الرئيسية / خبر رئيسي / المُتَعادِل كيمائيًّا – قصة قصيرة

المُتَعادِل كيمائيًّا – قصة قصيرة

( ثقافات )

المُتَعادِل كيمائيًّا

قصة قصيرة

الأديب السوري الدكتور موسى رَحُوم عبَّاس

            حيدر العايش شاعرٌ رقيقٌ وكاتبُ سيناريو بالقطعة، أو ما صاروا يسمُّونه فريلانس، صحيح أنَّه يعيش في دمشق كصعلوك، لا يدفع إيجارا، بل ينتقل شهريًّا إلى حيٍّ جديدٍ، ليعيشَ ضيفا دائما على الأصدقاء والجدد منهم خُصوصا، وأظنُّ أنَّ ذلك ما يسبِّب مشكلة في تصنيفه حتى السِّياسي، فهو عّصَيٌّ على التَّنميط، كما وصفه ناقدٌ عتيقٌ يقدِّمُ خِدْمَاتِهِ لجهاتٍ متعدِّدة أدبيَّة وغير أدبيَّة!

قد يكونُ كلُّ ما ذكرتُه عن حيدر العايش صحيحًا، وقد يكونُ مُبالغا فيه، مثل قصَّة استعارته للقمصان والأحذية ومعجون الأسنان! وسرقة الكتب والأقلام، أظنها مبالغات من المتضرِّرين، ولكنَّ الشَّيءَ الوحيدَ الصحيحَ هو قلبُ حيدر العاشق، نعم هو يبدِّل السَّكن والأصدقاء والأحذية، ولكنَّه لا يبدِّل قلبه.

” اسمعي يا لونا قد أكونُ أيَّ شيءٍ، ولكنَّني أحبُّكِ، أنتِ الوحيدة التي تَضْبِطُ ساعةَ حياتي، فلا تؤخِّر ثانية، ولا تقدِّم، الشَّخص الوحيد الذي أحبُّه للحبِّ، وحسب، حبُّك يجعل للوقت معنى جميلا، هذا حبُّ الرُّوحِ أعمق وأنقى من حبِّ الجسد والشَّبق”

يتذكَّر حيدرُ العايش كلَّ ثانية مع لونا، تلك المعارض الفنيَّة في كليَّة الفنون أو صالات دمشق الفنيَّة، لونا عاشقةٌ للفن التَّشكيلي والنَّحت، صحيح أنه لا يحبُّ منها هذا التقدير المبالغ فيه للفنَّان فتحي مُراد، لكنَّها في كلِّ مرَّة يتبرَّم من معاملتها للفنَّانين والنَّحاتين خصوصا، تطوِّق عنقه، فيريح رأسه على صدرها، ليهدأ كطفلٍ!

في عيد ميلاد لونا، سقط الصَّاروخ على البناية، طارت أجسادُ الحضور مثل غيمة حمراء، صارت لونا نورسا يطير في الحلم، يقترب من رأس حيدر أنَّى توجَّه، صوتا عذبا يغنِّي له، لتهدأ غَيْرتُهُ، ليسندَ رأسَه على كَتِفِ الوهم، صارت دمشق كلُّها أسرابا من النَّوارس، يهرب منها حيدر العايش، يلاحقها، يخلع قميصه الأبيض، ليشيرَ لها بِهِ كما يفعلُ جيشٌ مستسلمٌ مهزومٌ، يسمع نداءها في إشارات المرور وأشجار السَّرو وأصوات باعة الصَّبار على طريق الهامَة وقُدسيا.

    الآن يتحدَّث الأصحاب  عن الحرب التي تحفر مسا ربها في حياة حيدر العايش، لم يَعُدْ يحبُّ التَّنقُّل بين الغرف والشّقق، مازال يعمل كاتبا للسيناريو، وقد استأجر غرفةً صغيرةً، يدفع الإيجار بانتظامٍ، وربَّما أعاد القمصان والأحذية التي سرقها، أو استعارها كما يقول هو، لكنَّه يحملُ قائمةً طويلةً بعناوين العاهرات، يتردد إليهنَّ، وأجاب عند سؤاله عن ولَعِهِ المُستجد، قائلا:

لم يعد مُجْدِيًا أن تُحِبَّ، أن تعشقَ، فقد تخسرُهً فجأةً في الحربِ، فتكون انتكاستُكَ فظيعةً، لذا اكتشفت ما تقدِّمه العاهرات لك، تمنحك الجسد ولا تطالبك بقلب، ودون أن تكون ملزما بالحب، في الحقيقة، لا الحب ولا الكره، في الحربِ أنتَ كائنٌ متعادلٌ كيمائيا، لا تحبُّ ولا تكرهُ، تتنفسُ فقط، ومؤقتا!

شاهد أيضاً

هل كان المتنبي عنصرياً؟

د.حاتم الصكَر   1- لا تزال قراءة الشعر حتى  التراثي منه تتم بطريقة تُجرده من …

تعليق واحد

  1. موسى رحوم عباس

    الاحترام و التقدير لجهود ” ثقافات” في نشر رسالة الأدب الراقي، وثقافة الجمال، والمحبة ، والسلام بين الشعوب، لكم وللأديب يحيى القيسي الثناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *