في الذكرى الأولى لرحيل فايز الصيّاغ

(ثقافات)

 

محمود شقير

ها قد مرّ عام على رحيل المثقف الأردني الكبير عالم الاجتماع، المترجم الشاعر الدكتور فايز الصيّاغ.

وقد فجعتُ في شهر آب من العام الماضي برحيل صديق العمر، أحد أبرز شعراء مجلة “الأفق الجديد” المقدسيَّة. كان فايز بقصائده الجميلة، التي يستلهم في بعضها التراث الشعري العربي، يبشِّر بمولد شاعر كبير؛ إلا أنّ هزيمة حزيران 1967 صرفته عن كتابة الشعر، ثمَّ استكمل دراساته العليا في الجامعات الكنديَّة، ونال شهادة الدكتوراة في علم الاجتماع، وانهمك في ترجمة أمّهات الكتب في الفلسفة وفي علم الاجتماع، وتبوّأ مواقع مرموقة في مؤسَّسات ومراكز أبحاث وجامعات، وأسهم في الإشراف على عددٍ من المجلّات الثقافيَّة الأردنيَّة والعربيَّة، ومارس كتابة النقد الأدبي لمؤلّفات عديدة لكاتبات وكتَّاب أردنيّين وفلسطينيّين وعرب، وظلَّ كذلك حتّى حضرته الوفاة بعد وعكة صحيَّة لم تدم طويلًا ظُهر الاثنين 17/08/2020 أي قبل يومين من ذكرى رحيل الشاعر سميح القاسم، وبعد ثمانية أيّام من ذكرى رحيل الشاعر محمود درويش.

التقيته أوَّل مرَّة في مقرّ مجلَّة “الأفق الجديد” في القدس عام 1965؛ كان مثقّفًا ذكيًّا حاضر البديهة خفيف الظلّ، تألفه من اللحظة الأولى. غادر صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان أحد نشطائه وهو على مقاعد الدراسة في الجامعة الأميركيَّة في بيروت؛ ثمّ جاء من مدينة الكرك لكي يعلِّم الفلسفة لطلبة مدرسة بيت لحم الثانويَّة.

كنَّا أنا وزملاء آخرون نزور فايز الصيّاغ في بيته في مدينة بيت لحم، وكنَّا نلتقي معًا في القدس ورام الله، لتدور بيننا حوارات في الثقافة وفي السياسة. وحين غادر فايز مهنة التدريس وانتقل إلى عمَّان للعمل في مجلة “أفكار”، تقدَّمتُ بطلب لنقلي من المدرسة الهاشميَّة الثانويَّة في البيرة إلى مدرسة بيت لحم الثانويَّة لإشغال الموقع الذي غادره فايز في المدرسة، فلم أظفر بهذا الموقع، بل نُقلت إلى مدرسة مخيَّم عقبة جبر الثانويَّة قريبًا من مدينة أريحا.

زرت فايز الصيّاغ عام 1966 في مقرِّ عمله في مجلَّة “أفكار”، المقرّ الكائن عند الدوّار الثالث في جبل عمَّان، ثمّ ذهبنا معًا إلى دار الإذاعة الأردنيَّة في أمّ الحيران؛ في الجزء الشرقيّ من عمَّان، التقينا هناك بالكاتبين خالد محادين (كان خالد زميلي في جامعة دمشق، وفيما بعد تعدّدت بيننا اللقاءات بعد عودته من ليبيا إلى عمّان) ورسمي أبو علي (الذي سيبدع فيما بعد في كتابة القصة وغيرها من النصوص الأدبية الساخرة)، وكنت أحمل معي قصَّة كتبتها في الآونة الأخيرة اسمها: “البائع”. قرأها فايز وأعجب بها، لكنّ الظروف لم تسمح لي أن أقرأها عبر أثير الإذاعة، ثمَّ ضاعت تلك القصّة، ما جعلني أتوقّف عن كتابة القصص مدَّة عامين (في تلك الزيارة لدار الإذاعة أجرى رسمي حوارًا معي في برنامجه الثقافي حول رواية “الصخب والعنف” لوليم فولكنر، وكنت قرأتها قبل أسابيع من ذاك الحوار، وكم أتمنّى لو أستطيع الحصول على تسجيل لهذا البرنامج؛ لأستمع إلى ما قلته عن تلك الرواية الصعبة التي تتعدّد فيها أصوات الساردين! وأكاد أجزم أنّ ما قلته آنذاك لا يرتقي إلى ما تحفل به الرواية من رموز ودلالات).

بعد هزيمة حزيران 1967 باعدت بيني وبين فايز الصيّاغ المسافات. عرفت أنَّه تزوَّج برفيقة عمره ابنة بلدة بيت ساحور، الروائيّة ليلى الأطرش التي التقيتها للمرّة الأولى في بيت أهلها عام 1968 حين جاءت زائرة إلى البلدة من عمّان (كانت ليلى زميلتي في جريدة “الجهاد” المقدسيّة قبل هزيمة حزيران 67، لكنّنا لم نلتق آنذاك ولم نتعارف بسبب أنّ ساعات دوامها كانت تختلف عن ساعات دوامي في الجريدة)، وعرفتُ منها بعض أخبار فايز الذي لم ألتقِ به مجدّدًا إلا في ثمانينيّات القرن العشرين حين عاد من الخارج للإقامة في عمَّان؛ وكنت آنذاك مقيمًا في عمَّان بعد إبعادي القسري من فلسطين.

تجدَّدت أواصر الصداقة بيننا، وكنَّا نلتقي في بيت فايز وليلى حينًا، وفي بيت عدي وإفلين؛ شقيقة ليلى، وكذلك في بيت رضوان وفريال؛ شقيقة فايز حينًا آخر. التقينا آخر مرَّة في رام الله حين جاء فايز ومعه ليلى، وهو يحمل مشروعًا كبيرًا لترجمة بعض كتب المستشرقين الألمان عن فلسطين. بعد ذلك؛ كنَّا نتواصل إمَّا عبر الهاتف أو الفيسبوك والواتس اب، وكم فرحتُ حين قرأت ما كتبه على الفيسبوك عن روايتي: “ظلال العائلة”!

كان فايز الصيّاغ إنسانًا دمثًا مهذّبًا محبًّا للناس قريبًا من قلوبهم محبوبًا منهم، منفتح الذهن واسع الثقافة غزير المعرفة تقدّميًّا مشدود النظر إلى المستقبل؛ وكم صُدمت حين طالعني خبر نعيه في تلك الظهيرة القاسية!

رحل وله من العمر ثمانٍ وسبعون سنة، له الرحمة وبقاء الذكرى والخلود.

شاهد أيضاً

جماليّة الموت عند الشاعر المغربي مراد القادري: ديوان “و مْخَبّي تَحْت لسَانِي رِيحَة المُوتْ” نَموذجاً

(ثقافات) جمالية الموت عند الشاعر المغربي مراد القادري ديوان “و مْخَبّي تَحْت لسَانِي رِيحَة المُوتْ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *