الرئيسية / خبر رئيسي / مسلسل “بيوت في مكة”: الدراما ودورها في إحياء التاريخ

مسلسل “بيوت في مكة”: الدراما ودورها في إحياء التاريخ

*زياد أحمد سلامة

*ثائر أحمد سلامة

 أنتِج مسلسل “بيوت في مكة” عام 1983، وابتدأ التلفزيون الأردني بعرضه يوم 20/1/1984، ولكنه لم يوضع على اليوتيوب، عكس مسلسلات الدكتور وليد سيف الأخرى التي يمكن مشاهدتها بسهولة، وفوجئنا منذ أيام بوضع حلقات هذا المسلسل على اليوتيوب مما مكننا من مشاهدته والاستمتاع به.

  “بيوت في مكة” هو المسلسل السابع للدكتور “وليد سيف” تم إنتاجه عام 1983 ووقع في ثلاث عشرة حلقة، سبقه في الكتابة مسلسلات: الخنساء(1977)، عروة بن الورد(1978)، شجرة الدر (1979) جبل الصوان (1981) وطرفة بن العبد (1982) والمعتمد بن عباد (1982).

  جاء هذا المسلسل ليكون ضمن مشروع الدكتور وليد سيف في تقديم التاريخ العربي والإسلامي من خلال الدراما التلفزيونية منذ عصر الجاهلية ليصل الأمر بنا إلى الوقت الحالي حيث كان إنتاج مسلسل “التغريبة الفلسطينية” عام 2004 الذي تحدث فيه عن واقعنا ونكبتنا ومصيبتنا في فلسطين.

 لعب دور البطولة في مسلسل “بيوت في مكة” عدد من الفنانين السوريين والأردنيين، وكم سنلاحظ الفرق بين أعمار من بقي على قيد الحياة منهم أيام تصوير ذلك المسلسل والوقت الحالي، وممن لعب البطولة في المسلسل: أحمد صيام / عباس، أحمد قوادري / الوليد بن عقبة، أديب الحافظ / الوليد بن المغيرة، أسامة المشيني / خالد بن الوليد، أسعد خليفة / سَلَمَة، أسعد فضة/ سهيل بن عمرو، بسام كوسا / سالم مولى أبي حذيفة، بسام لطفي / أبو جندل، حسان يونس /صفوان، حسن إبراهيم /عمر بن العاص، خضر بيضون / أبو جهل، رشيد عساف / عبد الله بن سهيل بن عمرو، رفيق السبيعي / عتبة بن ربيعة، زهير النوباني / أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، عبدالله عباسي / عمير، عبدالهادي الصباغ / بلال ، غسان المشيني / النجاشي، محمود أبو غريب / أمية بن خلف، محمود مساعد / وحشي، نصر عناني / الوليد بن الوليد ، هاني السعدي / عكرمة، وكانت الفنانة صباح السالم  التي لعبت دور ريحانة المرأة الوحيدة في هذا العمل.

المسلسل من إخراج الأستاذ علاء الدين كوكش، وكان الأستاذ بسام الملا مساعداً للمخرج، وهو الذي سيخرج سلسلة مسلسلات (باب الحارة) فيما بعد.

  لاحظنا أن موسوعة ويكيبيدا قد أشارت في تعريفها للمسلسل أنه من تأليف الدكتور وليد سيف وإيلي غريبة، وهو الأمر الذي نفاه الدكتور وليد بشدة وأكد أن جميع أعماله الدرامية هي من كتابته وحده، وأن عبارة (ملاحظ السيناريو) التي وردت في إشارة المسلسل وتشير إلى الأستاذ إيلي غريبة، وعبارة ( الاستشارة الدرامية) التي قرأناها في إشارة مسلسل “التغريبة الفلسطينية” والتي أسندت للفنان “حسن عويتي”؛ تشير إلى الشخص الذي يقوم بمراقبة أداء الممثلين للتأكد من مطابقة أدائهم مع النص، وقد يقوم بتوجيههم في فهم الأبعاد الدرامية للمشاهد ليؤدوها وفق ذلك، وأكد الدكتور وليد أنه ليس لملاحظ السيناريو أو لغيره مراجعة النص أو تقديم اقتراحات بشأنه.

 بالإضافة إلى مسلسلاته الـ (16) التي تم تنفيذها فقد أصدر الدكتور وليد روايتين هما “ملتقى البحرين” و”مواعيد قرطبة” وهي عبارة عنى تحويل مسلسليْ “الصعود إلى القمة 1986″ و”ربيع قرطبة 2003” إلى عمل روائي، وله تحت الطبع رواية “النار والعنقاء” وفيها تم تحويل مسلسل صقر قريش إلى عمل درامي، وستصدر في جزئين، وسيكون عنوان الجزء الأول الفرعي “الرايات السود” والثاني:” صقر قريش” وهو الآن عاكف على إعادة كتابة مسلسل “التغريبة الفلسطينية” الشهير إلى رواية.

    بعد أن كتب الدكتور وليد عن العصر الجاهلي مسلسلات (الخنساء وعروة وطرفة) رأيناه يطرق بواكير التاريخ الإسلامي في هذا المسلسل الذي تحدث عن بدايات الدعوة الإسلامية منذ بداية البعثة النبوية (610م) إلى ما بعد فتح مكة (8 للهجرة = 630م).

  قال الأستاذ المرحوم عاطف الفراية في مقال له بعنوان “مسلسل عمر..حين يأكل الكاتب نفسه”، نشرته مجلة “الفنون” تشرين الأول 2012 وأعاد موقع “ثقافات” نشره: “كانت فلسفته (أي مسلسل بيوت في مكة) تقوم على استبطان ما يجري في بيوت مكة من أحاديث وتأويلات وردود أفعال أثناء صناعة الحدث التاريخي (ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته). وهي مهمة فنية وأدبية وفلسفية راقية”. وفعلاً رأينا في المسلسل حوارات معمقة بين زعماء مكة ورجالاتها ومواقفها من هذه الدعوة ونبيها.  فقد ركز المسلسل في طرحه على ردود الفعل لدى كفار قريش وعن الصراع المادي والمعنوي والنفسي الذي تعرض له (صناديد قريش) من أمثال: أبي الحكم عمرو بن هشام الشهير بأبي جهل، الوليد بن عقبة والوليد بن المغيرة، عتبة بن ربيعة، وسهيل بن عمر وأبي سفيان وأمية بن خلف وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم.

 يصحبنا المسلسل في أهم الوقفات والأحداث التي واجهت الدعوة الإسلامية، اضطهاد الكفار للمسلمين من أمثال بلال، وما واجهه من سيده أمية بن خلف قبل أن يتدخل أبو بكر ويشتريه ويعتقه،  وكذلك تعرض المسلسل للهجرة إلى الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة فغزوة بدر وأحد والخندق وصلح الحديبية ومؤتة لنصل إلى فتح مكة، وفي مقاطع عَرَضَت لما بعد فتح مكة استوقفنا الكاتب أمام بعض المشاهد التي سماها (مشاهد من المستقبل) حيث عرض إلى موقف سهيل بن عمر من بيعة أبي بكر عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ودفاعه المستميت عن وحدة المسلمين وكلمتهم مفوتاً على أبي سفيان ردَّ الآمور إلى العصبية الجاهلية، كذلك استوقفنا الكاتب عند معركة اليمامة الحاسمة والقضاء على المرتدين الذين شكلوا خطراً على وجود الدولة والدعوة الإسلامية.

   من أهم ما جاء في المسلسل  أنه وفي مواطن كثيرة جدا ذكر المفاصلة بين الحق والباطل وركز عليه بصور مختلفة، منها حوار أبي حذيفة مع سالم الحلقة السابعة الدقيقة 42 وحوار بلال مع أمية حين راوده أن يقول كلمة لا يبتعد فيها عن دينه فيرضاها المشرك والمسلم فأجاب

ه أن الحق إذا اقترب من الباطل خرج عن صفته، ومنها حوار بين ابنيْ سهيل بن عمرو : أبي جندل وشقيقه عبد الله، فقد   تكرر شيء من ذلك،  بل إنه أورده في الحلقة السابعة أيضا على لسان عتبة بن أبي ربيعة نفسه أنه لو كان مكان النبي صلى الله عليه وسلم ما تنازل عن الحق للباطل، وهذا تأصيل عظيم للمفاصلة التامة ولوضع القضية في نصاب المعركة بين الحق والباطل.

  كذلك تعرض المسلسل في إشارة عابرة إلى أهمية أن يكون للمسلمين دولة تحميهم، ففي الحلقة السابعة سمعنا قولاً لسالم مولى أبي حذيفة يُفهم منه أن الهجرة إلى المدينة المنورة ستعني قيام دولة للمسلمين.

  تعرض المسلسل للإشارة لبعض المعتقدات والعادات الجاهلية منها: عبادة الأصنام والضرب بالأقداح، ووجود دار للندوة يجلس فيها شيوخ القوم للتباحث في الشؤون العامة لهم، بينما رأينا شباب قريش غير معنيين كثيراً بالشأن العام، منصرفين للهو والشراب والانشغال بمشاغل الشباب.

من المسائل التي يمكن ملاحظتها في “بيوت في مكة” استشراف تفاعل النفوس مع المستقبل في مراحل مبكرة، فسهيل بن عمرو حين رجع من أسره في معركة بدر تأثر بأخلاق المسلمين وبشخصية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فعاهد ابنه أبا جندل أن لا يقوم خطيبا على الرسول بعدها وأنه لو كان على دين الإسلام لحمل الناس في مكة على الحق وهذه إرهاصة لموقفه المشهور الذي صار إليه بعد فتح مكة ورأيناه في الحلقة الأخيرة ويناسب طبيعة تفكيره التي ظهرت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو موقف ليس وليدَ محاولة استغلال أبي سفيان وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانتحاب أبي بكر خليفة للمسلمين،  بل هو موقف يناسب شخصيته.

بالمثل ترى إرهاصات استشراف عمرو بن العاص وخالد بن الوليد لما يحوك في صدورهما من احتمال أن يكون الحق في الإسلام وأثر ذلك في نقاشهما فهما إذ يجلسان في مكة بعد بدر لا يتناقشان في كيفية الثأر بل هما يشعران أن المستقبل سيكون حافلا بالأحداث، وهما شخصيتان فريدتان ليس أي منهما خامل الذكر ليرضى بواقع بئيس.

من العادات التي عرفها مجتمع قريش عادة إجارة الضعيف وشمله برعاية أحد الأقوياء.

  تعرض المسلسل للمُعَوِّقات التي منعت (كبار سادة قريش) من الدخول في الإسلام وأصروا على مواجهته ومحاربته بشتى الطرق، فمن هذه الموانع التنافس العائلي بين عائلات قريش: بني هاشم، بني عبد شمس (ألأمويين) وبني مخزوم وغيرهم، وكيف أن عائلات قريش قد نَفَسَت على بني هاشم أن يكون منهم نبي.

    رأينا ممارسة العبودية وعلاقة السادة بالعبيد من خلال نماذج: بلال ووحشي وريحانة، وسالم مولى أبي حذيفة بن أبي الوليد عتبة بن ربيعة.

   أنكرت قريش على الدعوة الجديدة دعوتها للمساواة بين الناس، فاستكبر زعماؤها كيف يتساوون مع عبيدهم؟!

  كانت ردة فعل الناس السلبية المتوقعة على إسلام أحدهم؛ عاملاً قوياً في امتناع الكثير من كبراء قريش عن الدخول في الإسلام، فاعتبروا أن ترك دين الآباء إلى دين جديد سيكون عاراً عليهم.

ومن أهم الأسباب التي جعلت “صناديد قريش” يعرضون عن الإسلام؛ بل ومحاربته الخشية على مصالحهم الشخصية ومكانتهم الاجتماعية التي وفرتها لهم العادات والتقاليد المتبعة في مكة. ومنها حرصهم على تجارتهم وأموالهم التي رأوا في هذه الدعوة عامل خطر عليها وعليهم.

  من العيوب الفنية التي لمسناها في المسلسل غياب العنصر النسائي، فلم نشاهد سوى “ريحانة” الجارية التي كانت تتودد لوحشي حتى يتزوجها، وقد استخدمها الكاتب لإبراز علاقات العبد والجارية بسيده، وكذلك لرسم فكرة الحرية التي كان يتوق إليها وحشي.

 وصراحة افتقدنا دور “هند بنت عتبة” فكان يجدر أن تحضر في هذا العمل، فدورها مذكور بإسهاب في كتب السيرة والتاريخ لا سيما في تحريضها المشركين يوم بدر وأحد وفتح مكة، وتحريضها وحشي على قتل حمزة.

  من العيوب الأخرى قلة المشاهد الخارجية، وغياب المعارك التي جرت بين المسلمين والكفار، وكل ذلك بسبب قلة الإمكانيات الفنية التي كانت متوفرة آنذاك، وهذا أمر كان يدركه الدكتور وليد سيف تماماً، ولهذا كتب عن هذا الأمر فقال في مقال نشره عام 1990 بعنوان ” التاريخ والتراث في الدراما التلفازية”[مجلة “الإنسان” العدد الثاني ـ السنة الأولى، المحرم 1410هـ = أوت / آب 1990 ص 51]: “تفتقر معظم هذه الأعمال (الدرامية التلفازية) إلى الإمكانات الفنية والتقنية المناسبة والكفيلة بخلق أجواء تاريخية واقعية تتسم بالمصداقية والقدرة على الاقناع. ويتجنب معظمها الخروج من “ديكورات” الاستوديو الهزيلة إلى المواقع الخارجية لما تتطلبه هذه الأخيرة من إمكانات إنتاجية وإخراجية عالية. أما “ديكورات” الاستوديو نفسها، فإلى جانب هزالتها لا يجري تعميمها وفق دراسات وأبحاث متخصصة في مكونات البيئة الاجتماعية المادية الخاصة بالعصر الذي تدور فيه. ولا يكاد يلحظ المشاهِد فوارق واضحة بين “ديكورات” يفترض أنها تمثل العصر العباسي وبين أخرى تمثل العصر الأيوبي أو المملوكي ونحو ذلك، وينطبق مثل هذا على الملابس، إذ نرى الطرز نفسها تتكرر في مسلسلات تتناول مراحل متباعدة من التاريخ الإسلامي”.

    استعاض الكاتب عن هذا النقص بالتركيز على الصراعات النفسية بين أبطال العمل، وكيف أن أحدهم سيقابل أخاه أو أباه في المعركة، ففي الحلقة الثامنة رأينا صراعاً نفسياً داخل نفس أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وتوقع لقاءه مع أبيه عتبة قبيل لقاء الفريقين في معركة بدر (2هـ)، ورأينا أمية بن خلف يتذكر مواقفه مع بلال وهو يعذبه ويضع الصخرة على صدره في بطحاء مكة، وذلك عندما رأى بلالاً في المعركة وأدرك أنه قاتله لا محالة.

 لم نشاهد مشاهد تمثيلية تبرز شجاعة خالد بن الوليد لا في جاهليته أو في إسلامه، لم نشاهد حصار الكفار للمسلمين يوم الخندق وكيف سلط الله عليه الرياح والأعاصير حتى خلعت خيامهم وقلبت قدورهم.

  من العيوب التي رأيناها في المسلسل بسبب قلة الإمكانات الفنية والتزام طاقم العمل (المخرج والمنتج) بعدد محدد للحلقات أن مرَّت أحداث الكثير من الوقائع مروراً سريعاً مثل أحداث الهجرة إلى المدينة ومعارك بدر وأحد والخندق والصراع مع اليهود، فقد كاد أن يكون الصراع معهم غائباً عن العمل. ورغم أن ما تمتاز به أعمال (د. وليد سيف) هي الترابط وعدم وجود زوائد فيها، لدرجة أن المشاهِد إن سهتْ عيناه قليلاً عن مشهد أو جملة ما يحتاج إلى الربط والاستنتاج ليقدر ما فاته، أو يعمد إلى إعادة المقطع الذي يحتوي هذا الأمر ليستدرك ما فاته، ومع ذلك شكلت هذه النواقص عيوباً في الإنتاج والإخراج.

   من عيوب المسلسل غياب تمثيل أدوار أبرز الصحابة، صحيح أننا رأينا بلالاً وأبا حذيفة و(خالد بن الوليد وعكرمة وسهيل بن عمرو بعد أن أسلموا) وغيرهم، ولكننا لم نرَ أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وغيرهم من كبار الصحابة، حتى إنه في مسلسل “بيوت في مكة” لم نسمع جعفر بن أبي طالب وهو يحاور النجاشي ويقرأ مقاطع من سورة مريم كما تقول كُتبُ السيرة ولكنا رأينا سالماً مولى أبي حذيفة هو الذي يقوم بهذا الدور.

 أعرفُ أن (الفتاوى الشرعية) آنذاك كانت تمنع من هذا، ولكن في مسلسل عمر رأينا الموقف قد تغير بعد أن أعيدت قراءة تلك الفتاوى من علماء شرعيين فتوصلوا إلى إباحة تمثيل أدوار الصحابة جميعاً دون استثناء، وهذا راجع لطبيعة الاجتهاد في الإسلام وأن الاجتهادات ليست معصومة وغير قابلة للنقاش، ومن المعروف أن الاجتهاد المعتبر والذي ينبغي الأخذ به شرعاً أن يكون منضبطاً بأصول فقه محددة وواضحة.

 رسم الدكتور وليد سيف شخصية “وحشي” بمنتهى الدقة ودخل إلى نفسيته وهو يحاول جاهداً أن يحصل على حريته، وكم رأينا سلبية وحشي وهو ينتظر سيده أن يَمُنَّ عليه بالعتق، وكم عاب على بلال تعرضه للتعذيب مع أنه كان بإمكانه الاستغناء عن كل هذه المعاناة بأن يعطي سيده ما يريد من كلمات (مجرد كلمات)، وموقف وحشي هذا يذكرنا بالمواقف السلبية من مقاومة الاحتلال في فلسطين، والتي يعول أصحابها المبشرون بها على المقاومة السلمية غير العنيفة مع كيان غاصب لا يعرف أي مبدأ أو إنسانية أو رحمة.

 وحشي استشاط غضباً لأن بلالاً حصل على حريته رغم معاناته، وهو لم يحصل عليها رغم مسالمته.

وحشي لم يتخلص من الشعور بالعبودية لا أثناء كونه عبداً ولا بعد أن أعتقه سيده الجبير بن مطعم بعد ان قتل حمزة بن عبد المطلب في غزوة أحد (3هـ) فظلت قريش تنظر إليه على أنه أقل شأناً من أن يجلس مع السادة والقادة، وبعد أن دخل في الإسلام بقي المسلمون ينظرون إليه على أنه قاتل حمزة، ولم يتحرر من عقدة العبودية إلا بعد أن قتل مسيلمة الكذاب في معركة اليمامة (11هـ)، لقد رأينا وحشياً يتمزق نتيجة شعوره بالنقص هذا، وفي المقابل لم نرَ هذا الصراع عند بلال، والسبب أن بلالاً اعتنق مذهباً ومبدأ ملأ عليه حياته وعاش وفق مبادئه، واعتبر تعرضه للعذاب جهاداً وتضحية في سبيل الله، ثم إن المسلمين أولوه احتراماً وتقديراً منذ بدايات الدعوة وإلى الآن، فالمسلمون ما زالوا يقولون في شأنه (سيدنا الذي أعتقه سيِّدُنا).

  المسلسل ركز على الصراع الفكري وتطوره عند زعماء مكة، فبدأ الصراع بعداء الدعوة عداء سافراً، ثم مع تقدم الدعوة الإسلامية ونجاحاتها المضطردة صرنا نرى زعماء قريش يظهرون عجزهم عن مواجهة هذه الدعوة وعن عجزهم في الحد من دخول أبنائهم في الإسلام كما في الحلقة الحادية عشرة مثلاً، ورأينا اضطرارهم لإلغاء أهم شرط في صلح الحديبية الذي ظنوه قد شكل لهم نصراً كبيراً وهو (لا يَقْدِم أحد من قريش مهاجراً إلى المدينة إلا بإذن وليه) فقد ألقوا باللوم على سهيل بن عمرو الذي اشترط هذا الشرط، وذلك بعد أن شكَّل الفارُّون ممن أسلم من شباب مكة (جماعات) خارج المدينة لا ينطبق عليها هذا الشرط وتعترض قوافل قريش التجارية.

  ينتهي المسلسل بترديد عبارة خالد بن الوليد الشهيرة وهو على فراش موته: “لقد شهدتُ مئة زحف أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر، إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي فلا نامت أعين الجبناء”.

   وكأن الكاتب يستحثنا على أن نمتثل هذا الموقف وهذه الشخصية في صراعاتنا مع أعدائنا.

   مما يلفت النظر في أداء الممثلين سلامة أدائهم اللغة العربية بنسبة كثيرة، ومن المعروف أن التحدث بلغة عربية فصحى سليمة في الأعمال الدرامية من المشكلات التي تواجه المسلسلات الناطقة بالفصحى بما في ذلك مسلسلات الدكتور وليد سيف، وسبب سقوط الممثلين في هذه الأخطاء ضعفهم هم أنفسهم أصلاً في اللغة العربية وغياب مراقب للغة صارم ومتابع لأداء الممثلين، ومن المعروف أن كاتب النَّص بعد أن يقدم عمله لجهة الانتاج تكاد تنقطع صلته بالعمل ولا يُطلب منه متابعة التصوير وملاحظة أداء الممثلين، فهذه مهمة المخرج ومراقب اللغة.

   بين مسلسليْ “بيوت في مكة” و”عمر”.

  اعتاد الدكتور وليد سيف إعادة صياغة بعض أعماله الدرامية التي سبق تنفيذها، شاهدنا ذلك في مسلسل “الصعود إلى القمة” عندما تحول إلى “ربيع قرطبة”، و”المعتمد بن عباد” عندما أُدخل في مسلسل “ملوك الطوائف”،  ويكاد أن يكون مسلسل “الدرب الطويل” النسخة الأولى لمسلسل “التغريبة الفلسطينية”، وبطبيعة الحال للدكتور مسوغاته الفنية والأدبية في إعادة صياغة هذه الأعمال مرة ثانية، وعندما تم عرض مسلسل “عمر” عام 2011 تحدث بعض النقاد عن علاقةٍ بين مسلسل “بيوت في مكة” ومسلسل “عمر”، فقال الناقد الراحل المرحوم عاطف الفراية: “لقد تم نقل معظم مشاهد هذا الجزء نقلا اعتسافياً من مسلسل آخر هو (بيوت في مكة) والذي قدمه الكاتب الدكتور وليد سيف مع المخرج علاء الدين كوكش عام 1983″حتى إن الكاتب الفراية قد عنوان مقاله الناقد لمسلسل عمر بـ ” مسلسل عمر..حين يأكل الكاتب نفسه”.

 يبدو التشابه واضحاً بين المسلسلين للوهلة الأولى ولكن بعد التأمل تبدو فروقات جوهرية بين العملين، إلا أنه وإن تشابهت بعض الأحداث، إلا أن طريقة رسم الشخصيات وتوظيف هذه الأحداث مختلفة بين العملين، ومن ذلك أن مسلسل عمر يقوم على شخصية محورية كان لها الحضور الأهم في المسلسل وهي شخصية سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، في حين كان الحضور  في مسلسل “بيوت في مكة” لعدد من أهم شخصيات مكة من الكفار آنذاك: أبو جهل والوليد بن عقبة والوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وسهيل بن عمر وأبو سفيان وأمية بن خلف وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل.

  كانت رسالة مسلسل عمر عَرْض أهم أفكار الإسلام وأحكامه منذ بداية الدعوة إلى وفاة الفاروق رضي الله عنه، أي أن المسلسل قد غطَّى نحو أربعين سنة من تاريخ الإسلام، في حين كانت رسالة “بيوت في مكة” عرض مواقف رجالات قريش من خلال شيوخها أولاً والذين مات أكثرهم على الكفر ومن خلال شباب قريش الذين اعتنقوا الإسلام فيما بعد وحَسُنَ إسلامهم وأبلوا فيه بلاء أكثر من حسن ورائع، والمسلسل يغطي نحو ثلاثة وعشرين عاماً هي عمر الدعوة إلى حين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم (باستثناء عرض مشهدي: موقف سهيل بن عمرو أثناء انتخاب أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين، وموقف أبي بكر من حروب الردة وقتال الذينَ ارتدوا) وذكر استشهاد عكرمة  ووفاة سهيل بن عمر وخالد بن الوليد وقد كانوا في المسلسل من أعداء هذه الدعوة ثم طرأ تغير في ظروفهم وتفكيرهم جعلهم يدخلون الإسلام بأشد صور الإخلاص.

  في مسلسل عمر رأينا ونتيجة للتطور التقني والفني سداً للخلل الذي رأيناه في “بيوت في مكة” لا سيما في مجال تمثيل المعارك، فرأينا إخراجاً للمعارك بطريقة احترافية عالمية عالية المستوى، بينما كنا نرى في المسلسل السابق والاكتفاء بوصف لتلك المعارك، أو الحديث عنها، فقد رأينا في حروب الردة أصوات معركة وقرقعة سيوف ووحشياً واقفاً يجهز حربته لإطلاقها نحو مسيلمة لقتله، ورأيناه فوراً يبتهج بقتله عدوَ الله دون أن نرى قتالاً أو قتلى.

  غياب وسائل الإنتاج والإخراج عند تنفيذ “بيوت في مكة” جعلت تنفيذه مرة أخرى وبطريقة أخرى أمراً جميلاً ورائعاً، حقيقة كنا نتمنى إعادة إخراج جميع الأعمال السابقة للدكتور وليد سيف، ولكننا نعرف أن هذا يتطلب جهداً جديداً وكبيراً في إعادة صياغة تلك المسلسلات وإخراجها مما سيعيق الدكتور وليد سيف عن إكمال مشروعه الجديد في تحويل الأعمال الدرامية إلى أعمال روائية، وأظن   مشروع إعادة صياغة سيناريو المسلسلات على شكل روائي يُعتبر فتحاً جديداً في عالم الأدب.

  إعادة صياغة مسلسل “بيوت في مكة” وغيره من المسلسلات أعطتنا فرصة للاطلاع على التطور عند د. وليد سيف، سواء في تطور أسلوب الكتابة ومعالجة الشخصيات والتطور في الأساليب البيانية والتعبيرية، وإضافة رسائل جديدة للأعمال السابقة.

   استخدام الدراما في عرض الإسلام فكراً وتاريخاً أمر مهم وجديد على الإسلام والمسلمين، وأسلوباً مُحْدَثاً في الدعوة إلى الإسلام، جاءت مسلسلات د. وليد سيف لتضع القطار على سكته الصحيحة، فصرنا نرى عرضاً لهذه الأفكار بطريقة فنية أدبية راقية دون مباشرة أو دعاية وعظية أو تكلف، وصارت طريقة سيف في الطرح مدرسة فنية متميزة، تنتظر مَنْ يبني عليها ويستمر على نهجها.

زياد أحمد سلامة/ عمَّان

ثائر أحمد سلامة/ كندا

شاهد أيضاً

حوارات مع جوليا كريستيفا

   حوارات مع جوليا كريستيفا :   إبداع المفاهيم،التحليل النفسي،مجالات البحث، فرديناند سيلين…         …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *