الرئيسية / خبر رئيسي / رواية “جحافل الجحيم”: أدب الصمود

رواية “جحافل الجحيم”: أدب الصمود

جحافل الجحيم.. ألآمات الأسرى

بقلم: زياد جيوسي

   “جحافل الجحيم” عنوان لرواية للكاتبة رنين عمار ضراغمة صادرة عن دار “ببلومانيا” للنشر والتوزيع في جمهورية مصر العربية، وهي الرواية الثالثة للكاتبة إضافة لمجموعة قصصية رغم ان الكاتبة مواليد 1991، وقد وصلتني الرواية من خلال الشاعرة والكاتبة والاعلامية قمر عبد الرحمن والمهتمة بابداعات الأسرى سواء من كانوا بمعتقلات الاحتلال أو خرجوا منها، وبما اصطلح على تسميته أدب السجون والذي أسميه أدب الصمود، ولديها برنامج وتر النصر المتخصص بذلك، وقد قدمت الكاتبة للرواية بالحديث من خلال عشر فقرات عن ضرورة المعرفة باعتبارها الطريق للنور والنضج الفكري والعقلي وسبيل التغيير في المجتمعات انهتها بالقول: ” إن دروب المثقفين والأدباء لا يمكن أن تتكلل بالنجاح دون أن يكون وطنهم عنوان حروفهم والقضية الأسمى في أمانيهم المشتعلة بالحب والأمل”، وعبر ثمانية فصول عنونتها تحت عنوان: قواعد لعبة الشر الأعظم في فصول” بدأت روايتها، والمزينة بغلاف يصور يد خفية تحرك شخص بخيوط داخل زنزانة من الجحيم مع رمزية لطائر بألوان العلم الفلسطيني مما يعطي فكرة مسبقة عن الرواية من خلال الإسم ولوحة الغلاف.

  فكرة الرواية بمحاورها ليست جديدة، فمعظم الروايات التي قرأتها لأسرى وأسرى سابقين وكتاب مهتمين قائمة على محاور المشاعر والصمود والنضال والتعذيب والخيانة من العملاء، ولكن الاختلاف بروح الكاتب والأسلوب، وهذ الرواية قامت فكرتها على مجموعة من الشباب من طلبة الجامعة يعملون على مقاومة الاحتلال ولكنهم مخترقون أمنيا من عميل خائن، فيروي حسام وهو المتحدث والراوي لمعظم فصول الرواية الحكايات والشخصية الرئيسة فيها، يتحدث عن التجربة النضالية وعن حجم التعذيب الذي تعرض له في التحقيق، ولكنه أيضا ورغم تجربته مع الخائن والعميل يقع في فخ “العصافير” وهم عملاء الاحتلال في الزنازين، وهو ابن لشهيد أقسم ان يثأر لوالده، فهو يتحدث عن تجارب اعتقاله لمرتين في السابق وهذه الثالثة بتهم تصنيع أسلحة محلية وقنابل، ورغم بساطة هذا السلاح الا انه يؤكد على: “أن الإرادة المرتبطة بالذكاء هي السلاح الأقوى في كل معركة في هذا العالم”، ومن هنا يبدأ برواية الرواية، رواية الأسير وايمانه بوطنه قبل الأسر وكيف خاض تجربته النضالية حتى وقع بالأسر من خلال شخص جنده الاحتلال للتجسس على المناضلين، ولكن هنا اشير ان من يتم تجنيدهم من الاحتلال يتم ذلك من خلال جهاز الشاباك “الأمن الداخلي” وليس الموساد “الأمن الخارجي”، حيث ان الكاتبة وقعت بالخطأ حين اشارت أن صديق حسام الذي اوقع به هو ضابط في الموساد ومرة اخرى انه مجند بالشاباك، ووصفت المتهم بالخيانة انه متفوق وذكي ويجيد أكثر من “عشر لغات” وهذا بتقديري مبالغة كبيرة لوصف طالب ما زال على مقاعد الدراسة في جامعة محلية ويخرج عن اطار خيال الكاتب، وفي نفس الوقت فالعميل لا يمنح رتبة عسكرية في اجهزة الأمن للاحتلال، فالرتب العسكرية للعسكريين فقط وليس للعملاء، وفي الفصل الاول يكون هناك حوار طويل بين الأصدقاء الثلاثة: حسام ذو التفكير والالتزام الاسلامي والايمان بحركة الجهاد الاسلامي وقادتها حيث يقول انه يؤمن بهذه الحركة وقادتها: “من الدكتور المعلم الشقاقي إلى القائد القدير رمضان شلح حتى زياد نخالة جميعهم يحملون فكرا اسلاميا نيرا متقدا بثوابت موحدة”، وعمر اليساري والمثقف والذي يتحدث عن الماسونية وسيطرتها كذراع للصهيونية على العالم، وكامل العبثي بسلوكه الظاهري، لكن هذه الحوارية بغض النظر عن المعلومات فيها أخرجت السرد الروائي عن أصوله وخاصة مع ذكر اسم المتحدث في بداية حديثه، وهذا تكرر أكثر من مرة في الفصل الأول وفي الفصل الثاني مع حسام في الزنزانة، وفي عدة فصول منها بشكل خاص الفصل السادس والأخير فتحول السرد الروائي الى حوارية وكأن الرواية معدة لحلقات اذاعية وليس لرواية، وفي الحديث عن الماسونية تحولت الرواية وكأنها محاضرات تدريسية وهذا يخالف أصول الفن الروائي أيضا، وإن كان في الجانب الآخر يدلل على حجم ثقافة كبير وقراءات واسعة للكاتبة.

   الثلاثة شكلوا نواة لخلايا عسكرية لمقاومة الاحتلال وهنا استغرب الفكرة، فالجهاد الاسلامي منظمة عقائدية اسلامية فكيف يكون عمر اليساري فيها وكامل الذي تظهر على سلوكه العبثية والعلاقات النسائية فيها ايضا رغم حجم التساؤلات الأمنية على سلوكه؟ لو لم تضع الكاتبة اسما للفصيل لكان ذلك أقوى، فالرواية عمل أدبي وليس منشور حزبي، ونلاحظ في الرواية ان حسام يعمل على قضية الثأر سواء لوالده الشهيد أو لزميلته في الجامعة مها حسين التي أحبها بصمت حين أصيبت واختطفها الاحتلال من المستشفى!! وهذا ايضا يثير نقطتين على الرواية، ان العمل الجهادي مقاومة للاحتلال وفكر عقائدي ولا يقوم على مبدأ الثأر، وإلا لثأر سيدنا محمد من هند قاتلة عمه حمزة أسد الاسلام والتي مثلت بجثمانه واستخرجت كبده ولاكته، وبالعكس قبل عليه السلام اسلامها وايمانها ولم يثأر منها ولم يعاديها، ويلاحظ انه فقط في الفصل الثالث جرى الاشارة لمها انها كانت عضو في الخلية الجهادية بينما في الفصلين الأول والثاني كانت الاشارة الى حسام وعمر وكامل فقط.

   في الفصل الثالث تبرز شخصية فاطمة كراوية ثانية في الرواية، وهي زوجة شهيد وابنة شهيد ووالدة طفل تكمل دراستها بعد استشهاد زوجها، وتنظم الى مجموعة حسام الجهادية، التي اصبحت مكونة من حسام وعمر وكامل ومها وفاطمة، والغريب ان الفتاتين الاختين مها وفاطمة لم يشر لهن بالسابق في كل اجتماعات الخلية الجهادية، وهي تروي حكايتها النضالية ومعاناتها مع والد زوجها والمشكوك انه عميل أيضا، وعن تجربة النساء في الأسر والمعتقلات، وتبرز مها لتروي حكايتها وظروفها وعشقها لحسام بصمت حتى اعتقالها، مع الاشارة انه في الفصول الاولى لم يكن هناك اية اشارة لذلك سوى اصطدام حسام بها بدون انتباه واعتذاره لها وانه احبها من تلك اللحظة، والاشارة الثانية لاصابتها بالمواجهات المعتادة مع الاحتلال واختطافها من المشفى وأسرها، وهذه القفزات الفجائية في الرواية ملفتة للنظر، وأيضا تعطينا الكاتبة عدة نماذج من الأسيرات من صغيرة السن والطالبة بالمدرسة حتى الأم العجوز، والأم التي تحرم من رضيعها، اضافة لشخوص أخرى مثل دعاء وسجى وهالة وألما

ولكن باستمرار كانت تبرز مفاجئات وأحيانا غير منطقية، فكيف ظهر فجأة لحسام طفلة اسمها شهد وهو طالب بالجامعة ومناضل سجن أكثر من مرة!! وأيضا خلال سرد مها لروايتها قالت انها التقت عمر بعد ان كان مختفيا لتنفيذه عملية عسكرية وبعد اعتقال فاطمة وحسام والذي حكم بالمؤبد، بينما في فصل سابق كانت مها قد اعتقلت بعد اصابتها بالمواجهات واختطفت من المشفى وكان حسام معها بالمشفى!! وفي حديث آخر انها كانت بالمشفى مع الطفل خالد ابن شقيقتها فاطمة الأسيرة، وفي حين لم يرد انه أفرج عنها حين اختطفت جريحة من المشفى إلا في آخر الرواية مما شكل قفزة غير طبيعية، علما ان حسام قبل اعتقاله كان يريد الانتقام لها بعملية عسكرية لم تتم، وفي نفس الوقت كيف أصبحت مها عضو في الخلية العسكرية حيث حين اصيبت واعتقلت لم يكن لها دور بذلك، وأيضا كامل صورته الكاتبة وكأنه ذو قدرات علمية وتجسسية غير طبيعية وغير معقولة بحيث انه يضع اجهزة تنصت على الهويات الشخصية والأوراق الخاصة لا ترى بالعين المجردة!! وأضافت انه سافر الى لبنان لتنفيذ عملية إغتيال بجواز سفر مزور، وهذه العمليات من تخصص الموساد ولا يلجأون لعميل فيها، وأيضا ان الدكتور سميح سافر الى غزة عن طريق مصر بجواز سفر مزور حين اصبح مطلوبا للاحتلال، وهنا السؤال كيف تمكن من السفر للأردن وهو المنفذ الوحيد إن كان مطلوبا ولا يمكنه السفر من نابلس الى عمَّان إلا بالهوية الفلسطينية أو جواز السفر الفلسطيني، وما احتياجه اصلا لجواز مزور للوصول الى غزة، وبعدها جرى اغتياله بقصف جوي من خلال تتبع الجهاز المخفي في هويته من العميل كامل!! بينما في فصل آخر يستشهد خلال استلامه أسلحة تبين أنها ملغمة، لتقفز الكاتبة بأسلوبها الى نمط آخر في الرواية هو أقرب للبوليسي، حين يكتشف حسام أن كامل معتقل ومحكوم مؤبد وأن الخائن هو عمر وأنه عاد الى عمله في تل ابيب كضابط في الموساد بعد انهاء مهمته، وهذا اعاد لذاكرتي قصة كوهين الجاسوس الاسرائيلي، وإن نجح كوهين بالتسلل الى سوريا باعتباره ابن لمهاجر سوري عاش ومات في امريكا الجنوبية وبأوراق مزورة، لكن هذا لا يمكن أن يتم في بقعة محصورة في فلسطين وكما نقول بأمثالنا: “حارتنا ضيقة ونعرف بعضنا مليح”، فيمكن للشاباك تجنيد عميل ولكن لا يمكنه ان يزرع أحد ضباطه في مجتمعنا وخاصة طالب في الجامعة ويرسله لتنفيذ عمليات اغتيال في الخارج أيضا ولديه مهمات التجسس على التنظيم، فالحبكة هنا لم تكن قوية وسادها الكثير من نقاط الضعف، فإن كان صهيوني فمستحيل ان يزرع في مجتمع صغير الكل يعرف الكل، وإن كان عميل فلن يكون لديه كل هذه القدرات والتدريب الاحترافي، والعميل حين ينكشف قد يتمكن من الهروب ليعيش في ظل دولة الاحتلال، لكن تكون أوراقه قد سقطت ولا يعود الجهاز الذي جنده مهتم به، وهناك عشرات الأمثلة لعملاء فروا حين انكشافهم وتحولوا الى عمال وعمال نظافة ليعيشوا بظروف بائسة، فحتى العدو لا يحترم العملاء ومن ينكشف يتركونه لمصيره،  لتعود الكاتبة لأسلوب الحوارات بين الاشخاص في الفصل السادس وما تلاه حول دور اليهود في العالم وعن الماسونية وطرقها للسيطرة على العالم، وعن الدين الاسلامي والإلحاد بعيدا عن مفهوم السرد في الرواية والتي كانت تنتهي باشتباك الايدي أحيانا.

   كانت نهاية الرواية غريبة جدا، فحسام يفرج عنه بصفقة تبادل، ويبحث عن مها التي أفرج عنها بالصفقة نفسها والتي ترفضه برسالة طويلة رغم انها فهمت انه ليس متزوجا وأن شهد بمقام ابنة لديه تربت بينهم لا غير، ولكن لفت نظري الفقرة التالية في نهاية الرواية تقريبا وبعد الرسالة التي تلقاها من مها والتي سأنهي حديثي عن الرواية بعدها والفقرة تقول حرفيا: ” انتهت الحفلة (حفلة تخرج مها من الجامعة) وذهبت في يأس محاولا محاولتي الأخيرة معها ورأسي يردد كلماتها في تلك الرسالة البائسة واليائسة لكني لم أفقد إيماني بأن الحب الصادق وجب أن لا يموت فهذا مهر الذي لا فرار منه في روح كل العشاق.. عرضت  الزواج بدون مقدمات ومبررات وتوسلات ، ففاجأتني  وقبلت أخيرا، لكن اشترطت عدم الزواج في الوقت الحالي لأن عليها بعض الأمور يجب أن تكملها ، وأيضا أرادت أن نبني منزلاً ونرتب أمرنا لم اعترض ، كانت فرحتي تعادل كل شيء في الدنيا عادت تدريجيا أيامنا الجميلة  ونما الحب شيئا فشيئاً  كما كان ، مر عام كامل وأخيرا حان موعد زفافنا كان ذلك اليوم أتعس يوم في حياتي حين دخلت قوات الاحتلال مقتحمة المكان وأعادت اعتقالي وعدت للسجن .. في كل مرة كانت تأتي لزيارتي كنت أصبرها،  وأقول لها أن الحرية ستأتي مرة أخرى كما أتت. مرت  ست  سنوات وهي ترفض أن ننفصل بطلب مني وتعيش حياتها ولا تنتظرني ..”، وهذا الحديث كان واضح أنه عن مها من خلال الفقرة السابقة، ليرسل حسام رسالة لزوجته بعد قوله: “بعثت برسالتي لفاطمة مهنئا إياها بولادة طفلينا مها وكامل”، فيقول: “عزيزتي فاطمة.. بعد التحية والأشواق الحمد لله على سلامتك ومبارك علينا طفلينا الملاكين مها وكامل”، فكيف فجأة انتهت حكاية مها وتزوج شقيقتها فاطمة، وأنجب منها توأم علم انه كان يتحدث عن لقائه بمها يوم تخرجها ولم يشر اطلاقا لأي عرض بالزواج من فاطمة التي تعرف ان حسام يحب مها شقيقتها وكان يبحث عنها وهي من أرشدته بأي جامعة تدرس، وايضا قال حسام في فقرة سابقة: “حان موعد زفافنا كان ذلك اليوم أتعس يوم في حياتي حين دخلت قوات الاحتلال مقتحمة المكان وأعادت اعتقالي وعدت للسجن”، فحسب الفقرة كان الاقتحام لمكان الزفاف بحيث يشير أن الزواج لم يكتمل بالعلاقة الزوجية.

   الرواية ركزت على جانبين هما: معاناة الأسرى وصمودهم والآمهم، فالأسير انسان ومن هنا جالت الرواية بالمعاناة الانسانية للأسرى بعيدا عن الأهل والأبناء ومن خلال الحلم بالحرية، المعاناة مع المرض وتفتيش الغرف والاهانات والنقل بـ”البوسطة” والاهمال الطبي والمعاناة بالمشافي الاحتلالية والعزل الانفرادي، وكل وسائل الضغط على الأسيرات والأسرى نفسيا وجسديا للاعتراف او التجنيد، بحيث شكلت كل حكاية لأسير قصة منفردة كان يمكن اصدارها تحت اسم حكايات من عالم الأسرى، فكان الأسر والسجن هو المسرح الذي دارت فيه وحوله غالبية أحداث الرواية، والجانب الآخر هو على الماسونية العالمية والصهيونية وقدراتهم الهائلة بحيث ان الرواية صورت الطرفين بحكومة تمسك كل العالم بخيوط خفية، وكان الحديث عن ذلك بالحواريات والسرد أشبه بمحاضرات تقدم معلومات ابعدت الرواية عن النسق الروائي والتواصل السردي الروائي، وإن نجحت الرواية بالحديث عن الجانب الانساني لمعاناة الأسرى فهم بشر وليسوا عمالقة من فولاذ.

شاهد أيضاً

الرُّوبوت 215

الرُّوبوت 215 قصَّة قصيرة[1] الأديب السُّوري موسى رحوم عبَّاس كنتُ سعيدا جدا عندما تلقيتُ رسالةَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *