكلوا البطاطا” لفان كوخ

آكلو البطاطا فينسنت فان كوخ، 1885 هشام روحانا – الكرمل أنهى فينسنت فان كوخ الرسام …

2 تعليقان

  1. الموضوع نشر في مجلة “عود الند” الثقافية، وأرسل على أساس النشر الحصري فيها. لا للنسخ واللصق.

    • السادة مجلة عود الند الثقافية
      أشرنا إلى أننا نقلنا المادة عنكم مشكورين، وموقع ثقافات يعتمد على ما يصله من مواد مباشرة أو ينقل عن بعض الصحف والمجلات الثقافية مع الإشارة إليها، ربما هذه أول مرة ننقل فيها مادة عنكم، ونأسف لذلك فإن رغبتم قمنا بشطب المادة علما بأننا في سبيل التعاون معكم نسمح لكم بالنقل من موقعنا أيضا للموادة الحصرية مع الاشارة إليه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *