الرئيسية / خبر رئيسي / “قمر عليل” للشاعرة رانة نزال.. نزعة صوفية خارج الزمن

“قمر عليل” للشاعرة رانة نزال.. نزعة صوفية خارج الزمن

* حسام معروف

 

تتخذ الشاعرة الفلسطينية الأردنية رانة نزال، أبعادا تأملية صوفية في رؤية الواقع وتداخلاته مع روح الإنسان، مستندة إلى البعد التاريخي للحدث، وأصالة المكان، والجذر الإنساني، في بلاد الرافدين وبلاد الشام، والخليج العربي حيث مدينة مكة.

وتختار نزال في نصوص هذه المجموعة، اللغة المفخمة المشبعة بالجزالة، ويتحقق ذلك باعتمادها على كلمات قليلة التداول في شعر ما بعد الحداثة، الذي يعتمد على الكلمات البسيطة الأقرب للمتداول.

وتلجأ الشاعرة إلى التكنيك الحداثي في صياغة جملها من خلال الحركة المستمرة في الإيقاع، والمرونة في تركيب النص المتشابك مع قصيدة النثر، بما تقوم به من تنويع في تصفيف الجمل، فتارة كلمة في السطر، وأخرى كلمتان، وفي بعض الأحيان جملة طويلة.

وتقترب الشاعرة في العديد من نصوصها للغنائية، معتمدة على وزن شعري يزيد من التفاف النص على بعضه، فليس من السهل أن تقرأ نص رانة نزال، دون معرفة مسبقة لقصص التاريخ وأحداثه، في فلسطين، وبلاد الرافدين، ومكة، وسوريا، بل ومعرفة ممتدة بالأساطير في هذه البلاد.

خارطة كونية

وتتضح في قصائد نزال رؤية شعرية صوفية للأشياء، تلك المنزلة المترفعة عما يدور في القاع، والمعلقة بالخارطة التي يمضي من خلالها الكون.

وتمرر الشاعرة العديد من المشاعر الإنسانية خلال نصوصها، معبرة عن عراك المرء المستمر مع المعنى من حوله، فيما تصدره الأحداث، محاصرة الإنسان على مدار الزمن. فنجد الحزن، والفقد، والفجيعة، وسؤال المرسى، والصمت، والذكريات، والأوجاع، والغربة التي تأكل الأضلاع، والصبر كثيمة لا تزول.

ويتجدد في نصوص نزال السؤال المعرفي، وشقاء يحمله الإنسان إزاء ذلك، إذ يطل من بين الجمل كأنما إيقاع النص مبني عليه، وعلى الرغم من جزالة سير اللغة بالنص، وانسيابها، إلا أن النص لديها مشبع بالثورة، والاحتجاج، ونقد التجربة، لكأنها رؤية شاملة يحتويها المشهد الأخير في السيناريو، وتصقل الشاعرة هذا المجاز في 24 قصيدة متفاوتة الطول، ممتدة على 150 صفحة من القطع المتوسط، جاءت معظمها بطرح الأنا المتكلم شعريا.

وميض

وتعتمد رانة نزال على الصوت الموسيقي النابع من الوميض الشعري، حيث تكثف من تواجد الكلمات في الجملة، لتعطي معنى غير مثقلٍ بالحشو والثرثرة.

وتكثر الشاعرة من الاستعانة بالموروث الديني فتكتب: ”وأسلمت للريح رجلا/لا إخوتي إخوتي/ولا الجب جبي/ولا عيني تهجع أو تنام/ لكأني لست مني“ وتضيف: ”وأقسم بفجره/بالليالي العشر/ أن لم يشغلني سواه“.

أعمدة الماضي

ولا تتوقف نزال عن اللحاق بعربة التجربة في تكثيف معرفتها، وتعود لتكتب سِفر المعنى، بملامح شعرية، تلخص ما يدور في الأوطان العربية المشتتة، مسترجعة أعمدة الماضي، لتصنع المقارنة بين يدي الزمن، وكأنها تمارس الطرق على الباب المخلوع.

تكتب نزال:

”وأنا أدري أن لا يد لي

إني في مهب الفتنة،

أفرق خذلانا

وأيتم بيدي أطفالي،

أقد وجاق الفكر

وألوك عشبة المخضّر

وأعرج في المخيال

عاشق

ظلامي الحب

بدائي البدن

وثني الطبع

ما عاد لي من إنساني، إنسان

ضيعوني في الكنانة

وما ظل لي سوى الذكرى

فيا أرض كنعان

إني ألوذ بحرفك

باللسان العربي

بي كبوة اللغة

جرم الضحية

والتباس المراد“

شريط في اتجاه واحد

ويمر عامل الزمن دوما في نص نزال كبعد تاريخي لأي حدث، مهما كان وقت حدوثه، لأنها تعرف تماما، التعرية التي تصنعها اللحظات في الأشياء، فلا يبقى شيء على حالته، ولا يعود الزمن بالجسد والعمر ولا القناعات ولا الأماكن، لصورة سابقة، فالشريط هذه المرة يمضي في اتجاه واحد.

وتكتب الشاعرة في نص ”نبض“:

”هو صليب الوقت

يقتل أعمارنا،.. وأفكارنا سيان

يقتات زهراتنا المضويات أو المعتمات سيان

أنّى قلبنا وجوه الشوق أو الشوك عند سنديانه سيان

تظل أو تُطل من قنافذ آلامه العمر والقهر.. سيان“.

كما وتكتب في نص ”خمسون وردة“ ملقية بظلال التجربة بعد العمر الخمسيني:

”أنا الطاعنة في الفقد

الرقراقة الدمع

النعسىة

الشغوفة

بالفجر المعطر بالقبل

وبالذكر الحاني

بين الخفايا

كما الأساطير“.

 خارج الزمن

وتتجسد نزعة ملامسة الغيب في مجاز نزال، فيما تذهب إليه من القفز خارج حدود الزمن، بهدف لقاء ما لا يرى، والتعرف على صوت أحادي منفصل عن هذا الكون، في لحظات التجلي مع الصلاة والتعبد.

حيث تقول في نص ”صلاة“:

”لكأنها يد تقود عماي

تلك الصامتة كمعبد

والبدائية كما حقل يصلي.

تلك الضالة

التي بودّي ألا أضل عن خطاها السرية

كما شيفرة حرب أو عاشق مولّه.

تلك الرزينة المعتقة كوشم أو تميمة

مستنيب الأيام

وغاية الرايات المقصوفة سرا وعلانية“.

صوت حزين

ويبرز الصوت الحزين في نصوص الشاعرة، كخلفية متراكبة مع صورة كبيرة تتجمع فيها القصائد. هذا الصوت يمضي كما موسيقى تصويرية تزيد من أثر المشهد الشعري الذي تصبو إليه الشاعرة. فلا ضجيج يعتري الجملة المجازية، لكنها غصة تعبر إلى الروح، من اقتراب الشاعرة من مشاعر إنسانية جمعية، تحتويها النصوص.

ولهذا النص ”كما“، الذي مر مرتين في الشريط الشعري كأنما تذكرة قطعت مرتين لقاعة سينما، بهدف استعادة التقاطع مع ذكرى ما.

تكتب الشاعرة في نص ”كما“:

”كما أغنية يهدهدها الشجو،

فيهمي العزيف قبل تذوب الشمس

ويغطي الشوك كتف المنام

كما خريف غصن يضم بُنيّته

يقبلها ثم يلقي عليها السلام

كما مغيب يتوق صَفيّه الضيّ

أسلم عليك وأهدل هدل الحمام“.

شاهد أيضاً

هاتوا لي مرآةً..قصيدة جديدة للشاعرة زُلَيْخَة أبوريشة

( ثقافات ) هاتوا لي مرآةً     زُلَيْخَة أبوريشة   هاتوا لي مرآةً أبصرْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *