الرئيسية / خبر رئيسي / سأمضي إلى العدم لحوامدة: تجربة شعريّة تحترق الروح فيها ولأجلها

سأمضي إلى العدم لحوامدة: تجربة شعريّة تحترق الروح فيها ولأجلها

د. حنان عواد*

(ينقش الشعراء من دماء التجربة دربًا للحلول في رحلة الفصول الأربعة، بشمس نورانية تتلمس نبض القلب، وتعلو في فضاءات العبور والرحيل، ورؤيا تجسيدية لألق الروح، وألم الاشتياق لتلك البقعة الأرقى المغروسة في أرض النجوم، والسماء المتخلية في عرس الكون، ليصير فصلا واحدا عبثيا موقوفا في الأنا الأعلى في دربها مع الريح ).

سأمضي الى العدم

بخطى ملك

وأمضي الى الخلاص

على درب المسيح

وان كنت لا أثق بالنجوم ولا الأدعياء.

عنوان استوقفني كثيرا، وارتحل بي مع الشاعر في رحلة كونية بانطلاق الذات في كنه حقائق كثيرة استشعرها الشاعر في التجربة الحياتية الغنية بالتفاصيل.

مطرزات نفسية تلوح في افق الذات، عابثة بمدركات الحياة على سلم التحير الصوفي في رحلة السالك في وجودية الكون.

حقائق كاذبة، تصويرات بروح النقائض، وجع ذاتي معتق في النفس ،يفوق حدود الوعد والواقع المعاش، ورؤيا الذات المتسلقة خطط العبور الواهمة في أنفاق الروح، لتأتي بقلم شاعر يلف الذات في اللاشيء الوهمي، ويمضي الى هناك أيقونة متفردة الحضور في اطار حر في طريق التلاشي.

“كلنا كهوف مخبوءة”.

“كم مرة جرحني الله وسكت”.

ألم معمق يتجلى بين سطور القصائد، ويتواتر بها رغم انها كتبت ما بين 2014- 2016،في عمان ورام الله.

 أطلق مكنونات الروح بتعمق الرؤية الفلسفية وضمير الأنا، وتساؤلات تصعب الاجابة عليها، وحتى فلاسفة الكون

بنظرياتهم المتعددة تتوقف عند كلمات شاعرنا بفيض التحير في مخزون العبث الوجودي.

والشاعر، وهو يرسم بحروف تشكلت في سوداوية الرؤيا في منحاها التجريبي، يطل بصرخة التاريخ الاولي في أحضان الوالدين، وفي الوطن وفي المكان ، وفي تواتر الاحداث، وفي اختراق الأقدار حيز الحقيقة اللاحقيقة الملتفة على عنق الارادة المسلوبة بفعل شوائب المعرفة، وفقد مصداقية الاداء

من أركان متعددة فاقت حدود التصور، وأدخلتنا في ماهوية مواجهة الحقائق الكاذبة. وهو ليس محسوبا في سنوات الايام، ولم يكن له حصة في الأعياد، وحين يموت الغد يبحث عن النجاة..

“كذبت عليك الأقدار وسلكت طريق الصعاليك”.

وانتفى الأمل الواعد بعوامل أنانية التشكل، والتطاول على ابداعات الغير لتتلاشى.

“فكلما رسمت شجرة

قصفتها الزوبعة”.

وكلما صاغ حلما ورسم طريقا، بعثرته الايام في زحام رحلة

ضبابية، لا يدري المرء من خلالها الى أين يصل، فتفيض الآم الروح لتنقل صورة لوقائع هامة جرت، واستفسارات رسمت بأيدي قادة الفكرة، وترسيمات لا تظهر ألوانها الحقيقية.

في ذاك الوطن المسروق، تطوف روح الشاعر، ليرى الانتصار للأمة لا يكون الا بوشاية الكلام.

وهزيمة الذات للشاعر، هي الهزيمة الخالية من الانتصار والهزائم، فأي هزيمة تكون، وكيف يمكن لجم تصدرها المشهد العام من خلال الخاص، أو من المشهد الخاص من خلال العام،

والخيانة، على صعوبة دلالاتها، وبشاعة تصورها، هي جوهر الرؤيا ونخب الفجيعة، ليؤكد الشاعر:”أن من يخسر وطنا-يسهل عليه كل خسران”.

   وهذه حقيقة استشعارية لآلام الروح التي طافت بنا من خسران وطننا بزيف المقال، والخداع المسترسل المناقض للوعي وعظمة المسؤولية. والهزيمة ليست فعلا سياسيا أو عسكريا فقط،بل انها موقف انساني صادم أيضا، وأصعبها وأعقدها ما يأتيك ممن تحب، ليكون خلاص الشاعر بذاته في ذاته، ليتحقق الجنون.

ويأتي الموت بصورة رمادية يقترب منها الشاعر ويلاصقها ولا يخشاها ويضحك من الذين يبكون من الموت.

       والموت هنا يرد بصورة ميتافيزيقية، وهو أيضا صورة حلولية واحلالية في البعد الكوني، ويمكن أيضا اسقاط البعد التصوري، ففي عذاب الفقد، ترى دفتر العائلة يتقلص، والعائلة

الموصولة في الجذر المعمق في الأرض وفي الذاكرة، تضيء فكر الشاعر بأوراق حزينة بمطر الدموع لحلم العودة الى فلسطين.

“كلما نازعتني النبوة

بكيت على جدران وطني”.

وأي بكاء يكون في مكنون روحي معذب، وفي حواجز قاتلة وفي آفاق مظلمة، وفي ابتعاد كوني عن بقعة أرض يعشقها،

“صرت فلسطينيا بلا وطن” وهي الهروب الحقيقي من الموت.

وترفرف في صدر الشاعر، رغم كل الحواجز، زفرات روحية تستلهم أفق النصر.

وتأتي الغرابة في ابداع الروح في سلاسل الفقد العدمي، والتواري خلف أشرعة الرحيل، وكشف الزيف المتأصل في مدرجات أحلامنا وهي تواجه وقائع الذكريات وآفاق الحياة، لترى أركانا غابت، ومفاهيم تأزمت عند الحلول، وثورة غضب، ورفض لمفاهيم وتقاسيم، والبحث عن الذات المثلى أمام حقائق مسيرة الوعي المعذب في الرؤى المستمدة من تفاصيل التجارب التي عاشها الشاعر بفعل ارادة الحياة، والتي رسمها بفعل تجربة الحلول في أبعادها المحلقة في مضامين وتساؤلات تبحث عن أعجوبة الجواب.

في ركن هاديء، على رمال متحركة، تنطلق صور الديوان، من عمق الروح والجرح المفتوح، الى طوفان المعرفة في الأرق المواجه للجروح، والعزلة المنتقاة في درب النفس المغلقة، لتكون كهفا مخبوءا في مواجهة الجراح، والعزلة في مواجهة الكذب العام الذي شمل كل شيء حتى الأقدار، ليأتي الطفل المعجزة ناشرا خيوط النور والنهار.

وحتى الورد الجميل يفقد فضيلته، لتكتب الزبالة تاريخ الزهور.

هذا اضافة الى سلسلة الهزائم الممتدة والتي نواجهها، ونحاول الهروب منها، ليرد شعور الشاعر المتفجر ألما نافيا طريق النصر، مشيرا الى العروبة الغائبة التي لم تدرك بعد أسباب الهزيمة والخسارة فيها، بل تهرب منها الى السماء.

والسؤال المطروح: “أي عدم يصوره الشاعر ويطوف به، وأي معنى يرتكز به عليه، هل هو التلاشي في الروح، او في المعنى البلاغي باطلاق أجنحة المعنى في مفاهيمها المقصودة، أو هو الانعدام الوجودي في معطيات وقضايا هامة تستلزم الحياة والبعث؟

“يتوارى الحصار

خلف طفل معجزة

يبشر بالنهار”.

هكذا نحن أمام تجربة شعرية تحترق الروح فيها ولأجلها، لتضيء فكرة خالدة لا يمسها الغبار، ولا تتوارى مهما أسدلت ستائر الظلمة عليها.

هكذ تحلق فينا صور المعركة التحذيرية لواقع غاب عنه لواعج الحضور المتيم بالهوية التي تستدعي كل علامات العبور اليها والالتصاق بها، ليكون النصر سيد الموقف مهما طال الغياب.

غربة الشاعر في آفاق الغيب، وفي علوم الفلسفة وفي النصوص الرافعة صورة البلاغة المنتقاة والمركبة في كلمات تبث شيئا من قسوة التصوير وجمالية التعبير، لتخترق روح المتلقي بوعي الهزائم، وكيفية تصويب البوصلة الى النصر المنتظر.

آهات صارخة الدلالة من عمق نفس الشاعر في رسم وقائع تصويرية في ترسيم وهج الألم المنقوش في الروح بدلالات الشك والتوجس من نص المعركة الأضعف في صفوف الرؤيا، وفي الفعل الثوري الغائب، وفي عمق المصائب المتدحرجة على الفرد وعلى المجموع أيضا، لتأتي الفراسة رهينة أحداث خطت نفسها على أرض الواقع.

لغة الحزن في تجليات الروح واللوم الجارح تظهر جليا بين السطور..عذابات الروح الثائرة في وشم التجذر النوعي في الأرض الغائبة الا في الذكرى، تحدد أركان وزوايا الروح المعرفية.

عاصفة الغضب برياح الغربة، ومواجهة أبعادها في استئثار الزمن الهلامي في رمال متحركة،تتعرج خطى التسيار عليها

وتمضي بنا في لواعج الاغتراب المكاني والزماني بروح افتعال الرؤيا وتصويب الأبعاد المعرفية باتجاه قرص الشمس الموجه الى فلسطين، التي كانت عروسة الحروف منقوشة بنقاط واضحة الرؤيا، واستراتيجية تنتظر التطبيق.

هكذا كان اعتاق الروح في رحلة منزوعة البقاء، مدججة بنصوص قوية الطرح الفكري، محددة الهدف، تروي معالم غابت، وأعقاب تستنجد فعل الحماس بتشابك الاخلاص والوفاء.

لقد أجاد الشاعر الصديق نسج الصورة التعذيبية لخلق الارتداد النوعي استعدادا للمواجهه المتصورة،

“أنا سر نفسي

وعلى خطاي أسير”.

“كل ما على هذه الأرض افتراء

صخب عنفوان

وعواء”.

فكيف يتم البقاء في رحلة الزيف، وفي تلك الأيام التي أثقلت حملها؟!

وكيف تصدق المعطيات الجدلية حين ترسم صورة للوداع في رحلة الكذب في الطريق وفي الحلم والرؤى وحتى لحظات الفرح؟!

لتأتي روح الجواب من فعل الهوية الممتدة بين سطور الديوان لحنا على ايقاع الذات بسلالم الوعي للحقيقة الخالدة فينا…فلسطين.

“كلما نازعتني القصيدة

بكيت على جدران الوطن”.

وقد طال البكاء في رحلة الاغتراب، وامتد العذاب على مشانق الغربة، وكبرت التساؤلات التي لم تحظ بجواب مرتكز على حقيقة الوعي.

انني واذ أهنيء الصديق موسى حوامدة على هذا النص الابدعي المميز، تعبر ذهني موجة تدق أبواب الصمت، لأتوقف عند مشاهد الحضور النفسي للشاعر في نبض القصائد المفعمة بالألم، والتي تختمر في القلب برسم ريشة فنان ممتزجة الألوان للفردوس المفقود، والمتجذر في عمق الوجدان ، وعلى شواطيء الروح والفكرة الخالدة، يصل المدى البعيد والقريب، ليظل السؤال حائرا….الى متى؟!

*شاعرة وناقدة فلسطينية -القدس.

شاهد أيضاً

من غير مشيعين مشى الأخضر إلى غيابه الأخير

* فاروق يوسف أسوأ ما في الموت أنه يستدعي الرثاء. ولأن الموتى لا يقرأون المراثي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *