الرئيسية / خبر رئيسي / روح في غيمة

روح في غيمة

( ثقافات )

* ظبية خميس

السحب بيضاء

هادئة هذه الظهيرة.

كانت مثقلة بالغيوم لأيام.

الهدوء رقيق

البحر على مرمى قدم

المطاعم و المقاهي

و الفنادق.

و المستشفى.

تنام على سريرها

في غرفة المستشفى

الأنابيب مربوطة بجسدها

خرطوم التنفس و جهازه

أنبوب الغذاء

أنبوب الواء

أنبوب التخلص من السوائل.

ترقد تحت التخدير

لإسبوعين و هي مخدرة

و لا تزال.

لا تفتح عينيها

لا يسمح لها ببلع ريقها

الأجهزة تراقبها

و الأرقام تخبرنا عن حالها.

كأنها سحابة

بين الحياة و الموت.

لا شيء ينبيء عن إنسانها

كانت هناك دموع في الأسبوع الأول,

و لم تعد.

لعلها جفت هي,أيضا.

نذهب و نعود

نراقبها

ننظر إليها

نتفقد جسدها

نسأل الممرضات و الأطباء.

نذهب و نعود

في الصباح و المساء.

يمر ليسأل عنها بعض الأصدقاء

و الأقباء.

بعضهم تبتل عيونه بالدموع

و البعض تأخذه الرجفة

و البعض يجلس و يقرأ لها

و يدعو الله

و يراقب

ثم يمضي.

بيتها هناك,حزين.

بحديقتها و ورودها التي زرعتها

قبيل توقف أنفاسها.

قبيل توقف القلب الذي أسعفوه.

قططها في البيت تروح و تجيء

تموء بحثا عن لمسة اليد الحانية.

خادمتها تمضي في تنظيف البيت

و إطعام القطط

وإخراج طعام لقطط الحديقة,

أيضا.

سائقها يذهب و يجيء

يؤدي عمله.

زوجها يذهب و يجيء

بقلق لا يتوقف.

و أنا أرقبها

و أرتب حياة كاملة مرت.

أجلس في غرفتي في بيتها

أمنح القطط بعض الحنان

أقلب كتبي

و الإنترنت.

أشعر بثقل همي

و حزني عليها.

في المستشفى أنظر إلى وجهها

و بقع الدم الداكنة

في جسدها.

أرقب أنفاسها,

إأتفقدها.

جسدها هنا, و هي ليست هنا.

إأفكر في حياة أختي

أعود بذاكرتي للطفولة

لصباها

لحيرتها و عذاباتها و أحلامها.

طيبة.

الكل يقول أنها طيبة.

متى فقدت أختي الرغبة في حياتها

و هي التي أضناها الذهاب

إلى الأطباء,

لعشرة أعوام كاملة.

و القلب ذلك المنكسر

و الذي حاولت علاجه

لماذا يخذلها في الحلم و الحقيقة.

تركت نفسها للمرض

كأنها هجرت جسدها

و هي فيه,

هجرت أحلامها,

هجرت نفسها.

الدخان و الطعام و القطط

ملاذها الذي لم تتخلى عنه.

رغم تحذير الأطباء

و عملية القلب

و تعب الرئة

و إنقطاع النفس

أصرت على الدخان

حتى و هي في فراش المرض.

لم تكن سعيدة

لم تكن تعيسة أيضا .

الإكتئاب الذي يذهب

و يعود.

الحزن الذي يذهب

و يعود.

شعور الوحدة القاسي

الذي رافقها,دائما.

شيء ما لم يملأ تلك الوحدة

لا الزواج

و لا الأهل

و لا الصديقات

و لا الحديقة

و لا القطط

و لا المستشفيات.

وحدة خاصة بها.

جدار تعزل به ما بداخلها

عميقا في بئر وحدتها.

أشرب القهوة

أجلس تحت السماء

و الغيوم البضاء و الشمس

في الهواء الطلق.

أفكر بها

في حياتها

في مرضها

في كل ذلك الفقد

الذي لم تجد له بديلا

حتى في ذاتها.

أحبك أختي.

* شاعرة من الإمارات

شاهد أيضاً

(في الحي الذي لا يموت) للشاعرة رانة نزال PDF

( ثقافات ) يسر موقع “ثقافات ” نشر الديوان الشعري الكامل “في الحي الذي لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *