الرئيسية / خبر رئيسي / إشكالية الحب عند نيتشه

إشكالية الحب عند نيتشه

إشكالية الحب عند نيتشه

بحث في فلسفة التحليل النسوي

  • أنـوار طاهـر

بطبيعة الحال، لو لم تضرب خطابات الأحزاب التوتاليتارية الشمولية على الوتر الحساس، لم يكن لها أن تؤثر في حشودها الغفيرة في أوروبا وتثير فيهم روح الحماسة العالية والإيمان الشديد بأهدافها، وتحضهم على التضحية والذود بالغالي والنفيس في سبيل تحقيقها. وهو، في واقع الأمر، لم يكن بوتر واحد بل انه مجموعة من الأوتار أو بالأحرى من الشبكات العصبية المرتبطة والمتداخلة بين بعضها البعض بواسطة سلاسل من الروابط والقواعد المنظِمة لتداعي المعاني والمفاهيم والمبادئ تقع جميعاً في مسْكن الخطاب الطبيعي. بعبارة أخرى، إنها تعبر عن شكل من أشكال الحُجَج الطبيعية التي نشأ الطفل وتربى عليها، وجرى نحتها في دماغه وعلى جسمه دون أن تترك أي مكان من جلده دون نقش علامة وحفر صورة.

إن ما وقع في أوروبا من حروب ودمار وإبادة وسيادة لخطابات العنف بجميع أشكاله، وضع جميع المختصين في حقول الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية أمام مسؤولية الاعتراف بهزيمة شعارات الإرادة الحرة والعقل الحر والاتساق والانسجام والتطابق بين الفكر والواقع، والى ضرورة الالتزام بإعادة المراجعة والنظر في مفاهيم الفكر والعقل والعقلانية ووضعها على مشرحة النقد.وقد عبرت حنا ارندت في كتابها (أزمة الثقافة) الصادر عام 1954، عن هذا الوضع التراجيدي الذي كان لابد وان يصل إليه الإنسان الحديث، بعدما «طلّق الفكر الواقع، وأصبح الواقع مُعتماً لا يمكن لنور الفكر من المرور إليه، ولم يعد الفكر متصلاً بالحدث كالدائرة التي تبقى مرتبطة بمركزها، فأضطر إما إلى فقدان معناه بالكامل؛ وإما إلى أن يثير الحماسة تجاه حقائق قديمة هَرِمة فقدت كل صلة مادية ملموسة.»(1). غير أن «نهاية تقليد ما –تستدرك ارندت- لا تعني بالضرورة أن المفاهيم التقليدية قد فقدت سلطتها على أذهان الناس. بل على العكس، تبدو احياناً أن سلطة المبادئ والمقولات العتيقة نفسها تصبح أكثر طغياناً في الوقت الذي يفقد التقليد حيويته وتبتعد ذكرى بداياته الأولى كثيراً، حتى أنه قد لا يكشف عن قوته القسرية إلا بعد أن تحين نهايته ولن يثور الناس ضده بعد الآن.»(2)

وإن كنا قد تناولنا سلطة ذلك الخطاب القديم بالتحليل الثقافي سابقاً(3)، فهذه المرة سوف نتجه في تحليلنا نحو جينالوجيا المنطق ونظامه المعياري والكيفية التي أفضى بها إلى صياغة تركيبة من أدوات التفكير والاستدلال “المرَضي” على المستوى النفسي والجسدي عند الفرد، وبدت مع ذلك، “سويّة” ومنسجمة وعلى قدر عال من الاتساق مع معايير الخطابات السائدة في المنطق واللغة والعلم والفلسفة والسياسة والأخلاق والدين. وسوف نسعى إلى توضيح ذلك من خلال إعادة قراءة فكر الفيلسوف فريدريك نيتشه (1844-1900) الفلسفي واللساني والبلاغي المتعلق بعملية تكوين وتشكيل وصياغة التفكير والاستدلال وطرق الحِجاج المعززة لإنتاج أنماط محددة من الممارسات الاجتماعية في عملية التواصل اليومي.

أثريات خطاب المنطق والعقد التراتبي لنظرية المعرفة:
لو عدنا بتاريخ الفكر الإنساني إلى الوراء، وحاولنا أن نستكشف عبره تاريخ المنطق وصور وأشكال تطور أدوات التفكير وطرق الاستدلال وأساليب الكلام عند الإنسان في واقعه التاريخي. لوجدنا أن المنطق ومنذ البدء، «شهد ظهوره الأول ضمن أُطُر فن الخِطابة l’art oratoire كجزء من نظرية البلاغة. هكذا هي كانت بدايات نشأته في الهند والصين القديمتين، وفي الإغريق القديمة وروما، وفي روسيا أيضا. ومن أول مؤلَف له في المنطق والذي حمل عنوان الطوبيقا، بحث مؤسس علوم المنطق أرسطو في مشاكل المنطق من خلال علاقتها مع نظرية البلاغة. وفي روما أيضا، كان المنطق على صلة وثيقة مع البلاغة. أما في روسيا، فقد عرض ميخائيل لومونوسوف أولَّ نظام منطقي جديد من نوعه، في رسالته حول نظرية الفصاحة. من هنا نرى أنه منذ البداية، جرى النظر إلى المنطق كوسيلة فعل مؤثر في العقول واثبات مبرِّر لصحة هذا التصرف أو ذاك. في فن الخِطابة، كان ما يزال يمثل المنطق جانباً ثانوياً يخدم بقليل تشييد الحقيقة من الوصول بالجمهور المستمع إلى التثبت العقلاني.»(1)

ولو حاولنا – حسب ارندت – «مطالعة الاورغانون وهو الأداة التي ندعوها منذ القرن السادس بالرسائل المنطقية الأولى لأرسطو، سنرى بوضوح أن ما نطلق عليه اليوم بـ “المنطق” لم يكن يُنظر إليه في الأصل كــ “أداة للتفكير”، وإنما كان علماً للكلام والحِجاج بطريقة صحيحة عندما نسعى لجعل الآخرين يتثبتون بالدليل العقلاني أو لنتحقق مما نصرح به من رأي، بأن نبدأ دوماً، مثلما كان يفعل سقراط، من مقدمات قابلة لأن تكون مقبولة عند عموم الناس».(2) ومن المعروف أن سقراط كان متأثراً في تكوينه الحِجاجي بالفيلسوف بروتاغوراس، «إذ من خلال محاولتهم لتطوير نظرية للفصاحة، أدرك السفسطائيون ضرورة معالجة المشاكل المنطقية من زاوية تقنيات النقاش. فكرّس بروتاغوراس لذلك، مؤلفه (فن الإقناع). وصار مشهوراً بمهارته في تطبيق هذا الفن. وأثناء ارتحاله في اليونان، قام بعقد مناقشات جذبت جمهوراً كبيراً. كان بروتاغوراس هو أول من استخدم طريقة المحاورة حيث يدافع المتحاورون عن وجهتي نظر متعارضتين، من جهة ومن جهة أخرى، يقومون بتطبيق إجراء سوف يستعمله سقراط فيما بعد، وهو يقوم على طرح أسئلة على خصمهم وبيان زيف إجاباته.»(3)

مع أرسطو تحديداً «خضع موضوع المنطق نفسه لتحولات عميقة بعد أن أصبح علماً قائماً بذاته. وأصبح يتمتع بخصوصية تتمثل في كونه لم يعد يدرس العالم الموضوعي للطبيعة؛ ولا العالم الذاتي للانفعالات والعواطف، بل أصبح يدرس عملية التفكير كأداة للمعرفة بواسطة الإنسان لكل من هذين العالميَن. فما يهدف له المنطق هو دراسة أشكال وقوانين التفكير نفسه. وقد تميز التطور التاريخي الطبيعي للمعرفة البشرية، بأنه كان يركز في المقام الأول على العالم الخارجي أي العالم الموضوعي، ولم يحصل التنبه إلى أهمية طرح ومعالجة مشاكل تكوين وأداء المعرفة البشرية، إلا بعد اللحظة التي وصلت فيها الإنسانية خلال مسار ذلك البحث الطويل إلى درجة معينة من درجات الكمال. إن الحاجة إلى إيجاد حلول لتلك المشاكل، هي التي أفضت إلى ولادة نظرية في المعرفة والمنطق.»(4)
ومثلما انحرف مسار المنطق وانعزل خطاب المعرفة عن بلاغة اللسان المتكوّنة داخل سياقه التاريخي، جرى فيما بعد كذلك، الصمت عن تمايزات معينة كان يمكن لتوجيه النظر إليها أن يحدث تحولات هائلة في توازنات القوى المنتجة لمختلف الخطابات الثقافية. حيث نلاحظ انه على الرغم من «إقرار منطق أرسطو بوجود معياريين للصدق: مادي matériel (مطابقة للأفكار مع الأشياء)؛ وشكلي formel (مطابقة للأفكار فيما بينها) وهذا مع هيمنة للمعيار المادي. فأنه خلال التقدم الحاصل لمذهب أرسطو المنطقي -في نزوعه القياسي syllogistique-، اكتسب المعيار الشكلي بعض الاستقلالية وحجب بظلاله المعيار المادي. فأخذنا ننظر إلى منطق أرسطو القائم بالأصل على مجموعة من المقدمات غير الشكلانية، متحولاً تدريجياً إلى نظام منطق شكلاني.»(5) وعلى الصعيد نفسه، رغم أن أرسطو كان قد «ميّز في مؤلفه الارغانون بين صنفين من الاستدلالات: التحليلية؛ والجدلية. فأن ما قدمه من دراسة حول الاستدلالات التحليلية في كل من الكتاب الثالث التحليلات الأولى والكتاب الرابع التحليلات الثانية، هيأه لان يُعتبر أبو المنطق الشكلاني في تاريخ الفلسفة. دون أن يأخذوا علماء المنطق الحديث بعين الاعتبار الاستدلالات الجدلية وأهمية دراسته لها في كل من: كتابه الخامس الطوبيقا، وكتاب البلاغة وكتابه السادس مدحوضات سفسطائية، والتي تجعل منه –حسب بيرلمان– أبو نظرية الحجاج على حد سواء.»(6)

والأمر الذي ساهم أكثر في إعادة إنتاج كمية النسيان نفسها على مدار التاريخ، لكل شيء يدخل ضمن نطاق ما يحتمل الصدق vraisemblable وليست قيمة الصدق أو قيمة الكذب المحددتين، هو التأكيد الدائم سواء من قبل العقلانيين والتجريبيين على «الخاصية المعيارية normatif للإثبات في المنطق؛ أي ليس على الطريقة التي نستدل بها، وإنما على تلك التي ينبغي الاستدلال بواسطتها لنوجه أفكارنا جيداً وبالشكل الذي يجعلها تتوافق مع مظهر من مظاهر الواقع، أو مع بعض الوقائع أو مع حقيقة بعض العبارات. هذا الجانب المعياري للمنطق جعله قريباً من علم النفس، لان دور المنطق يكمن في توجيه وتنظيم أفكارنا وبالهيئة التي تسمح أيضا بالتمييز بين بعضها البعض، فالشيء المهم بالنسبة لمثل هذا التصور للمنطق، في واقع الأمر، هو ليس الطريقة التي نستدل بها، وإنما تلك التي ينبغي علينا أن نقود أفكارنا بواسطتها لغرض الاستدلال بشكل صائب، أي وفقاً لقواعد المنطق. هذه الخاصية المعيارية للمنطق، تجعله جزء لا يتجزأ عن نظرية للمعرفة سيكون دورها متمركزاً على تبرير المكانة الخاصة التي نسندها لقواعد المنطق في توجيه تفكيرنا؛ وللعثور على الأسباب التي ينبغي من اجلها أن تكون قواعد المنطق مقبولة من جميع الناس لكونهم كائنات تنعم على الأقل بمَلَكَة العقل؛ بالإضافة إلى توضيح السبب الذي ينبغي علينا لأجله استبعاد كل أولئك الذين يشككون بقواعد المنطق. هكذا، أمكن للخاصية المعيارية أن تسير جنباً إلى جنب مع الحكم المؤكِد على وجود مَلَكَة مشتركة بين جميع الناس، والمتمثلة في العقل أي في مَلَكَة الاستدلال المتعلقة بتشييد علاقات منطقية ضرورية بين الوقائع والمفاهيم، لغرض صياغة أنظمة من المبادئ العامة والمشتركة، وهي مَلَكَة لا تحتاج إلى التثبت بالدليل في تمييز بداهة évidence مبادئ المنطق. وجرى في المنطق الكلاسيكي النظر لمبادئ المنطق ولقوانين الاستدلال العقلانية بوصفهما متطابقين. فكل منهما بدهي؛ ويجب أن يستخدم في البرهنة على قضايا لا تحمل القدر نفسه من البداهة والوضوح.»(7)

لكن، كيف استطاع منطق أرسطو أن يَحُجر على صيرورة العالم والإنسان في آن واحد، والحكم على المعارف المتكونة اصلاً ما بين الاثنين بكونها تحمل قيمة الصدق والثبات الأبدي أو العكس بكونها كاذبة ومتغيرة؟ وقبل ذلك، ماذا يعني أرسطو بقيمة الحقيقة؛ الصدق؛ الصواب؟

بالطبع، لم يمكن لأرسطو تحقيق ذلك، دون وضع قواعد منطقية تكون كالبوصلة المحددة لاتجاهات التفكير والاستدلال والكلام. «فمبادئ عدم التناقض والثالث المرفوع التي هي قوانين الطبيعة ضمن نطاق الوجود، أصبحت في المنطق هي قوانين تشييد الحقيقة والصدق والحقّ. بعبارة أخرى، إن هذه القوانين هي قوانين الوجود في المقام الأول، ومن بعد تمددت فدخلت كقوانين منطقية للحقيقة، وفي نهاية المطاف، كقوانين سايكولوجية لمجرى سيّر عمليات ذاتية للتفكير البشري. بالنسبة لأرسطو، كل شيء في الحِجاج المنطقي يؤدي إلى ما هو موجود في الواقع من شيء دائم وثابت ومعرَّف بشكل كامل. وإذا كان كل شيء في الواقع نفسه في تغير مستمر، لن يكون هناك حقيقة. وإذا كنا لا نستطيع الضبط بدقة لحدود الأشياء بين بعضها البعض وتعريف كل منها على حدة، لن يكون هناك أي فكر أيضا. وحسب أرسطو، دون افتراض ثبات الأشياء ودون عزل الواحد عن الآخر، سيكون الوجود بالمعنى الحقيقي للكلمة مستحيل في نفس الوقت الذي ستكون فيه المعرفة والحقيقة مستحيلتان أيضا. لكن، حتى الأشياء الفردية في العالم الأرضي والخاضعة للتغييرات، هي ثابتة بشكل نسبي على الأقل. وليس فقط موضوعات التفكير بل وموضوعات الإدراك الحسي كذلك، هي ذات حدود منضبطة الواحد بالنسبة للأخر (الثانية بديهياً بطريقة اقل تمايزاً عن الأولى). تستند مبادئ التناقض والثالث المرفوع على ثبات وعزل موضوعات التفكير وموضوعات الإدراك.»(8)

وعندما «نفحص نظرية أرسطو حول الحقيقة وقوانين التفكير، نجد انه فهم الحقيقة بالمعنى الضيق والواسع للكلمة. فالحقيقة بالمعنى الضيق هي حقيقة الحكم jugement. وفقاً لأرسطو، الصدق والكذب يتصلان ببساطة مع ارتباط أو انفصال التمثلات والمفاهيم. أحكامنا صحيحة أو خاطئة بالمقدار الذي يكون فيه ارتباط أو انفصال التمثلات والمفاهيم المنجزة، متطابق مع الواقع نفسه. وفيما يتعلق بموضوعات التفكير المنعزلة، فهي ما تزال في ذاتها لا صادقة ولا كاذبة. لكن، بالمعنى الواسع للحقيقة، هذا المفهوم يمتد عند أرسطو ليشمل موضوعات التفكير أيضا.

إن هذا المفهوم العريض للحقيقة إنما يستند على افتراض أن موضوع التفكُّر (التمثل أو المفهوم) هو يماثل أو يشابه الموضوع الواقعي الذي هو انعكاس له، من جهة ومن جهة أخرى، هو يسلِّم بصواب تمثل أو مفهوم يعكس بشكل مطابق ما يوجد في الواقع. والفكرة تكون خاطئة سواءً عندما لا يتطابق معها شيء في الواقع، أو عندما لا يكون الموضوع الواقعي المتطابق منعكساً في الواقع بشكل صحيح. نحن نتعامل هنا مع كذب أو زيف مادي يقوم على عدم التطابق بين الفكر وموضوعات الواقع. وهناك حالة أخرى من زيف الحكم. وهي تقع عندما يعبر العدم عن الوجود، أي حينما نسند إلى حامل ما إحدى المحمولات غير المتطابقة معه. عند ذلك تكون صيغة الحكم الزائف كالتالي: لا أ هي أ.

وبتأثير من ميتافيزيقيا أستاذه أفلاطون، ميَّز أرسطو بين نوعين من الأحكام: أحكام أبدية ضرورية تتصل بمجال الموضوعات الأبدية الثابتة؛ وأحكام تتعلق بالأشياء المتبدلة. ومثلما لا تكون دائماً الأشياء الخاضعة للتغير والولادة والهدم، متطابقة مع أنفسها. فأن الأحكام المصاغة عنها ليست ثابتة أيضا. فهذه الأحكام هي صحيحة ما دامت موضوعاتها باقية متطابقة مع أنفسها، وتصير خاطئة عندما تتغير موضوعاتها مع مرور الوقت. ولهذا التقسيم للأحكام في النظرية الأرسطية للحقيقة أهمية جوهرية. فوحدها الأحكام الأولى من تؤسس لحقل معرفة صارمة، بينما الأحكام الثانية ليست سوى أراء بسيطة ولا تحمل خاصية علمية دقيقة. ووفق هذا التقسيم للأحكام، تنقسم كذلك الحقيقة عند أرسطو إلى نوعين: الحقيقة المطلقة الأبدية؛ والحقيقة التي تتحول مع الزمن إلى نقيضها وتصبح زائفة.»(9)

أما مفهوم الحكم فهو يعبر حسب أرسطو عن «مركب للتمثلات représentations»(10)، ويصرح فيه المرء عن «ملازمة أو عدم ملازمة شيء ما لشيء آخر، أي عن ثبات وانسجام أو عن تبدل وتنافر، للصلة التي تربط بين المسند إليه من الصفات والمحمولات وحاملها أو الفاعل. ويمثل الحكم شكلاً معيناً من الخطاب، وعلى وجه التحديد، من ذلك الخطاب الذي تعثر فيه الحقيقة والزيف على تعبيرهما.»(11) وإذا كان هذا التصريح بشكل واضح فهي أحكام افتراضية hypothétiques أو اتفاقية/توافقية conventionnelles، أما إذا كان العكس فهي أحكام يقينية حمليه catégoriques (12). أما «فيما يتعلق ببناء الحكم، فقد تبع أرسطو رأي الفيلسوف ديمقريطس بخصوص هذه المسألة والقائل أن الحكم يتألف من اسم وفعل، الأول يعين جزء من حكم يتصل بموضوع السؤال، والثاني يشير إلى كل ما يتم قوله أو التصريح به حول الموضوع. بهذه الطريقة، تبنى أرسطو المذهب الديمقريطي في الشكل الذاتي-الإسنادي subjective-prédicative للحكم، وفعل ربط المسند/ الاسم بالمسند إليه لا يظهر عند أرسطو جزءً منفصلاً عن الحكم، بل انه متضمن في المسند إليه (في الفعل). ومن وجهة النظر الانطولوجية، تصور أرسطو أن الفاعل المنجِز للحكم بوصفه هو نفسه موضوع العالم الواقعي الذي يتم قول/ وتصريح شيء ما عنه، والمسند إليه في الحكم هو تعبير عن التلازم الحقيقي أو عدم التلازم بين هذه العلامات أو تلك لموضوع معين.»(13)

«وكما في نظريته للحكم، بحث أرسطو في نظريته للمقولات catégories عن المنطق داخل النحو، محاولاً أن يستنتج أشكالاً منطقية عن أشكال نحوية. وحسب الأطروحة الأرسطية الأساسية، إن المبادئ المنطقية وقوانين وأشكال التفكير لم يوجدها الفكر نفسه، وليست بمبتكرة، بل هي مكتشفة بواسطة المنطق في الواقع. وهذا الأمر يسري على المقولات أيضا. ونظراً للصلة الوثيقة بين الفكر واللغة، صارت المقولات المنطقية مطبوعة باللغة التي يجب أن تستنتج منها.»(14)

بمعنى آخر، استند أرسطو في بناء نظرياته المنطقية لا سيما في الأحكام على معطيات ذات أبعاد لسانية linguistiques ليستخلص الأشكال المنطقية المطلوبة في الإثبات والبرهان. واحياناً أخرى، نجده يفترض للشكل المنطقي قالباً نحوياً، فمثلاً «فيما يتعلق بمصطلح “مقولة” فهي تستعمل لتعيين المسند إليه في الحكم والعبارة.»(15) ولان أرسطو أقام «نظريته للمقولات على قاعدة تشييد أجناس genres الفعل داخل العبارة، جعلها بذلك على صلة وثيقة بالنحو. ولقد استعمل أرسطو المقولات في المقام الأول: لتصنيف classifier أجناس الفعل داخل العبارة؛ ولتصنيف الكلمات خارج العبارة؛ ومن اجل تصنيف المفاهيم concepts وأخيرا لتصنيف أجناس الموجودات أنفسها.»(16) «تحمل المقولات عند أرسطو، جانباً نحوياً ومنطقياً وانطولوجياً. فمن الناحية النحوية، المقولات تؤلف عناصر العبارة. وهي أيضا الكلمات المنعزلة والمأخوذة من العبارة، والتي تبقى من جهة أصولها مرتبطة بتلك العبارة. ولكن، ما دامت العبارة (الحكم) تعبر عن أواصر الواقع نفسه، فالمقولات تشكل محددات déterminations التعريف بطبيعة الكائن الموجود نفسه. وجميع هذه المحددات موجودة بشكل موضوعي دون أن توجد بطريقة مستقلة (باستثناء الماهيات الأولى)، وإنما بوصفها محددات للأشياء الجزئية. فداخل الكثرة والتعدد للأشياء، هناك ثمة محدد عام موجود بصورة موضوعية ينفد لتفكيرنا في شكل مفاهيم كلية. المقولات تشكل المفاهيم الأكثر كلية وشمولية universels. فجميع موضوعات التفكير تتطابق مع هذه أو تلك من المقولات الأرسطية.»(17)

أما فيما يخص المفهوم «فانطلاقاً من أطروحة أرسطو حول أن المفهوم الذي يشكل المسند إليه في الحكم، هو اكبر بكثير في امتداده من الفاعل في الحكم، عمد أرسطو إلى دراسة أجناس المحمولات/المسندات من اجل العثور على المفاهيم الأكثر عمومية. إن تشييد أجناس للمحمولات داخل الحكم أدى، في واقع الأمر، إلى إنشاء تصنيفات للأحكام على أساس مبدأ آخر أي بحسب أجناس المحمولات.»(18) بهذه الطريقة، أصبحت سلسلة المفاهيم «حسب نظرية أرسطو، أبدية وغير قابلة للتبدل، وهي على صلة ثابتة بين بعضها البعض. هذه الصلة تقوم على مبدأ تبعية subordination المفاهيم الأقل تعميماً للمفاهيم الأكثر تعميماً. المفاهيم الدنيا (الأقل عمومية général) تعتمد على المفاهيم العليا (الأكثر عمومية). من وجهة النظر هذه، ينظر أرسطو إلى الحكم الصائب بوصفه تبعية للمفاهيم، فإن تشييد رابطة تعلق وتبعية الفاعل للمسند إليه داخل الحكم، إنما تجعل من الفاعل مفهوم أدنى والمسند إليه مفهوم أعلى. بالنسبة لأرسطو يمثل الحكم بمعنى ما، إدراج الأقل عمومية في الأكثر عمومية.»(19)

تقويض مسْكن اللوغوس الثقيل: مطرقة نيتشه:
إن الاستعراض الموجز أعلاه، يشير في المقام الأول إلى أن المنطق بدأ حيثما بدأت البلاغة والفصاحة غير المنفصلتين عن السياسة والقانون والشأن العام. ومن خلال ذلك، تولدت «القوة البلاغية force rhétorique»(1) إحدى القوى الحيوية vitale التي طورها الإنسان عبر تاريخه الطويل، فظهرت في مكوّن ايتيقي يشكل لفاعلية الإنسان في الكلام وتبادل الحوار والإقناع والحِجاج في المدينة polis الإغريقية. وينحدر مصطلح ايتيقا éthique(2) عن الكلمة اليونانية ايثوس êthos «وهو مصطلح يدل في البلاغة على المركب الحِجاجي المرتبط بشخص المتكلم. فحتى يتمكن هذا الأخير من التصرف بفاعلية تجاه جمهوره المخاطَب، يجب عليه أن لا يكتفي باستعمال الحُجَج السارية المفعول (لوغوس)، ولا فقط بإثارة المشاعر (باثوس)، بل يجب عليه كذلك أن يثبت سلطته وان يعكس صورة وشخصية متميزة عن نفسه قابلة لأن توحي بالثقة. وبمعنى أوسع، إنها كلمة تشير إلى مجموعة المبادئ والقيم التي تشكل السلوكيات. أي إنها تعبر عن مجموعة من طرق الوجود والفعل ومن الاستعدادات ذات البعد الأخلاقي العملي.»(3) وهذا الأمر يسلط الضوء على العلاقة الجمالية بين البلاغة والايتيقا وأهميتها في تكوين الفرد اليوناني. علماً أن البلاغة كانت قد طبعت الحضارتين القديمتين الإغريقية والرومانية لتسعة قرون بدأت مع الجيل السفسطائي الأول في القرن الثاني ق. م. وعلى الأخص مع الجيل السفسطائي الثاني في النصف الثاني من القرن الخامس ق. م. أصبحت الفصاحة في فقه القانون وعلم السياسة ومعها الدرس البلاغي يمثلان دعامة لأنظمة التربية والتعليم البايديا، وتأثرت روما بذلك النظام اليوناني بشكل عام، وكان كبار الوعاظ المسيحيين أمثال الأب بازيل والأب غريغوار، هم من تلاميذ الجيل الثاني من السفسطائيين(4).

لقد كانت المدينة تضمن الحقّ للمواطن فيها بممارسة فعاليتين سياسيتين من الدرجة الأولى وهما: الفعل بوصفه ممارسة praxis والكلام parole الذي ينحدر عنه ويصير حقل الشؤون الإنسانية أكثر وفرة وثراءً(5). أي حسب تعبير صاحبة مؤلف (شرط الإنسان الحديث): «إن تأسيس المدينة نفسه كان يتيح للناس بقضاء حياتهم كلها في الحقل السياسي؛ وفي الفعل والكلام.»(6) وذلك -حسب ارندت- يعود لان: «الفكر كان يأتي بعد الكلام، مع اعتبار أن اللغة والفعل هما أشياء متساوية ومتزامنة؛ من المرتبة والطبيعة نفسهما. وأصلاً، هذا لم يكن يعني فقط أن الفعل السياسي بقدر ما لم يشترك بالعنف،فأنه بشكل عام كان يمارس بواسطة اللغة، بل يعني أساساً أن الكلمات المناسبة التي نعثر عليها في الوقت الملائم هي الفعل نفسه مهما كانت المعلومات التي يمكنهم التواصل بها.»(7)

لكن، فيما بعد جرى تقنين وظائف المنطق الحيوية، واخذ مع ظهور الفلسفات العقلانية المثالية والواقعية لا سيما مع أرسطو بالانعزال تدريجياً، وحصل انفكاك لعلاقة اللغة مع الجانب الايتقي للبلاغة، لتوجيهها نحو أغراض التأمل والبحث عن الحقيقة vérité. وقد أوجز نيتشه هذا التحول في مؤلفه (اعتبارات في غير أوانها) بالقول: «جرى ابتكار المنطق كعلاج remède وراحة وتخفيف allègement، كوسيلة للتعبير – وليس كحقيقة – وفيما بعد، اخذ يتصرف كحقيقة.»(8) وهذا يعني أن المنطق اخذ يتحول إلى morale وهو مصطلح ينحدر عن كلمة الايثوس ethos ويشير إلى مجموعة العادات والأعراف والقواعد والمعايير الأخلاقية المنحدرة عن التقليد tradition ومبدأ إتباع الفرد الأعمى للجماعة المنتمي إليها. وصرنا نبحث عن القصد والدّلالة signification المراد من الاعتقاد croyance بهذا الشيء، وفيما إذا كان يشير إلى قيمة الصواب المنسجمة مع استعمالات المقولات والمعايير الشرعية السائدة(9).

ومن هنا، اتجهت مطرقة النقد النيتشويه في المقام الأول، نحو تقويض آليات عملية الاستدلال التي تساعد الإنسان في بناء التصورات وإصدار الأحكام القيمية. فقد لاحظ نيتشه أن عملية التفكّر وتكوين الأفكار وصياغة الأحكام معاً استحالت شيئاً فشيئاً إلى واحدة من الممارسات الخطابية المعتادة والمألوفة والتي تجري وتنجز سريعاً دون أن تحتاج أي خطوة من خطواتها إلى برهة من التوقف والسؤال، وكأنها صارت من المقدمات المسلّم بصحة سريان مفعولها دائماً وأبداً. فقد اعتاد المرء على التآلف مع سرعة تتالي الاستدلالات وتداعي المفاهيم في تكوين أفكاره وأحكامه لدرجة نسيان التركيبة المعقدة والمتشابكة لخطوات الاستدلال الأرسطية التي هي بالأساس «عملية عزل المحتوى الكلي الموجود في بعض الأشياء المتطابقة. بمعنى آخر، هي عملية تجريدية ترتكز على استخراج الكلي من الجزئي الذي تم احتواءه فيها بشكل موضوعي.»(10)

وهكذا، اكتشف صاحب مؤلف إرادة القوة، وكما تخبرنا الفيلسوفة الفرنسية أنجيل كريمر-ماريتي، أن الافتراض الجوهري الذي تقوم عليه حركة الاستدلال برمتها هو مبدأ الهوية والتطابق التي تقع بالضد من صيرورة الوجود والأشياء. «فقد كانت لدى نيتشه فكرة البحث في نشأة المنطق كَمَيْل جوهري نحو طرح شيء ما مساوياً لآخر؛ والنظر إليها كهوياتٍ identités. فكتب في مؤلفه إرادة القوة: «إن المنطق مقَيّد بهذا الشرط القائم على افتراض أن هناك حالات متطابقة». وتكمل كريمر-ماريتي، أن إرادة رؤية الهويات هي إرادة قوة، أي حسب نيتشه: «الاعتقاد بأن شيئاً ما يكون مثل هذه الحالة أو تلك (وهو جوهر الحكم) إنما ينتج عن إرادة لأن تكون متطابقة قدر الإمكان». ولو لم يكن هناك ثمة قضية “أ” متطابقة مع نفسها كما يفترض المنطق والعلوم الرياضية، فسوف تكون “أ” هي مجرد مظهر وسيكون معه عالَم المنطق مجرد مظهر كذلك. فتحت الهوية، يسكن اعتقاد ما، هو الاعتقاد بشيء ما.»(11)

بعبارة أخرى، لم يعد للمعرفة بعد أي أهمية تذكر، وكما كتب نيتشه في كتاب الفيلسوف، منذ أن: «توقف الإنسان عن المعرفة، بدأ بالاعتقاد. وهكذا صارت المعرفة والاعتقاد تحملان الوظيفة نفسها، الواحد حلّ محل الآخر.»(12). فأن تعرف شيئاً ما، صار مع منطق أرسطو معادلاً حسب نيتشه أن لا تعرف شيئاً سوى أن تعتقد بضرورة: «أن تعيد ترسيم حدود الأشياء وان تطبع على الفوضى ما يكفي من الانتظام وتحتويه داخل أشكال معينة لإرضاء حاجتنا العملية».(13) وقد لاحظ نيتشه أن «كل حقيقة تفترض معها قيمة valeur ومعنى sens ما.»(14) لأنه «في نهاية المطاف، يتكون جوهر الحقيقة في إثبات اعتقاد ما، أي إن إثبات حكم ما، هو في الأساس ليس إلا اعتقاد ما، لأنه مثلما عبر نيتشه: الحكم هو اعتقادنا الأكثر قدماً، وطريقتنا الأكثر اعتياداً في أن نأخذ شيئاً ما على انه صادق أو كاذب والتمسك به.»(15) أي أن: «المعرفة هي القياس بوحدة متفق عليها.»(16)

وهنا علينا أن نذكر بما عرضناه عن منطق أرسطو في أعلاه، بالإشارة إلى «إنه ينطلق من الحكم وبالأخص الأحكام الحملية المطلقة والقائمة على مقولات ثابتة وأبدية. ولهذا نرى أن مهمته الرئيسية كانت متمركزة على تشييد الأحكام بواسطة الاستدلالات raisonnements. ولهذا السبب تحديداً، كانت الاقيسة المنطقية هي مسألة مركزية في نظرياته المنطقية. فوفقاً لأرسطو، يرتبط الاستدلال ارتباطاً وثيقاً بالبرهان démonstration، ولم يتصوره إلا من زاوية أهميته للبرهان. فالهدف النهائي لمنطق أرسطو هو تطوير نظرية في البرهان.»(17) واضح أن المربع الأرسطي لا يكتمل إلا بعدته التجريدية القائمة على شرط عدم الانفصال بين التفكير والاستدلال حسب الاقيسة المحددة والمفاهيم القبلية وصياغة الأحكام والتصورات وبين عملية البرهان. ويبدو هنا، أن الفكرة الأساسية لأرسطو المتأثر بأطروحات أستاذه أفلاطون صاحب الجمهورية القابضة على أرواح الناس فداء للحاكم، هي فكرة كانت تقوم على كيفية صناعة اكبر عدد ممكن من المحدِدات والحتميات والحدود غير التاريخية بالمرة، سواء على مستوى التفكير أو على مستوى النحو، وذلك لغرض استتباب الأمن في جمهورية خطاب حقيقة الفئة المسيطرة. وبقدر ما جرى التحكم بعملية “التفكير المعادل للفعل”، جرى التحكم في سلوكيات الناس وتصريفها نحو مجاريها المحددة مسبقاً. فلم تعد البلاغة قوة؛ ولا للكلام معنى فهو مجرد ثرثرة فارغة لا جدوى منه، وكلما صار الكلام مجانياً، صار عبثاً وهراءً، وزاد الإنسان ارتكاسية ونكوصاً وخضوعاً وتسليماً، وهذا هو المطلوب.

كيف لا يصل الإنسان إلى هذا الحال، وهو لم يعد ينظر إلى جسمه نفسه إلا حسب درجة صحة إسهامه في إفراز عملية التفكير المرضية نفسها، وأكثر من ذلك، في اعتباره كمقدمات لكل تفكير. فلم تعد العلاقة متطابقة بين المعرفة والاعتقاد، بل بين الإدراك والتصور. من هنا، أكد نيتشه على أن داخل كل تصور تسود حقيقة ما(18). وبهذه الطريقة، جرى السيطرة على جميع الإحساسات والتمثلات ووضعها ضمن قوالب لغوية محددة وصيغ مفاهيمية معينة تنتج رؤية أحادية؛ وأحكام أحادية؛ وتصورات أحادية؛ واستجابات موحدة أيضا. وهنا، تتلاشى إرادة قوة الكلام الاثباتية البلاغية الايتيقية بصورها التعددية واختلافها الخلّاق التي كانت خاصية تميزت بها الحضارات القديمة، وتسود إرادة القوة الارتكاسية، «وتنتصر النزعة العدمية –حسب الفيلسوف جيل دولوز– عند ذلك فقط، تتوقف إرادة القوة عن أن تعني “إرادة خلّاقة”، وتصير تدل على: إرادة المزيد من القوة، والرغبة في السيطرة والتحكم (وبالتالي في أن تنسب لنفسها أو لغيرها إحدى القيم السائدة؛ المال؛ الامتيازات؛ السلطة…). لكن، إرادة القوة هذه، هي تحديداً إرادة العبد، هي الطريقة التي يدرك العبد أو الضعيف بها القوة، الفكرة التي لديه عنها، والتي يطبّقها حالما ينتصر.»(19) ويوضح دولوز مفهوم إرادة القوة عند نيتشه، بالقول: «إن علاقة القوى مع بعضها البعض تُدعى “إرادة”. ولهذا السبب، يجب علينا قبل كل شيء أن نتجنب سوء فهم المبدأ النيتشوي في إرادة القوة. فهذا المبدأ لا يعني (في المقام الأول على الأقل) أن الإرادة تريد القوة أو ترغب بالسيطرة. وبقدر ما قمنا بقراءة إرادة القوة بمعنى “الرغبة في السيطرة والتحكم”، فأننا نفعل ذلك بالضرورة استناداً على القيم السائدة القادرة لوحدها على تحديد من يجب “الاعتراف” له وتمييزه بالأكثر قوة في هذه الحالة أو تلك؛ في هذا الصراع أو ذاك. من هنا، نحن ما زلنا نجهل طبيعة إرادة القوة كمبدأ مرن/ مطاوِع لتشكُّل جميع تقييماتنا évaluations، وكمبدأ كامن يرمي لابتكار قيم جديدة غير معروفة. إرادة القوة، يقول نيتشه، لا تقوم على الطمع ولا حتى على الاستيلاء، وإنما على الخلق والعطاء.» (20)

من هنا، يمكننا القول أن استعمالاتنا اليومية لطريقة محددة في الاستدلال إنما تقوم على أسس منطقية صارمة لا تخرج عن ضرورات التسليم بمبادئ عدم التناقض والثالث المرفوع، وعن إدراج الإحساسات والتمثلات المختلفة ضمن مواضعها المحددة في المقولات المطلقة ذات الطابع التراتبي الثابت الأبدي. هذا على الرغم من «أن عالم المقولات هو محض وهم لان المقولات غير موجودة؛ إنها ضرورية للعيش؛ وحيوية، لكن لا شيء يقول إنها أبدية. والتعارض بين عالم حقيقي وعالم ظاهر هو ليس في النهاية إلا نسبة لعلاقات للقيم.»(21) وبطبيعة الحال، عندما عرض المنطق الأرسطي نفسه كمجموعة من القواعد والمبادئ المطابقة للواقع والتي يمكن لها أن تقود لمعرفة حقيقة الموجودات والأشياء. جرى نسيان أن الضرورة المنطقية هي بالأساس، واجب حيوي vital، والبديهيات axiomes والمبادئ المنطقية ليست بمقاييس للواقع وإنما مقاييس للإنسان يلقيها داخل الواقع ليشيّد واقعة/ حقيقة، فيكون عالماً صالحاً للعيش، وليتمكن فيه الإنسان من أن ينصّب نفسه ومن الوقوف على قدميه. لكن، عندما اخذ الإنسان بالزعم أنه بواسطة مبادئ المنطق يمكن له معرفة الحقيقة، فقد “نسي” انه لن يعثر في العالم إلا على ما تم دائماً وضعه فيه من قبل. إن قواعد المنطق هي متطلبات معيارية moraux ضرورية لبعض الأنواع الحيّة التي لا تحتمل التغيير؛ والاختلاف والخاصية الملتبسة والمتناقضة لصيرورة الوجود، ومن اجل التغلب عليها جميعاً والتحكم فيها، تضطر لإخضاعها وفق مقاييس مفاهيمها ومقولاتها الخاصة، أي إلى ردِّ غير المنطقي إلى منطقهم الخاص؛ والى تزييف الواقع حتى يعود قابلاً للصياغة المصورَنة الشكلانية القابلة للتنبؤ. فكان هذا من اكبر أخطائنا التي وقعنا فيها لا سيما الفلسفة، عندما أخذنا ننظر لمنطق أرسطو كانطولوجيا(22).

هكذا، أمست إرادة القوة – حسب الفيلسوفة الفرنسية سارة كوفمان- اضعف من أن تقبل بالاختلاف والتناقض أو بأدنى درجة من الالتباس: «في لعبة نرد المفاهيم -كتب نيتشه-، نطلق قيمة الحقيقة على الأفعال الآتية: استعمال كل قطعة نرد حسب تسميتها المحددة؛ حساب نقاط كل قطعة بدقة؛ صياغة توجيهات مضبوطة كي لا تخلّ ابداً بقواعد نظام هرمية الطبقات وسلسلة التصنيفات.»(23) «فالمفاهيم هي طغيان حيّ من لحم ودم لإرادة القوة، هي قوى انتقائية. فالمجهول يسكن داخل المفهوم، أي في الجزء الذي نزعم انه يمثل الخطأ، ولذلك يخبرنا الفيلسوف هنري برغسون: لقد وضعنا الاستدلال من اجل ملء فجوات إدراكنا أو لتوسيع نطاقه.»(24) وهذا بالضبط ما لا تريده إرادة الخطاب الارتكاسية أن تعترف به، فالمفهوم ثابت وابدي حسب أرسطو، والمقولات ثابتة وغير قابلة للتغير، والأحكام مطلقة وكل شيء هادئ على ضفة الخطاب السائد ولا يعكر صفوه أي التباس حراري أو كثافة في المعنى قد تؤدي إلى اختلال في رؤية المثل وظلالها المنعكسة على خطاب الكهف الافلاطوني. أليس هذا نمط من أنماط التفكير على طريقة المنطق الشكلاني الذي لا يحتمل هذه الخصائص الثلاثة ولا يعترف بوجودها أيضا؟ أليس هذا اقرب دليل على تضمن الاستدلالات اليومية على لغة برهانية شكلانية تراتبية مطلقة لا تتسامح مع المختلف والمغاير غير المتطابق، ما دامت لا تعترف إلا بالوجود وبالوجود في جميع الموجودات أي برفض الصيرورة والتبدل والتغير في الأشياء؟ وهذا بالضبط ما سعى نيتشه إلى كشفه والبحث فيه عبر دراسة الافتراضات الأساسية القائمة عليها استدلالاتنا اليومية وفحص أصولها الخطابية في «عدم التسامح الذي يجد علاجه في منطق الهوية، مفترضاً وجود ميتافيزيقيا الماهية؛ وبناء ترسيمة للوجود الغرض منها إعادة تغطية صيرورة المتناقضات؛ وإقامة عالم خيالي متصَور على انه “عالم حقيقي” وهو مقياس لعالم صيرورة يجري تقييمه من الآن فصاعداً كزيف وكذب.»(25)

وفي ظل استدلالاتنا اليومية واستعمالاتنا العادية لدورة الحُجَج “الطبيعية” المشتركة ولمواضع الأشياء الموزعة بين الارتفاع والانخفاض؛ الأعلى والأدنى؛ الكبير والصغير وغيرها الكثير من المواضع التي تحكم وتتحكم في اتجاهات وتوجهات الأحكام القيمية، وتنظم عملية التواصل بين الأفراد بين بعضهم البعض. فأن «تكون صادقاً/ محقاً، يعني انك تستعمل الاستعارات المعتادة، أي، هو أن تكذب بأسلوب متفق عليه من قبل الجميع. لقد حوّل البشر العالم، داخل اللغة، وتمثلوه واستوعبوه فيها.»(26) وبما يكفي للسيطرة على مجمل الحواس والاستجابات الحيوية عند الإنسان في حياته الخاصة والعامة. على الرغم من: «أن الإنسان –حسب نيتشه– يتكون من تعددية في إرادات القوة، وكل واحدة منها تتضمن على تعددية في طرق التعبير والأشكال المصاغة بها.»(27)

هكذا، أصبحت الذاكرة هي عبارة عن استعادة وتثبيت للقوى المنطقية المنتجة لآليات التفكير والاستدلال نفسها؛ وإعادة إنتاج للأحكام التراتبية نفسها: «أصل الحكم –حسب نيتشه– هو اعتقاد يطرح نفسه كشرط مسبّق على توكيد محدِد لحياة معرَّفة ومحددة مسبقا.»(28) وهو إعادة تدوير للخطاب نفسه؛ وإفراز لإرادات القوى الارتكاسية نفسها: «تتوسد مدركاتنا الحسية على الصور البلاغية وليس على الاستدلالات اللاواعية. فمطابقة المثيل مع ما يشابهه، والعثور على بعض التشابه بين شيء وآخر، صارت هي العملية الأصلية. والذاكرة تعيش على هذه الفعالية وتمارس ذلك بشكل مستمر.»(29) وصارت معها فاعلية: «إطلاق أسماء الكلمات على الأشياء هي مجرد إضفاء صبغة شكلانية على الدوام، ساعية نحو أقصى مدى للشيء بذاته الذي يمثل الاسم المشترك لكل من: الجواهر essences والأشكال formes المتطابقتين اصلاً، ففي المنطق هناك دائما ثمة كناية وإبدال شيء بشيء آخر.»(30) نتيجة لذلك، ساد الخطاب المنطقي القياسي وغلب على الأحاديث العادية، بواسطة أداة العقلانية الارتكاسية أي الجدل ألبرهاني الذي نبدأ فيه استدلالاتنا من مقدمات مسلّم بصحتها وبسريان مفعولها المطلق، وبذلك نحن لا نرتكب فقط خطأ متآلف على ارتكابه في خطاباتنا اليومية وهو المصادرة على المطلوب إثباته، بل ويتفرع منها نقطتي ضعف حسب نيتشه هما سيطرة: «اليقين المباشر ببداية الاستدلال، من جهة ومن جهة أخرى، الضرورة التي تؤدي إلى الوقوف المفاجئ لتطور عملية التفكير.»(31)

وهنا اكتمل المربع الأرسطي بحضور الجدل مع البرهان؛ والاقيسة والمفاهيم مع الأحكام المطلقة، وسكت الإنسان عن الكلام غير المباح ونسي أن «المعرفة هي تكوين واكتساب منهج، فهي من المفترض، إذن، أن تزيد من قدرته على الاستدلال.»(32) لان الحقيقة مع نيتشه –حسب الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز- لم تعد تعني «شيئاً لذاته؛ غير مشروط، وكلياً بشكل مطلق، بل إنها بالأحرى، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكائن حيّ في عالم يؤوله بإرادته هو.»(33) إن الحقيقة حسب تعبيره: «هي جيوش متحركة غير مستقرة من الاستعارات والتشبيهات لمجموع العلاقات الإنسانية»(34)، في: «عالم هو مجموعة من العلاقات المرتبطة بفضاء محدود، والإنسان يشعر فيها انه باثوس الحقيقة.»(35)

ولا نندهش من أن باثوس الحقيقة، أي الجانب الشعوري والانفعالي عند الإنسان، هو المركز الذي تتجه صوب حواسه وجسمه كله، مختلف الصور والرسائل والخطابات المحرضة والمثيرة والممتلئة بشيفرات متنوعة ومتعددة، فهو، في واقع الأمر، ليس إلا مجرد مستقبل سلبي؛ راد للفعل مستسلم لما دعاه نيتشه بـ: «الشعور المعتاد بالقيّم»(36)، وخاضع لروتين الإجراءات والاستجابات المعتادة في الكلام= التفكير= الفعل والتي ينبغي لها جميعاً أن لا تخرج عن وظيفتها المشيدة لها مسبقاً وهي إنتاج “الأحكام المطلقة” بناءً على “المفاهيم المجردة” الموضوعة ضمن ثنائيات محددة لمجموعة “المقولات الوهمية” التي يجب إسناد الفاعل إليها؛ وما ينبغي ألا نسنده إليه من المسندات من الصفات. لان كل واحد وحسب أصوله ومرجعياته وحدوده التي وضعها له كل من خطاب المنطق وخطاب النحو: «ساهمت الوظائف النحوية fonctions grammaticales للغة –يكتب نيتشه في إرادة القوة– أيضا في ترسيخ ذلك الاعتقاد الجوهري بمبدأ السببية أي بالقانون المنطقي. فاختصار ظاهرة ما في صيغة معينة يؤدي إلى تحجيمها، فهو يفترض تكرار ها المتطابق، والسؤال موجه للفاعل sujet في هذا التكرار: من أين ينحدر تكرار شيء هنا؟. فليست الظاهرة نفسها منْ تنتج نفسها، لكن تكرارها تحت شكل الوقائع المتطابقة.»(37) فكم كان علم النحو عاملاً مساعداً على إنعاش الإرادة الارتكاسية والدفع بها نحو الاعتقاد بـ «التفسير السببي الذي يهدف إلى إرجاع شي مجهول إلى شيء معلوم، أي إلى تهدئة الروح البشرية الحذرة تجاه غير المألوف. انه الافتراض المنطقي –حسب نيتشه– الذي يشعر بالارتياح.»(38)

وعلينا أن نتذكر أن عملية إنتاج الأحكام المطلقة القائمة بالأساس على قوانين المنطق في عدم التناقض والسببية، تعادل المنْتَج التراكمي للحُجَج المشتركة العامة وتوزيعها حسب الإقليم الهرمي المخصص لها ضمن الرقعة الجغرافية للذاكرة. لهذا السبب، «إن الغاية من نقد الحكم عند نيتشه هي تسليط الضوء على الميكانزم المنطقي mécanisme logique» الذي يفضي بالفرد إلى الميل نحو إصدار حكم =قيمة دون آخر. لان الحكم، في واقع الأمر، هو: «إثبات واعتقاد على السواء: انه إثبات بوجود هوية إضافة إلى اعتقاد ما.»(39) لقد تعددت وتداخلت شبكات اللغة والنحو والمنطق مع شبكات الأنسجة العصبية للدماغ والأنسجة العضلية ولخلايا الجسم البشري وأخذت خطاباتها السلطوية بالتحول الاستعاري السريع لا سيما مع سيطرة الصورة الميديائية، وصارت حسب تعبير كريمر-ماريتي: (( امبريالية الواقع ألشفاهي.»(40)

تتألف الامبريالية القديمة الجديدة من مجموعة الغرائز التي جرى تحويرها وتغييرها في الإنسان على مختلف مراحل تاريخ التطور اللغوي والمنطقي والنحوي، لذلك –تقول كريمر-ماريتي– إن هذه «الأبنية الديناميكية أي البنية الابولونية –نسبة لإله الإغريق القديمة ابولون رمز التشكيل والانسجام؛ والتطهر بالمعايير وجلد الذات باجترار ذاكرة آثار الأحقاد– هي البنية التي تقودنا نحو تفسير كل شيء؛ إنها تجعلنا نعطي معنى ومقصد لكل العلامات حتى لتلك التي أوجدتها انطلاقاً من رموز ديونيزيوسية –نسبة لإله الإغريق القديمة ديونيزيوس رمز التجاوز لشعور التآلف مع اليومي واثبات الذات في جميع المتغيرات– ؛ إنها محض لعبة تأمل والتفكّر في تأملها الخاص. أفضت البنية الابولونية إلى العقلانية السقراطية –في بعدها الجدلي البرهاني–؛ إلى إرادة الصدق/ الحقّ؛ إرادة المعرفة التي هي في الأصل وهم ميتافيزيقي. أما البنية الديونيزيوسية فموضعها في مركز الأنا الخاص ألحميمي والجماعي في آن، إنها الوحيدة التي تكون واقعة حيّة، أي واقعة-الحياة حيث الواقع التجريبي والظاهراتي هو المظهر. إنها لا تتعلق بالوجود الذي عارضه الفلاسفة بالمظهر، بل بجوهر لاواعي سايكولوجي كوني للإنسان الاجتماعي.»(41)

إن الابستيم المسيطر على الفكر الغربي، هو النظام الاكسيوماتي المعياري؛ العقلاني الوضعي؛ الرياضي الشكلاني؛ المنسجم مع اتساق الحقائق العليا وعلوها وتعاليها عن اللغة اليومية والاستدلالات المتداولة في الواقع المعاش. فكان الكبت طريقاً للخلاص والتطهر “المسيحي الديني” من عالم رجس الصيرورة والزيف والمظهر والاختلاف والمغايرة والتعدد الذي يقع على تعارض كبير مع الأحادية والوحدة والهوية والتطابق والثبات والدوام في المعاني والأشياء. وإن لم تحصل التوبة ويتحقق الغفران، فلا عليك إلا بجلد الذات بسوط إرادة القوة الارتكاسية، ففي جعبة ذاكرة الأحقاد الكثير من الآثار المرضية التي تثير مشاعر الضغينة نحو ذاتك ونحو الآخر. وهذا ما عرضه دولوز بهذه الكلمات: «بدل الوحدة لحياة فاعلة ولتفكير إثباتي، نرى أن الفكر أوكل لنفسه مهمة الحكم على الحياة؛ ومعارضتها بقيم عليا مزعومة؛ وقياسها بناءً على هذه القيّم وتقييدها؛ وإدانتها. وفي نفس الوقت الذي يصبح فيه الفكر سلبياً، نرى أن الحياة تقل قيمتها، وتتوقف عن أن تكون فاعلة، وتقتصر على أشكالها الأكثر ضعفاً، على أشكال مرضية تتوافق لوحدها مع القيم العليا المزعومة. غلبة “لرد الفعل” على الحياة الفاعلة، وللنفي على التفكير الاثباتي.»(42) فتم بذلك استبعاد صيرورة قوة الكلام الفاعلة المبتكرة عند الإنسان، وإحلال «صيرورة-مرضية للحياة كلها، وصيرورة-استعباد لكل الناس الذين يشكلون غلبة للعدمية.»(43) فلا نستغرب بعد ذلك، أن تحكم الأحزاب التوتاليتارية الاستبدادية في أوروبا حسب دولوز: «فأسيادنا هم العبيد الذين انتصروا داخل صيرورة-العبودية devenir-esclave الكلية، الإنسان الأوروبي، الإنسان المدجَّن، الإنسان الأضحوكة… رأى نيتشه أن الدول الحديثة هي مثل حال قرية النمل حيث يستولي القادة والأقوياء عليها بدناءتهم، وبعدوى هذا الانحطاط والسفاهة.»(44)

أن الخطاب المسيطر على الإنسان الحديث، هو خطاب: «أولا-الضغينة والحقد: هذا خطئك أنت، لا هذا خطئك أنت … اتهام ولوم إسقاطي متبادل. هذا غلطتك أنت إن كنت أنا ضعيف وتعيس. الحياة الرادة للفعل تتستر خلف القوى الفاعلة؛ رد الفعل يتظاهر بأنه يقوم بفعل. ليتحول رد الفعل نفسه إلى شيء من قبيل الإحساس؛ إلى “ضغينة” تمارس ضد كل شيء فاعل. نحن نشعر بالخجل من الفعل نفسه… والحياة نفسها مدانة، ومعزولة عن قوتها؛ وعن ما بمقدورها … ثانياً-الوعي السيئ الضال: هذا خطئي … لحظة من الاستدماج. لان القوى الرادة للفعل تبتلع الحياة كما الطعم، فيمكنها العودة لنفسها مجدداً. فهي تستبطن خطئها، وتقول لنفسها إنها مذنبة، إنها تنقلب ضد نفسها. لكنها بذلك، تعطي مثالاً على انه يصلح للحياة بأكملها للانضمام إليها، لتكتسب أقصى درجات القوة المرضية المُعدية – فهي سوف تشكل جماعات رادة للفعل communautés réactives».(45)

كل شيء يبدو وكأنه استعادة واسترجاع لشيفرات الأسلاف المشيدة مسبقاً: «ولهذا السبب –رأى نيتشه– نحن لا نملك معنى غير موجود بالنسبة إلينا. والمعرفة لا تحررنا من هذه الشبكة المعقدة من الحقائق والأكاذيب المؤسِسة للانطباعات الأولى لأسلافنا البعيدين بكثير، انطباعات ما زلنا نحس أنها مواكبة لأحدث الموضات.»(46) وهذا يعود للتفعيل اليومي لاعتقادنا بالمعرفة=المنطق المتداول/ة بواسطة الحُجَج المشتركة المستعملة في استدلالاتنا العادية: «تعبر الضرورة الذاتية في الاعتقاد بالمنطق عن أننا، وقبل أن نكتسب وعياً بالمنطق بزمن طويل، لم نفعل شيئاً سوى إدماج مسلماته داخل الصيرورة، والآن نحن نعثر عليها داخل الصيرورة – فلا يمكننا القيام بخلاف ذلك، ونعتقد أن هذه الضرورة هي الضامن للحقيقة. يبدو العالم لنا منطقياً لأننا جعلناه منذ البداية منطقياً.»(47) وجرى ابتكار معادلة القسر والإكراه بين الكلمات والأشياء، من جهة ومن جهة أخرى، وتنظيم الخطاب بمراقبة ومعاقبة الذات لنفسها ولسانها وجسمها وللآخر على السواء – حسب الفيلسوف ميشيل فوكو–. ولم يكن للابستيم المعرفي ألبرهاني الجبري أن يسود ويغلب لولا سيطرة «المقولة الجوهرية للنزعة المثالية الجدلية l’idéalisme dialectique – حسب الفيلسوف جاك دريدا– أي الإبدال لمعنى استعاري حسي بمعنى آخر روحي، بكلمة أخرى، بالذاكرة المنتِجة للعلامات والمستبطِنة لها، بتدجّينها، وبمحو وحفظ الشكل الخارجي الحسي.»(48) فصار الامتثال للخطاب هو خضوع لمعايير المنطق الهوياتي غير المتسامح مع وجود أي تناقض أو اختلاف أو التباس، وتلاشى التمييز بين حياة الناس الخاصة والعامة، فالجميع مستسلم “بقصديه لاواعية”، ويطبق ميكانيكياً آليات الخطاب في الاستدلال ألبرهاني بناء على مقدمات صائبة مطلقة تضع كل فرد ضمن الفئات والمقولات التي تُرجع كل شيء لأصله وتصنيفه وهويته ومرجعياته. ومن ثمة، يصدر الحكم المطلق مطابقاً الفاعل مع الصفات المسندة إليه، فهو حكم كامل يضع حدود سلوكه الماضي والحاضر والمستقبل ويصدر تقييمه بناء عليها، فلا شيء يختلف عن المقدمات الأولى، ولا مفرّ من قبضة الاستنتاجات الحتمية البرهانية.

يعد المنطق، إذن، علاجاً مثلما كان مع الإغريق الذين كانوا يتبادلون الكلام بوصفه قوة ايتيقية، بل صار هو الداء الذي أثقلت روح الإنسان الحديث. ولم تستطع شعائر جلد الذات طاعة؛ وانفعالاً سلبياً؛ واتهاماً متبادلاً بين الذات والآخر من التخفيف عن الروح الثقيل من أعباء واجب إصدار الأحكام وتكوين التقييمات حسب المعايير السائدة. فأداة الجدل السقراطي هي اسيطرة والمتحكمة في عملية التفكير البشري، لذلك وصف نيتشه الجدل، بأنه: «أيديولوجيا الضغينة»(49) بامتياز. إنها أداة تجعلنا نعتقد بأبدية افاهيم والتصورات والمقولات والأحكام، وتستدركنا نحو الشعور بالخلاص من صيرورة الوجود بالكامل والتماهي في: «جمهور أرواح الماضي كما لا يزال يعيش فينا (اللاوعي الجمعي l’inconscient collectif»(50)، حسب تعبير نيتشه. إن «الجدل dialectique نفسه أطال دورة هذه الحيلة. لأنه الفن الذي يحثنا على استعادة خصائص مستلبَة. فكل شيء يرجع إلى الذهن البشري بوصفه اوتور المحرك والمنتج للجدل؛ أو إلى الوعي لذاته؛ أو حتى للإنسان بوصفه كائن تعميمي. لكن –يتساءل دولوز– إذا كانت هذه الخصائص تعبر في ذاتها عن حياة عاجزة، وتفكير مشوه، فماذا ينفعنا إذن في أن نستعيدها، أو في أن نصبح نحن الفاعل لها/الحامل لهذه المحمولات؟»(51)
جدلية التآلف مع خطاب الحقيقة وهيمنة العشق الارتكاسي:
كان الابستيم العقلاني الأفلاطوني المثالي؛ الأرسطي الواقعي، والديكارتي الرياضي هو العامل الرئيسي في القضاء على القوة البلاغية الايتقية من جذورها، وإقامة سلسلة من الإجراءات يمكن بواسطتها التعامل مع الإنسان كواقعة موضوعية مجردة يمكن اختبارها وفق اقيسة الاستدلال الشكلاني بهدف صورَنة مختلف مظاهر السلوك البشري، ويمكن أيضا ضبط أدواتها في التفكير وطرق الاستدلال والإثبات في المنطق والنحو على السواء، وصياغتها بشكل يجعلها تتسم بالموضوعية والإحكام والصرامة.فبعد قرن من الزمان: «لم نعد نعثر على الحقيقة العليا فيما كان عليه الخطاب أو فيما قام به مثلما كان مع الإغريق حتى القرن السادس ق. م.، بل أصبحت تكمن فيما قال به الخطاب. لقد جاء اليوم الذي تنتقل فيه الحقيقة من الفعل الشعائري بفاعليته وإنصافه؛ من طريقة القول l’énonciation (أي تحقق القول؛ الحدث التاريخي(1)، الحاصل نتيجة وضع أداة اللغة بموضع الممارسة من خلال فعل متفرد في الاستعمال(2))، لتتجه صوب القول l’énoncé نفسه: نحو معناه؛ صيغته الشكلية؛ موضوعه، وصلته بالمرجع référence. بين هزيود وأفلاطون، نشأ تقسيم معين يتعلق بفصل الخطاب الصائب عن ذلك الزائف، قسمة جديدة بعدما لم يعد الخطاب الصائب منذ ذلك الحين هو الخطاب الثمين والمرغوب فيه، ولأنه لم يعد هو الخطاب المرتبط بممارسة القوة كما كان في القرنين الخامس والسادس ق. م. فقد تمَّ طرد السفسطائي.»(3)

نتيجة لذلك، عندما وصل العالم الأوروبي إلى الأزمنة الحديثة لا سيما «في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان الوجود الصائب للغة، ومتانة النسج القديمة للشيء المنقوش في العالم، قد ذاب كلاهما داخل مجرى التمثل، فصارت كل لغة تبرر لخطاب معين. وصار فن اللغة يعبر عن طريقة في التسبب “بإنشاء علامة”، للدلالة على شيء ما، وللتوفر على علامات حوله على حد سواء. أي أنه أمسى فن إطلاق اسم معين، وبواسطة التكرار والمضاعفة البرهانية والزخرفية البلاغية، يتمّ التقاط هذا الاسم والإحكام عليه جيداً وإخفائه لتعيينه من بعد بأسماء أخرى كان وجودها مرجئاً حتى ذلك الوقت.»(4) وهذه كانت بالضبط ما دعاها الفيلسوف ميشيل فوكو بـ”الإجراءات” في عبارته: «أن إنتاج الخطاب في كل مجتمع، مراقبَ ومتحَكم فيه؛ منتقى، ومنتظَم ويعاد توزيعه من خلال عدد معين من الإجراءات يتمثل دورها في إحباط مخططات القوى المتآمرة فيه ودرء المخاطر عنه؛ والسيطرة على الحدث العشوائي فيه، وتجنب رعب الواقعة المادية وثقلها الغليظ.»(5). ولهذا السبب، جاء تعريف فوكو للخطاب، بالقول: «أن الخطاب هو مجموعة من الدلالات المقيِدة والإلزامية التي تمر عبر العلاقات الاجتماعية.»(6)

وهذه السلاسل من الدلالات المقيِدة والإلزامية، ترجع حسب تعبير نيتشه إلى «جمهور أرواح الماضي كما لا يزال يعيش فينا (اللاوعي الجمعي)»، وتظهر بجلاء مع الإنسان الحديث؛ الإنسان المدجَّن؛ المريض؛ الضعيف صاحب إرادة القوة الارتكاسية. فلا حوار ولا مداولة؛ فكل شيء في جمهورية الجدل ألبرهاني ألقسري، هو محسوم وغير قابل للشك ولا للمناقشة. انه إنسان غير قادر على الكلام، فقد تلاشت كل قوة في الكلام، وصار مع النسيج الاستدلالي من المقولات والمفاهيم والتصورات والحقائق، هو مجرد تكرار لفروض طاعة وولاء لعلامات الخطاب وبشكل روتيني مُمِل. والصمت عن الكلام هي “أعلى درجات عزلة” الإنسان والتوقف عن التفكير، إنها حسب وصف نيتشه في محاضراته حول البلاغة، بالقول: «إن إجبار الناس على الصمت، سينحدر بهم إلى درجة ثقافة الخيول أو عجول البحر أو الأبقار. لأننا نرى في هذه المخلوقات ما يعنيه عدم القدرة على الكلام المشابهة لبلادة الروح.»(7) وهذه ليست سوى نتيجة طبيعية لما آلت إليه العلاقة بين الناس أنفسها، فقد تحولت إلى علاقة بين سيد وعبد، مما –كتبت ارندت– ساهم بشكل كبير في استبعاد كل إمكانية للفعل بل وزاد من حجم الفجوة القائمة بين الكلام والممارسة، وهذا بالضبط ما كان يريده أفلاطون عندما شيّد جمهوريته على حقيقة أن الفعل لا يمكن أن يلعب أي دور في الشؤون الإنسانية(8). وهتلر نفسه، أعتبر أن: «التفكير غير موجود إلا بفضل الأوامر التي نمليها أو تلك التي نتلقاها.»(9) بهذه الطريقة جرى القضاء على أن التفكير= للفعل، والخلاص من قوة الكلام الفاعلة، ونشر روح الضغينة والعداء والنكوص والاستسلام، وربما تعبر كلمات هذا التلميذ الألماني مع مثيلاتها الأخرى والمجموعة ضمن الوثائق الحافظة لوقائع الحرب العالمية الثانية عام 1948، بعمق شديد عن ذلك الإنسان المدجَّن؛ المسيَّر؛ الارتكاسي الذي تنبأ نيتشه به وبإرادته الخاضعة لطاعة الأوامر وبطريقة سلبية مرضية للغاية: «ما يهم، هو أن أكون مستعداً للتضحية دوماً، وليس الشيء الذي أضحي في سبيله.»(10)

أن صاحب إرادة القوة الارتكاسية، يفرز خيوط العنكبوت وينسج بها شبكات الدلالات المقيِدة والإلزامية في تفكيره وسلوكه وفي محيطه وعلاقاته مع الآخر أيضا. وهو يبقى يدور ضمن فُلك ذاكرة الأحقاد وآثارها المكبوتة لعصور مضت مع الأسلاف، فتعود بدورتها التصعيدية نحو جلد الذات ومحو الآخر المغاير وتدمير الاختلاف: «يؤدي فكر رد الفعل والضغينة إلى عدم القدرة على الإعجاب والاحترام والعشق، أي السلبية والاتهام الدائم: أنت سيء، إذن أنا جيد.»(11) من هنا، رأى نيتشه أن الإنسان باستعاراته الثلاثة: الجمل؛ الحمار؛ الأسد، إنما يمثل إرادة القوة الارتكاسية المنتجة والمثبِتة للخطاب التقويمي المعياري السائد بكل ما تحمله من ضعف ومرض وهوان وتبعية واجترار، بعدما أصيبت ثقافة الآراء doxa بالركود والثبات نتيجة لحالة الثبات والأبدية في الابستيم المسيطر الذي عمَّم ثقافة الاستدلال ألبرهاني المغيبة لكل اختلاف وتناقض وصيرورة؛ وعزل التفكير عن الفعل؛ ونشر الرعب في حال غياب محتَّم للحجج المشتركة متلازم مع نشأة أي تعارض في الرأي أو ظهور بوادر أولى يمكن أن تطرح موضوع معين للمناقشة والنقد والسؤال. وكانت نتيجة تلك الإجراءات، هي ما أوجزها نيتشه بهذه الكلمات: «هناك أربعة أشياء تقول العقول المستعبَدة أنها مبررة: اولاً- كل الأشياء التي تدوم؛ ثانياً- كل الأشياء التي لا تزعجنا؛ ثالثاً- كل الأشياء التي نجني منها بعض الفائدة؛ رابعاً- كل الأشياء التي من اجلها قدمنا تضحيات.»(12) لهذا السبب، رأى أن: «الآراء السائدة – خمول فردي.»(13) وبهذا الشكل، تمَّ القضاء على الفعل والقرار والاختيار معاً عند الإنسان: «لا يبني العقل المستعبَد اختياره على هذا السبب أو ذاك، بل يختار بفعل العادة.»(14). ويُكمل نيتشه في موضع آخر من كتابه (إنسان مفرط في إنسانيته): «تجعل العادة الناس يكفون عن التفكير في ما يحيط بهم ويكتفون بقبوله. هذا النقص في التفكير يعزى إلى العادة.»(15)

إنسان الضّغْن، لا يعرف الحب = العطاء، فهو إنسان شحيح بخيل، يقيس الأشياء بتقتير بناءً على مقولات ومفاهيم محددة وضيقة، تزيد من انغلاقه وتحصر رؤيته في اتجاه أحادي ثابت. فهناك ثمة ابستيم يحرِّك أسلوبيات التفكير والاستدلال والإدراك والمعرفة في البيت والمدرسة والشارع وفي كل فضاء للتواصل العام، ولهذا السبب انتقد نيتشه نظام التربية الألماني الذي اتخذ من نظام التعليم البايديا على الطريقة الأفلاطونية وليست السفسطائية(16)، انموذجاً له، ووصفه بعبارته القائلة: «يميل الوسط الذي يربي الفرد إلى حرمانه من الحرية إذ يقترح عليه اقل ما يمكن من الإمكانيات. ويعامل المربون الفرد كما لو كان كائناً جديداً، بدون شك، لكن ككائن يرون تحويله إلى نسخة. أن ما نسميه الطبع الحسن لدى الطفل هو بالضبط ذلك التمظهر التدريجي لعبوديته للوجود المعطى بصفة نهائية، وبانحيازه إلى جانب العقول المستعبَدة، يُشرع الطفل في التدليل على استيقاظ حسه القطيعي، وهذا الحسّ هو الأساس الذي سيسمح له بأن يكون فيما بعد صالحاً لدولته ولطبقته.»(17) وأشار تحديداً إلى دور المرأة والرجل في المساهمة بتعزيز إرادة القوة الارتكاسية وترسيخ جمهور أرواح الماضي بكل حمولاتها الأيديولوجية، ففي إحدى الشذرات يتحدث نيتشه عن كيفية نشأة العقل المستعبَد لدى الطفل: «كل أب يُنشىء ابنه بنفس الطريقة: اعتبر هذا وحده حقاً، يقول له، وسترى كم هو نافع. والحالة هذه فأن هذا يعني أن الفائدة الشخصية التي نحصل عليها من رأي ما، تبرهن على أن هذا الرأي حقّ.»(18) وهذا الأمر ينطبق على الأم كذلك، في شذرة بعنوان (الإرث الامومي) كتب نيتشه: «كل إنسان يحمل في ذاته صورة المرأة التي تأتيه من أمه: وهي التي تحتم عليه احترام النساء بشكل عام، أو ازدرائهن، أو اللامبالاة بهن.»(19)

رأى نيتشه في العلاقات الإنسانية، عرض من أعراض الانحلال الذي غلب في عصره. ولعلّ خطاب العشق السائد آنذاك، هو اصدق تعبير عن غلبة إرادة القوة الارتكاسية، فما دام: «إنسان الاضطغان هو إنسان المكسب والربح»(20)، فهو ينظر إلى الحب كمقايضة يحصل منها على مقدار معين من المنفعة إرضاء لأنانية مرضية لا تشبع ابدا: «أفعال الحب اسمى من سواها: ليس بسبب جوهرها بالطبع، لكن بسبب منفعتها.»(21) وبالمثل: «حتى الزواج الذي يستمر، هو ذلك الذي يروم من خلاله كل واحد من الزوجين، بلوغ هدف شخصي من خلال الآخر، مثلاً حين تريد الزوجة أن تكون لها سمعة بفضل زوجها، ويريد الزوج أن يكون محبوباً بفضل زوجته.» ويكمل نيتشه عبارته: «الزيجات التي تتم عن حب (التي نزعم إنها عن حب) يكون أبوها الخطأ وأمها الضرورة “الحاجة”.»(22) وهذا ما دعاه للقول: «فتشت في كل مكان فما رأيت إلا مشترين يقلبون السلع وعيونهم تتدفق مكراً. ولكن، أمر هؤلاء الناس لا يتوصل في نهاية المطاف إلا إلى ابتياع هرّة يدسها في جلبابه.»(23) فلا غرابة إذن من أن ينشأ تحت سيطرة الابستيم العقلاني الأخلاقي المعياري، نمط من العشق الاستهلاكي المتآلف مع صوره وأشكاله المعتادة في الطمع والجشع والأنانية المرضية التي هي جميعاً تعبر عن صفات الإنسان المدجَّن. في شذرة بعنوان (كل ما نسميه حباً)، كتب نيتشه: «غير أن الحب بين الجنسين كثيراً ما ينفضح بجلاء اكبر كإغراء بتملك منفعة خاصة: فالعاشق يريد تملك المرغوب فيه تملكاً يقتصر عليه وحده، يريد أن يمارس سلطة مانعة على روحها، كما على جسدها، يريد أن يكون معشوقاً من طرفها إلى حدود استبعاد أي شخص آخر، أن يسْكُن هذه الروح، ويهيمن عليها كأنه اسمى من يكون وأشهى بالنسبة لها. إذا فكرنا أن كل هذا لا يعود في مداه، إلا إلى حرمان بقية الناس من الاستمتاع بالنفع وبسعادة عزيزة؛ أن العاشق يسعى إلى إفقار وحرمان كل المنافسين الآخرين ولا يلتمس سوى أن يغدو تنّين كنزه، الــــ “آسر”، المحتال، الأكثر تجرداً من الوساوس والأكثر أنانية؛ وأخيرا أن العالم عينه يبدو كله في عيني العاشق، عديم الأهمية، اكمد، لا قيمة له، وانه مستعد للتضحية بكل شيء، للإخلال بأي نظام، لاحتقار أي مصلحة أخرى. فهناك ما سيدهشنا، أن هذا الجشع والجور الهمجييّن للكلف الجنسي جاز لهما أن يكونا مبّجلين ومعظمين إلى هذه الدرجة كما حصل في أي عصر، وانه لو بالغنا في أن نستمد من نوع العشق هذا، مفهوماً للحب باعتباره نقيضاً للأنانية، فأن الأمر ربما يتعلق بالتعبير الأكثر وقاحة عن هذه الأخيرة.»(24)

ولنطالع وصف نيتشه لهذا النمط المريض من الأنانية الذي كان من بين إفرازات نظام الخطاب العقلاني المعياري: «هناك أنانية أخرى تدهورت إلى أدنى دركات المسكنة في مجاعتها المتحكمة أبدا فيها، تلك الأنانية التي تطمح إلى السرقة في كل آن، فهي أنانية المرض بل هي الأنانية المريضة، تُحدِّج كل شيء بنظرات اللص وبنهم جائع. وما مثل هذه الشهوة إلا عرض الداء الدفين ودليل الانحطاط الخفي، وما الطموح إلى السرقة بمثل هذه الأنانية، إلا نزعة من نزعات الجُسوم العليلة.»(25) وهذه الأنانية المريضة إحدى الخصائص الملازمة لصاحب إرادة القوة الارتكاسية/العبد، وممارساته اليومية تكشف عن ذلك بجلاء، فهو: «لا يعرف أن يُحِب ولا يريد ذلك، لكنه يريد أن يكون محبوباً. ما يريده هو التالي: أن يُحَب؛ ويُغذَى؛ ويُروى عطشه؛ ويُدَاعَب؛ ويُنَوَّم. هو الإنسان العاجز المصاب بعسر الهضم؛ البارد؛ المصاب بالأرق، انه العبد.»(26) وتتضح أعلى درجات عجزه عن أن يُحِب، لأنه يكره الحياة من الأصل، ويستاء من كل شيء؛ ويحمل نقمة على الوجود بل وهناك الكثير من الأشياء التي تمده بها ذاكرة الأحقاد والأسلاف لكي يعيد اجترار الإحساس بالذنب؛ وبالضغينة؛ وبالكراهية، وهذا بسبب أن الذاكرة البشرية في الثقافة الارتكاسية: «وُجِهت – حسب المفكر الألماني هربرت ماركوز- نحو تذكر الواجبات وليس المتع، وبذلك ارتبطت الذاكرة بالإحساس بالخطأ؛ ومركب الذنب؛ والخطيئة. وما استقر واستمر في الذاكرة إن هو إلا الشقاء والخوف من العقاب، وليس السعادة ووعد الحرية.»(27)

ومثلما يجب على الذاكرة الارتكاسية حفظ الواجبات، يجب عليها كذلك حفظ قواعد النحو الضابطة لمعايير الروابط الاجتماعية والنظام الجنساني الخاص بكل خطاب ثقافي معين حيث: «يوجد مُثُلٌ idéaux للذكورة والأنوثة، وتفسيرات للطبيعة الإنسانية العليا والتي توفر معاً وسائل تحديد هوية الشخص بأكمله (على الأقل في المجتمع الغربي) وتشكل أيضا مصدر سرديات يمكن استعمالها بألف طريقة لغرض الاعتذار؛ التبرير؛ الشرح أو للتعبير عن رفض سلوك فرد أو طريقته في العيش، هذه السرديات/المعايير يمكن تناقلها بواسطة الفرد المعني وكذلك من قبل أولئك الأشخاص الذين لديهم أسباب للحديث نيابة عنه.»(28) أضف إلى ذلك، أن استجابات الأفراد أنفسها دخلت ضمن هذا النظام الخطابي السائد، وصارت تتجه نحو تنميط كل شيء وإدراجه ضمن المقولات المعرَّفة في إعدادات الذاكرة مسبقاً. وهذا الأمر يسري على خطاب العشق أيضا: «يكفي أن يستسلم المرء لرغباته، أن لا يسيطر على نفسه، أن يطلق العنان لغضبه وشبقه، وفي الحين سيصرخ كل الناس: كم هو عاشق.»(29) ومن بين تلك القوالب الجاهزة لان يُدرج فيها كل شيء دون الإبقاء على أي جسم أو ظاهرة غريبة ومختلفة، منعاً لوقوع الفوضى واستتباباً للأمن في أنحاء الذاكرة الارتكاسية، ما وصفه نيتشه بهذه الكلمات: «بما انه عادة ما يكون من بين كل شخصين متحابين، واحد يُحِب والآخر محبوب، فقد انتهى الناس إلى الاعتقاد انه يوجد في كل علاقة غرامية قدر ثابت من الحب: كلما اخذ منه احد الطرفين كلما قلّ ما تبقى منه للآخر. يحدث استثناء، أن يُقنِع الغرور كل واحد منهما، بأنه هو الذي ينبغي أن يكون محبوباً بحيث يحاولان كلاهما أن يكونا محبوبين: وينتج عن ذلك، وخاصة لدى المتزوجين، عدد من المشاهد ينافس فيها الهزلي العبثي.»(30) وفي شذرة له بعنوان (كيف أن للجنسين حكمهما المسبّق بخصوص الحبّ)، كتب نيتشه: «أن الرجل والمرأة يقصد كل واحد منهما شيئاً مختلفاً بكلمة حب – ومن شروط الحب لدى الجنسين أن الواحد لا يفترض في الآخر نفس عطاء الإحساس، نفس مفهوم الـــــــ “حب”. ما تعنيه المرأة بالحب واضح جداً: عطاء الجسد والروح الكامل (ليس التخلي فقط) دون تقييد ولا تحفظ، يرافقه بالأحرى خجل ورعب عند التفكير في عطاء مشروط وعرضي. أن حبها، في هذا الغياب للشروط، إيمان: ما للمرأة إيمان غيره.»(31) البحث عن المقصد والمعنى الذي تشكلت به ذاكرة الإنسان الحديث، ونَقَش في طيَّاتها الميكانزمات المنطقية والنحوية، كانت من بين القضايا الإشكالية التي سعى نيتشه لتقويض بنيتها التحتية في خطابات الفلسفة واللغة والمنطق والعلوم الإنسانية أيضا. وقد كتب في أفول الأصنام: «أن يُتخَذ شيء معلوم مسبق، معاشاً عن تجربة، مثبتاً في الذاكرة، كعلة. أن كل شيء جديد؛ غريب؛ مجهول غير مقبول كعلة. لا نكتفي، كذلك، بأن نتلمس نوعاً معيناً من التفاسير كعلة، بل صنفاً من التفاسير أُنتخِب بعناية وحظي بالامتياز، تلك التي تسمح غالباً وبأسرع ما يمكن، بإقصاء الشعور بالمجهول؛ بالجديد؛ بالغريب: أي التفاسير الشائعة جداً. النتيجة: أن نموذجاً معيناً من التفاسير يتغلب أكثر فأكثر، يتكاثف على شكل نظام، وينتهي بأن يهيمن كلية على العلل والتفاسير أو بالأحرى يقصيها بلا قيد ولا شرط. وفي الحال، يفكر الصيرفي في “الأعمال”؛ المسيحي في “الخطيئة”، والفتاة في حبها.»(32)

يبحث كل من الرجل والمرأة عن مثالهما الخاص في الآخر: «أن الرجل يشكل صورة عن المرأة، والمرأة تظهر طبقاً لهذه الصورة.»(33) وفي كتابه (إنسان مفرط في إنسانيته)، كتب نيتشه: «لهذا فإن الرجال، أثناء اختيار شريكة الحياة، يبحثون قبل كل شيء عن كائن روحي عميق، بينما تبحث النساء عن كائن متألق، حاضر البديهة وفطن. نرى جلياً أن الرجل يبحث، في الحقيقة، عن الرجل المثالي، والمرأة عن المرأة المثالية، أي كل واحد يبحث ليس عمن يكمله بل عن كمال مزاياه الخاصة.»(34) وفي العلم المرح، أشار نيتشه إلى مجموعة المعايير الخطابية المحدِدة والمنظِمة للممارسات الاجتماعية والجنسانية: «أن الرجل حين يحب امرأة، يتطلب منها هذا الحب بالضبط، فهو نفسه ابعد واحد عن هذا المبدأ القبلي بالحب النسائي. لكن، إذا افترضنا انه قد وِجد كذلك رجال لم تكن هاته الرغبة في التخلي الكامل غريبة عنهم فأنهم لن يكونوا إذن – رجالاً. الرجل الذي يحب مثل المرأة، يصير عبداً – لكن المرأة التي تحب كأمراة تصير بذلك امرأة أكثر كمالاً. شغف المرأة بتخليها التام عن حقوق خاصة يَفترض بالضبط انه لا يوجد لدى العاشق لا شفقة ولا إرادة تخلٍ مشابهين: لأنه لو تخليا عن نفسيهما، بالحب، فقد ينتج عن ذلك، لست ادري، ربما فضاء فارغ؟» أما المرأة فهي: «تريد أن تؤخَذ، أن تُقبَل كملكية، تريد أن تزدهر في مفهوم “الملكية”، “أن تكون مملوكة”. وبالتالي، فهي ترغب في رجل يأخذ، لا يعطي نفسه ولا يتخلى عن نفسه بالمقابل، عليه أن يصير أكثر غنى في “نفسه” – بفائض قوة، بفائض سعادة، بفائض إيمان، وذلك يشكل ما تعطيه إياه المرأة حين تعطي نفسها. المرأة تتخلى عن نفسها، الرجل ينمو أكثر.»(35) لكن، ألا: «يفترض هذا، أن الآخر أناني كفاية كي يقبل هذه التضحيات؛ هذه الحياة التي توهب له: بحيث أن الكائنات المحبِّة والمضّحِية يفيدها بقاء الأنانيين العاجزين عن الحب والتضحية، وانه على الأخلاقية الأسمى بالضرورة كي تبقى، أن تجبر اللااخلاقية على الوجود (وهو ما ستقضي به على نفسها)»(36) وبأسلوبه التهكمي النقدي الساخر، وصف نيتشه المتاهة اللامتناهية للروابط الاجتماعية الزائفة: «حين نتحاب نرغب أن تظل نقائصنا خافية عن الأعين – ليس خيلاء، لكن لئلا نجعل الكائن المحبوب يعاني. والمحب يريد، في الواقع، أن يبدو إلهياً– وهذا ليس خيلاء.»(37) بل: «كثيراً ما يجهد المخطوبون أنفسهم، بدافع من اللياقة المتبادلة، ليحبوا بعضهم حتى يتفادوا اللوم على البرودة وعلى الحساب المنفعي.»(38)

وهذه الممارسات الاجتماعية للخطاب حسب رأي نيتشه، هي غير منفصلة ابداً عن الخطاب الديني السائد آنذاك: «كل نظم المجتمع: الزواج؛ التربية كلها تستمد قوتها ودوامها من إيمان العقول المستعبَدة – إذن من غياب الحُجَج، أو على الأقل من رفض تحري الحُجَج، هذا ما لا تحب العقول المستعبَدة أن تعترف به إلا فيما ندر، إنها تشعر به كشيء مخجل. والمسيحية، لم تشأ أن ترى شيئاً من هذا المخجِل؛ كانت تشدد على نجاحات الإيمان: كانت توحي للناس بأنهم سيشعرون بميزة الإيمان وبواسطته ستأتيهم السعادة»، ليكمل: «لنجبر، على سبيل المثال، عقلاً مستعبداً على الإتيان بأسباب ضد الزواج من امرأة ثانية وسنرى جيداً إذاك إن كان تحمسه المقدس للزواج بواحدة يرتكز على حُجَج أم فقط على الاعتياد. والاعتياد على مبادئ فكرية مجردة من الحُجَج هو بالضبط ما نسميه ايماناً.»(39) ومع زيادة تآلف العقول المستعبَدة على شبكات الاعتياد مع الحُجَج المشيَّدة مسبقاً، تتضخم مشاعر الإيمان والاعتقاد بحقائق الممارسات الخطابية المفروضة، وينشأ الخوف والرعب من سلطة الخطاب اللامرئية: «يحيطنا الاعتياد بشبكة من خيوط عنكبوتيه تشتد صلابتها أكثر فأكثر وسرعان ما نتنبه إلى أن هذه الخيوط قد صارت بحيرات وأننا نحتل منها الوسط، كالعنكبوت التي وقعت فيها وليس لها سوى دمها تلتهمه.»(40)

ولطالما كان الإيمان الدوغمائي عنصراً مولِّداً لإرادة قوة ارتكاسية تحض على الضغينة والحقد وكراهية الحياة ومتعها الجمالية، وتدفع نحو الموات والهوان والضعف والرغبة الشديدة بالانتقام: «ما رأيت زوجين لا تكافؤ بينهما إلا وتبين فيهما عاطفة الانتقام، إذ يتحول نفور كل منهما إلى عداء للناس.»(41) وبطبيعة الحال، هذه الخطابات هي إفراز “طبيعي” للابستيم المنطقي الأرسطي الواقعي؛ المعياري؛ الاكسيوماتي السائد الذي غيَّب قوة الكلام الحِجاجية البلاغية الايتقية كفعل، ونصّب بدلاً عنها سلطة البرهان القسرية الإلزامية والجدل السقراطي الصاعد نحو تقمص حقائق عليا مطلقة وهمية بهدف تحقيق أعلى مستويات التشريط الخطابي للممارسات الاجتماعية. لقد: «نسي “الآدميون” إنهم أجساد. لقد جعلوهم ينسون ذلك. الكنيسة قائمة، اولاً، على نكران الجسد، وكل ما تفعله هو أن تقيم قوتها فوق أجساد قهرتها وامتلكتها وخلَّصتها من كل رغبات خاصة وكل إحساس بالفردية.»(42)

هكذا، كلما زاد انضباط وصرامة عمليات التفكير والاستدلال، زادت قدرة التحكم في “الجيوش الهائلة” من التمثلات والإحساسات ومن سهولة تصريفها في الأماكن المخصصة لها داخل نظام الخطاب، ولا يمكن لأي شيء أن يخرج عن منظومة المتماثلات والتشابه المنظَم، إلا من تم إصدار الحكم المطلق بأدراجه من الأساس ضمن مقولات: الهامش؛ والمجهول غير المعرَّف؛ عديم الأصل؛ المرضي؛ غير السويّ؛ فاقد للصواب… الخ. وعلى هذا الغرار، لا توجد كلمة أو معنى يمكن أن تقع خارج قاموس خطاب العشق السائد، فلكل كلمة معنى محدد، يجري التصرف على أساسها ولا يصلح الخروج عنها، لان ذلك من الممنوعات والمحرَّمات. ولاحظ نيتشه تحولات الخطاب غير الأخلاقية وغير الايتيقية بالمرة، عندما تفحص عن قرب بنية العلاقات الاجتماعية المزيفة والمخادعة، والتي تلقى المباركة سواء من الخطاب الكنسي، أو من أنظمة الخطابات المسيطرة. واكتشف، حينذاك، عمق المنحدر الذي يدفعون بالإنسان للوقوع فيه، وأي نمط ارتكاسي؛ عاجز؛ مريض، ومعتل أوصلوا إليه الفرد. ولنأخذ، على سبيل المثال، تشكلات معاني الوفاء والحب عند كل من الرجل والمرأة حسب تصنيفات قاموس خطاب العشق السائد: «أن الوفاء متضمن في حب المرأة ومتفرع عن تعريف الحب نفسه: لدى الرجل يمكن أن يتولد الوفاء بسهولة من بعد حبه، – وهذا على الأقل ما يمنحنا بعض الحقّ في التحدث عن تناقض طبيعي بين الحب والوفاء لدى الرجل: هذا الحب ليس سوى إرادة امتلاك وليس تخلياً ولا تركاً قط. والحالة هذه، إن إرادة الامتلاك تتوقف بمجرد ما يكون هناك امتلاك ما. في الواقع، أن ظمأ الامتلاك الدقيق والحذر عند الرجل، هذا “الامتلاك” الذي لا يعترف به إلا نادراً، وبشكل متأخر، هو الذي يوجد الحب لديه، وبهذا يحتمل أن يزداد أكثر بعد تخلي المرأة – فالرجل لا يقبل بسهولة أن يتبقى للمرأة شيء “تتخلى” له عنه.»(43)

أضف إلى ذلك، إن التشكلات الخطابية الجنسانية الموزِعة لادوار الأفراد داخل نظام ثقافي معين، سمحت بظهور إفرازات مشوهة للتكوين السايكولوجي والجسدي عند كل واحد منهم. وهذا ما لفت إليه نيتشه، لا سيما في حديثه عن أمراض التقمص والتماهي الأعمى مع أنموذج مثالي متصَوَر ووهمي لأي نمط من أنماط العلاقات الاجتماعية: «بسبب الحب تتخذ النساء بصفة نهائية، الشكل الذي به تحيا في خيال الرجال الذين يحبونهن.»(44) لكنه، وهم سرعان ما يختفي: «هيام النساء بالحب هو، في الأصل، ابتكار أوجدته حِدة ذهنهن، بحيث أن كل أمثلات الحب تصلح لهن كوسيلة لزيادة قوتهن والظهور دائماً مرغوبات أكثر من الرجال. لكن، هذا الاعتياد القديم على هذا التقدير المبالغ فيه للحب جعلهن يقعن في شركهن وينسيّن هذا الأصل. إنهن الآن مغفلات أكثر من الرجال، وهن بهذا يعانيّن أكثر من زوال الوهم الذي يحدث في حياة كل امرأة بشكل يكاد يكون حتمياً – إن افترضنا أن لها ما يكفي من الخيال ومن الذكاء لتعرف الوهم وزوال الوهم.»(45) وكان نظام التربية هو احد أهم الأسباب التي أدت إلى تشكيل وصياغة المرأة بهذا الشكل النمطي: «كل الناس متفقون على تربيتهن في اكبر جهل ممكن بالايروسي لترسيخ حشمة عميقة في نفوسهن من هذه الأسئلة، ونفاذ صبر عميق وشيء يشبه الرغبة في الفرار في الوقت نفسه. باختصار، هنا فقط يبدو أن كل عفة النساء قد استخدمت: ألا نوفر عليهن ذلك أكثر مما ينبغي! غير أننا نحرص على أن يبقين غير واعيات في هذا الصدد حتى أعمق قلوبهن: ينبغي ألا تكون لهن عيون؛ أذان؛ كلام؛ أفكار لهذا الــ “أذى” الذي سيكون صالحاً لهن: ذلك أن مجرد المعرفة به هي الشر بعينه.»(46)

لقد أوجدت المرأة –حسب نيتشه– استراتيجيات دفاعية وطوَّرتها على مدار تاريخ العبودية والاستلاب والتهميش بوصفها لا ترقى حتى لمستوى الأقليات المستبعدة: «فوجودهن يقتضي أن يشعر الرجل بثقله الخاص وإرهاق إحساسه بذلك. هكذا، يدافعن عن أنفسهن ضد “حقّ القوي على الضعيف”.»(47) وهنَّ: «عرفن بخضوعهن، كيف يضْمِنّ الامتياز والتفوق، بل حتى السيطرة.»(48) وكل خطاب للآخر/ الأقلية/ المغاير/ المرأة هو خطاب مُستبْعَد ومغيَّب من الوعي الجماعي كله، لكنه مستوطَن لذاكرة الآثار اللاواعية، ومخزون لسرديات الأحقاد المحفِزة لميكانزمات إرادة القوة الارتكاسية بمختلف آليات رد الفعل السلبية الدافعِة نحو التدمير كلياً في اغلب الأحيان: «المرأة الضعيفة: ليس هناك من كائن يفوقها تفنناً عندما تريد أن تسيطِر وتَقهَر وتَستَبِد. المرأة المريضة لا توفر أحياء ولا اموات من اجل الوصول إلى غايتها. إنها تنبش الجثث المطمورة في أعمق القبور.»(49) لقد وجه نيتشه النقد للخطاب الجنساني الذي عمل على تكوين خطاب متطابق هوياتي للمرأة، وجعل منها تلك «القوة الأنثوية الجهنمية؛ النافية والواعظة؛ الأم الرهيبة؛ أم الخير والشر، تلك التي تحط من قيمة الحياة وتنفيها.»(50) فصارت «الأنوثة تمثل هنا روح الانتقام والاضطغان اللذان ينفحان الحياة في الرجل بالذات.»(51)

مابعد توتاليتارية خطاب العلوم الهوياتي: ديمقراطية ايتيقا الكلام:
لقد كشفت الممارسات الاجتماعية الارتكاسية آنذاك للفيلسوف نيتشه، عن أعراض الهزال الذي أصاب أُطُر التفكير/ والكلام البشري بأكملها، وسلَّطت الضوء على الخطاب الوضعي والتجريبي والشكلاني المسيطِر على ابستمولوجيا اللغة والمنطق والفلسفة والعلوم الإنسانية أيضا. لان خضوع هذه العلوم، لمبدأ العزلة المنهجية والأكاديمية بين التخصصات ورفضها لمبدأ التعددية والتداخل بين المناهج والعلوم، كان له دور أساسي في سيطرة خطاب اكسيوماتي ودوغمائي في الخطاب الأكاديمي والتعليمي والثقافي من الجهة الأولى. وساهم، من الجهة الثانية، في إعادة نسج خطاب “الدلالات المقيِدة والإلزامية” -على حد تعبير فوكو-؛ أي اجترار لخطاب الحقيقة حسب نيتشه. فاللغويون استندوا بالمقام الأول، في تحليلهم للغة العادية على ميتالغة/اللغة الصُنْعية métalangage الموضوعة لدراسة الظاهرة اللغوية، أي إنهم «تولوا من جانبهم استئناف إما التمثلات التي تشكلها اللغة عن نفسها؛ أو العمليات processus التي تكوّن هذه اللغة بها قاموس مفرداتها الخاصة»(1). وفي كلتا الحالتين، اعتبروا هؤلاء اللغويون أن هذه التمثلات صادقة وسارية المفعول، أي أن العبارة “أ” هي “أ”؛ ولا يمكن أن تكون غير “أ”؛ هي حقيقة بذاتها ولذاتها، استناداً إلى المبدأ المنطقي القائم على الحكم بصدق العبارة التي تتألف من مسند ومسند إليه تجمعها رابطة منطقية=نحوية=واقعية. وفي الوقت نفسه، قاموا بنفي التناقض عن صيرورة الوجود، وتغييب السياقات الثقافية والتاريخية تماماً، وتعاملوا بشكل تجريدي مع الظاهرة اللغوية التي هي من لحم ودم. وهذا الأمر، -حسب السوسيولوجي بيير بورديو- «يشير هنا، إلى إضفاء نمْذجة مثالية idéalisation لمجموعة معينة من الممارسات اللغوية التي تتبلور تاريخياً، وينطوي ظهورها على عدد من الشروط الاجتماعية.»(2)

واللغويون، هم مثلهم في ذلك مثل حال المناطقة والفلاسفة وبقية المختصين في العلوم الأخرى، انحرفوا عن البحث في طريقة القول l’énonciation واتجهوا صوب القول l’énoncé نفسه، أي إلى معناه؛ وصيغته الشكلية؛ وموضوعه، وصلته بالمرجع référence، حتى رأينا، حسب عالم اللسانيات الفرنسي اوزفالد ديكرو: «أن هناك ميتالغة، بزعم علمي، آخذة بالتشكل، سواء كان بصورة مباشرة أو غير مباشرة، انطلاقاً من طريقة القول داخل اللغة، وهذه الميتالغة métalangage تحاول أن توهمنا أنها تقوم بتسمية وتعيين أشياء؛ خصائص أو مفاهيم هي في الواقع، ليس لها وجود آخر سوى أن تكون الدعامة التخيُّلية لخطاب متطابق.»(3) فلا غرابة من أن تكون الممارسات اللغوية اليومية أمثال «الاعتراف للآخر بالحق في الكلام؛ والأشكال المقترنة للقوة والسلطة التي تنفذ ضمنياً لجميع المواقف التواصلية، هي من بين الممارسات التي يتم تجاهلها من قبل اللغوي الذي يعتبر أن التبادل اللغوي كعملية ذهنية بسيطة تختص بالترميز وفكّ رموز الرسائل النحوية المصاغة جيداً.»(4)

وينطبق الشيء نفسه على المناطقة الذين طالما كانوا يرون أن: «أُطُر تفكيرنا ثابتة، والوقائع التي نُطبّقها عليها لم تُظهر جوانب يمكن أن نعتبرها جديدة، فالمشكلة الرئيسية التي كان عليهم مواجهتها هي فقط مشكلة تكوين أي صياغة مبادئ/مفاهيم تبدو متطابقة مع الفروق الطبيعية للأشياء. والمشكلة الوحيدة التي تؤخذ بعين الاعتبار هي تصنيف classification تلك المفاهيم ضمن مقولات قيّمية معينة. وبالطبع، داخل عالم متسق كهذا، لم يكن لمسألة ترشيح qualification المعطيات وإدراجها ضمن مراتب تلك المقولات، أي، تطبيق المفاهيم على موضوع الخطاب في الواقع، أن تمثل أي صعوبة تُذكر، خصوصاً وان الأمر يتعلق بمبادئ/ مفاهيم مكوّنة ومصاغة كما ينبغي وبالشكل الذي يجب أن يتمّ الترشيح فيما بينها بطريقة لا تقبل الجدل والنقاش ولا حاجة فيها لأي عمل إبداعي من جانب العقل البشري. في مثل عالم كهذا، حيث تبدو أُطُره مُعرَّفة ومحدَدة بشكل قطعي ويُفترض فيه من حيث المبدأ على الأقل، أن حقيقة الوجود معروفة من قبل عقلٍ غير متناهٍ، تهيمن فيه النزعة الواقعية الفلسفية التي ترى أن المبادئ/المفاهيم متطابقة مع الوقائع المعطاة مسبقاً، وأنها بطبيعة الحال، ليست إلا صورة طبق الأصل.»(5)

أما فيما يتعلق بالفلسفة، فمن المعروف: «أن الفلسفات الكلاسيكية لم تولِ اهتماماً كبيراً بجمهورها المخاطَب auditoire، أو بالأحرى، هي لم تبذل ولو القليل من الجهد وبالطريقة التي تتوافق مع متطلبات وقضايا مخاطبيها في الواقع. بل على العكس، لقد طالبت القارئ ببذل قصارى مجهوده في التطهر والزهد حتى يكون قادراً على بلوغ الحقيقة. وعادة ما تستند في ذلك، على الزعم القائل أن الحقائق التي تتأسس على العلاقة بين الذات والموضوع؛ الأنا والعالم، الأنا والإله، هي حقائق تُلزم كل كائن عاقل على التسليم بصحتها، لأنها معروفة ومتميزة بخصائص البداهة والوضوح الذاتي. وبهذه الطريقة، أصبح استعمال أفكار كلية ومطلقة وكونية أمثال الحقيقة؛ العقل والبداهة وغيرها، ذريعة تسمح بالاستغناء والتغاضي عن أهمية تحقيق الاتفاق الفعّال والمؤثر effective عند الجمهور المخاطَب مع القضية موضوع النقاش.»(6). لذلك، رأى جيل دولوز: «أن تاريخ الفلسفة من السقراطية حتى الهيغلية، يبقى قصة طويلة من الاستعباد للإنسان؛ ومن الأسباب التي كان يعطيها لنفسه من اجل إضفاء الشرعية على استعباده.»(7)

من هنا، يتضح أن خطابات العلوم قامت بالأصل على ثنائية الأخذ باللساني الحرفي؛ وترك البلاغي التعددي من الظاهرة المدروسة. فكانت بقدر ما تثبت البنية الابولونية/أو المكوَّن اللساني composant linguistique في الظاهرة اللغوية، بقدر ما تنفي البنية الديونيزيوسية/أو المكوَّن البلاغي composant rhétorique حسب التصنيفيين النيتشوي-الديكروي. ويعبر المكوَّن الأول عن «الوصف الدلالي اللغوي description sémantique الذي يسند لكل قول معنى معين بشكل مستقل عن كل سياق contexte.»(8). وحتى يمكن أن نفهم معنى المكوَّن البلاغي، يجب، في البدء، أن «نعترف أن للقول الواحد عدد كبير من القراءات المختلفة، وان كل واحدة منها هي صورة ممكنة لطريقة القول: فقد يبدو القول بالنسبة لأحد المتحاورين أثناء الحديث، أنه أمر موجه إلى المتلقي؛ وبالنسبة لواحد آخر، هو توسل إليه.»(9) ولما كان للقول “أ” دلالة معينة مسند إليها وظروف محددة يجري فيها نطق القول “أ”، فأن مهمة المكوَّن البلاغي تقوم على التنبؤ بالدلالة الفعالة لذلك القول في موضع معين(10). بعبارة أخرى، بمقدار ما تشكَّلت البنية الابولونية/ المكوَّن اللساني على الافتراضات المشيّدة مسبقاً présupposés التي تنفي وتزيح الآخر/ المختلف/ المتناقض، وعرضت «نفسها كدلالات بديهية؛ كإطار لا جدال فيه حيث يجب أن تدوَّن فيها المحادثة وبشكل ضروري كعنصر من عناصر الكون الخطابي.»(11) فأن خطابات اللغة والمنطق انحسرت بشكل عام في دراسة «القيمة الدلالية valeur sémantique لتلك الأبنية»(12)، والتي «تبدأ من الجملة وتنتهي إلى الدلالة»(13)، أي إلى إثبات المعنى الحرفي sens littéral المستقل عن ظروف الكلام.

في مقابل ذلك، نلاحظ مع المكوَّن البلاغي أن «عملية تأويل القول تبدأ من الدلالة لتتجه نحو المعنى، وهي وحدها التي تأخذ بالاعتبار ظروف الكلام.»(14) وبذلك، فهو مكوَّن يشتغل من الجانب الأول على المعنى الحرفي؛ أي على وظيفة الدلالة الفعالة في إنتاج قيمة معينة وتحييد أخرى في موضع خطابي محدد، ومن الجانب الثاني، يشتغل على ظروف طريقة القول التي تدخل للمرة الأخرى في عملية التأويل البلاغي(15). وبهذه الطريقة، يتمكن المكوَّن البلاغي من الاشتغال على تقويض قوانين الخطاب(16) التي تعبر عن «مجموعة المعايير المفروضة على طريقة القول، أي على استعمال الجُمُل phrases، وإنتاج الأقوال.»(17) وهذا ما يستلزم فك شيفرات/ الدلالات المقيِدة والإلزامية التي تمرّ عبر العلاقات الاجتماعية من خلال الدعامة التخيُّيلية لخطابات العلوم، ويجب تحري الحُجَج المؤلفة للنظام الابستمولوجي لهذه الخطابات لنتمكن من فهم الكيفية التي سمحت لقوانين الخطاب أن «تُعين لجملة ما، معناً من نمط إخباري informatif بالأساس وليس حِجاجي (ليس تداولي بشكل عام)»(18) علماً أن اللغة «تحمل وظيفة أخرى غير تناقل المعلومات»(19). إن «وظيفة اللغة الأولى هي أن تقدم للمتحاورين مجموعة من نماذج للأفعال النمطية الشائعة، تتيح لهم أن يلعبوا ويفرضوا عدة ادوار متبادلة بين بعضهم البعض.»(20) وهو ما يشير إلى الجانب الاستيطيقي والايتقي في الكلام والممارسات الاجتماعية/ اللغوية.

بكلمة أخرى، وحسب اللغة النيتشويه، أن اقتصار خطابات المنطق واللغة والفلسفة والعلوم الإنسانية على الاشتغال داخل نظام المكوَّن اللساني، كان من الجهة الأولى يعيد إنتاج خطاب إرادة القوة الارتكاسية العدمية؛ المنفعِلة؛ النافية للحياة؛ للصيرورة؛ للآخر؛ للاختلافات؛ للبنية الديونيزيوسية، أي للمكوَّن البلاغي الايتقي للكلام. وعاملاً اساسياً من الجهة الثانية، في إثبات وترسيخ سلسلة الافتراضات المشيدة مسبقاً؛ والمقولات؛ والمفاهيم؛ والتصورات؛ والدلالات والروابط بين المسندات والمسندات إليها والتي تؤلف معاً الرأسمال اليومي لاجترار الخطاب السائد. وهنا، نعيد طرح سؤال دولوز بصيغة مختلفة بعض الشيء، وهو إذا كانت جميع هذه الخصائص المكونة لثقافة المعنى الحرفي والاعتقاد الدوغمائي، تعبر في ذاتها عن حياة عاجزة، وتفكير مشوه، وممارسات اجتماعية مريضة، فماذا ينفعنا إذن في أن تستعيدها خطابات علوم المنطق واللغة والفلسفة والعلوم الإنسانية، أو في أن نصبح نحن الفاعل لها/الحامل لهذه المحمولات؟

لقد وجه نيتشه ضربات مطرقته النقدية نحو جينالوجيا المنطق واركيولوجيا العلوم والابستمولوجيا المعيارية الوضعية التي كانت عاملاً اساسياً في تثبيت ابستيم العجز المسيطر آنذاك. وكأن التاريخ يعود بنفسه إلى ذاك الانحراف الذي حصل ليس مع المنطق فقط، بل مع الفلسفة والبلاغة والحِجاج والعلوم الاجتماعية والنظرية السياسية خلال القرنين الخامس والسادس ق. م. في الحضارات الإغريقية والرومانية القديمة، ولتعود صورة الانفصال نفسه بين التفكير والفعل؛ وبين الكلام والفعل، وبين الأفراد أنفسهم ليزدادوا عزلة وانعزالاً. واكتشف بذلك، أن المنطق انحرف عن مهمته الأساسية وصار جزء لا يتجزأ عن روح اللوغوس الثقيل.

من هنا، سعى نيتشه إلى تقويض نظام المنطق ونقد طرق التفكير ووسائل الاستدلال. لأنه رأى في المنطق تلك الفاعلية التي تساعدنا على: «فهم العالم الواقعي بالاستناد إلى ترسيمة للوجود الذي قمنا ببنائه، أو بدقة أكثر، الذي نشيده بالطريقة التي يمكننا أن نصوغه فيها، والتنبؤ بها.»(21) وحاول استعادة طاقته وقوته المنسية والتي تعتبر من «الشروط الحيوية لكل فاعلية إنسانية بما في ذلك الفاعلية الاجتماعية والدينية والمنطقية.»(22) وهذه الفاعلية إما أن تكون نافية؛ واعظة؛ رادة للفعل؛ ومدفوعة بحب التدمير والهدم الكلي؛ وإما أن تكون فاعلة واثباتية للحياة للتنوع والتعدد في الخطابات والثقافات. إما أن تكون حافظة لذاكرة الأحقاد والأسلاف وتلوذ تحت “مِظلة” معاييرها الصارمة من عصف برق الاختلافات والظواهر غير المتآلف عليها؛ وإما أن تمسك “السوط” لا لجلد نفسها والآخر، وإنما لتتذكر سلسلة المفاهيم المغيَّبة عن ارث الثقافة الارتكاسية، ومجمل التقييمات التي جرى تحييدها وإدغامها وتقوم بإعادة النظر فيها ومراجعتها من جديد.

ومن اجل تحقق مثل ذلك التحول في الخطابات الذي سوف يساهم في «إعادة تشكيل العلوم –حسب دولوز–؛ وطبع اتجاه جديد عليها؛ وجعلها علوم فاعلة وليست رادة للفعل: أي علم تشخيص الأعراض المرضية؛ علم تشخيص المواضع الأيديولوجية المُعمَّمة؛ علم جينالوجي.»(23) حدد نيتشه عدداً من الاعتبارات الجديدة الضرورية: «الابتعاد عن التأمل في الروح وتركيز الانتباه على الذات ولغتها؛ الابتعاد عن التأمل في المثال وتركيز الانتباه على جمهور أرواح الماضي كما لا يزال يعيش فينا (اللاوعي الجمعي)؛ الابتعاد عن التقليد الضيق للمنطق للانفتاح على الأبنية التحتية؛ الابتعاد عن سلطة الحقيقة القديمة لفهم الحقيقة كتأويل يهدف إلى تحقيق سلوك كوني يعيد إدماج الفرد ضمن تشكيلاته البايواجتماعية biosociales»(24). وعليه، كيف سيكون هناك ثمة عود ابدي للمتشابه المتطابق الهوياتي= لقوانين الخطاب المسيطرة، وليس ثمة عود انتقائي للمختلف والمغاير –حسب اللغة الدولوزية–؟

إن التحول بخطابات علوم اللغة والمنطق والفلسفة والعلوم الإنسانية من إرادة الابستيم الارتكاسية إلى إرادة الابستيم الاثباتية، يتلازم بالضرورة مع تشكيلات جديدة للتفكير وللاستدلال والكلام، وبالتالي على الممارسات التواصلية كلها. أي انه: طريقة جديدة في الوجود؛ في التفكير؛ في الإحساس والشعور(25)، أي تقييمات جديدة وفاعلة تسعى إلى إثبات قيّم الحياة والحب والفرح: «يكفي أن نبدع أسماء جديدة؛ تقديرات، احتمالات جديدة لنبدع على التمادي “أشياء جديدة”.»(26) وهنا تكمن إرادة الإنسان الفاعل: «ما الأصالة؟ أن ترى شيئاً ليس له اسم بعد، لا يمكن تسميته بعد، وإن كان تحت أنظار الكل. وغالباً ما كان الاصلاء هم أولئك الذين أطلقوا الأسماء على الأشياء.»(27) الإنسان الحرّ الذي يثبت الاختلافات وقادر على استيعاب الجديد غير المعتاد، لان إثباته لصيرورة الوجود هو إثبات من اجل الحياة؛ هو شجاعة من اجل الوجود حسب الفيلسوف بول تيليش.

هكذا، سنكتشف أن «الصدق vrai هو فن؛ ومنْتج لمَلَكَة القصّ عند الإنسان؛ والضامن لملكاتنا الإبداعية؛ والنافع للعيش لزمن وحياة محدَدَيَن. ولم يعد لدى مصطلح الحقيقة vérité من قيمة في ذاتها، سنضع بدلاً عنها: الفن. تتجسد شجاعة الإنسان في مواجهة التناقض في الوجود، وليس في إرادة إخفائه بابتكار لعالم-الحقيقة. سنعبر من الحقيقة إلى واقعة الإبداع؛ إلى واقعة الاعتداء الذي غطى كثيراً من الحقائق، وسنتخيل أسطورة جاءت عن أعماق كونية وقديمة للبشرية لتُقلِب العمق ولتُظهرِه في هيئة جبل كوني حيث يولد عالم جديد.»(28) وحينذاك: «ستنشأ لدينا، في نفس التربة عادة جديدة، عادة التفهم، عادة الحب وعدم الكراهية، عادة النظر إلى أعلى، وربما ستكون لها، في غضون ألاف السنين، القوة الكافية لمنح الإنسانية قوة إنتاج الإنسان الحكيم البريء (الواعي ببراءته).»(29)

*باحثة ومترجمة في الدراسات الفلسفية والحِجاجية

الــهوامش:
(1)Hannah Arendt : La Crise de la Culture, traduit de l’anglais sous la direction de Patrick Lévy, 1ed. 1954, 1956, 1957, 1958, 1960, 1961, 1963, 1967, 1968, Gallimard, 1972, p. 15.

(2) Ibid., p. 39.

(3)يُنظر: أنوار طاهر: التحليل الثقافي لانساق المغالطات الطبيعية، مقال، مجلة سياقات اللغة والدراسات البينية، المجلد الثاني، العدد السادس، 2017، ص-ص. 205-222.

– أثريات خطاب المنطق والعقد التراتبي لنظرية المعرفة:-

(1) A. Makovelski : Histoire de la Logique, traduit du russe par Geneviève Dupond, éditions du Progrès, 1978, p. 8.

(2)Hannah Arendt : La Vie de L’esprit, traduit de l’américain par Lucienne Lotringer, vol. 1, La Pensée, PUF, 1971, 1978, 1981, p. 212.

(3) A. Makovelski, loc. cit., pp. 67-68.

(4) Ibid., pp. 6-7.

(5) Ibid., p. 118.

(6)شاييم بيرلمان: الفلسفة والحِجاج البلاغي بين المنطق والجدل، ترجمة أنوار طاهر، مجلة علامات المغربية، العدد 44، 2015، ص. 101.

(7)شاييم بيرلمان: محاضرات في نظرية الحِجاج، ترجمة أنوار طاهر، قيد الإصدار.

(8) A. Makovelski, loc. cit., p. 129.

(9) Ibid., pp. 119-120.

(10) Ibid., p. 133.

(11) Ibid., p. 135.

(12) Cf. Ibid., p. 136.

(13) Ibid., pp. 136-137.

(14) Ibid., p. 144.

(15) Ibid., pp. 145-146.

(16) Ibid., p. 155.

(17) Ibid., p. 157.

(18) Ibid., pp. 147-148.

(19) Ibid., p. 148.

-تقويض مسْكن اللوغوس الثقيل: مطرقة نيتشه:-

(1)Nietzsche : Rhétorique et Langage, texte traduits par, présentés et annotés par Philippe Lacoue-Labarthe et Jean-Luc Nancy, dans la revue Poétique, Seuil, N. 5, 1971, p. 107.

(2)لمزيد من الاطلاع على المعاني الخاصة بمفاهيم éthique ; morale، وبأصلهما الاشتقاقي ethos êthos ; وبالفرق بينهما، يُنظر:

Barbara Cassin, Marc Crépon, François Prost: Morale ; Éthique , dans « Vocabulaire Européen Des Philosophies … Dictionnaire des Intraduisibles », BARBARA CASSIN (sous la direction de), éditions du Seuil/ Dictionnaires Le Robert, France, 2004, pp. 819-827.

(3) ÉTHOS, dans Le Dictionnaire du Littéraire, Sous la direction de Paul Aron, Denis Saint-Jacques, Alain Viala, PUF, 2010, p. 258.

(4)Cf. Ernst Robert Curtius : La Littérature Européenne et le Moyen Âge Latin, traduit de l’allemand par Jean Brejoux, PUF, 1956, pp. 78-98.

(5) Cf. Hannah Arendt : Condition de l’homme moderne, traduit de l’anglais par Georges Fradier, Préface de Paul Ricœur, Galmann-Lévy, 1961 et 1983, p. 62.

(6) Ibid., p. 62.

(7) Ibid., p. 63.

(8)Sarah Kofman: Nietzsche et la scène philosophique, Union Générale D’Éditions, Paris, 1979, pp. 141-142.

(9)Cf. Hannah Arendt : La Vie de L’esprit, loc. cit., pp. 30-31.

(10) A. Makovelski, loc. cit., p. 151.

(11)Angèle Kremer-Marietti : L’homme et ses Labyrinthes, Union Générale D’Éditions, Paris, 1972, pp. 258-259.

(12) Ibid., p. 71.

(13) Ibid., p. 262.

(14) Ibid., p. 63.

(15) Ibid., p. 264.

(16) Ibid., p. 46.

(17) A. Makovelski, loc. cit., p. 176.

(18)Cf. A. Kremer-Marietti, loc. cit., p. 71.

(19) Gilles Deleuze : Nietzsche par G. D., PUF, 1éd. 1965, 2010, p. 27.

(20) Ibid., p. 24.

(21)A. Kremer-Marietti, loc. cit., p. 92.

(22)Cf. Sarah Kofman, loc. cit., p. 142.

(23)Nietzsche : Le Livre Du Philosophe…Études Théorétiques, traduction, introduction et notes par Angèle Kremer-Marietti, Aubier, 1969, p. 185.

(24)A. Kremer-Marietti, loc. cit., p. 74.

(25)Sarah Kofman, loc. cit., p. 149.

(26) Nietzsche : Le Livre Du Philosophe…Études Théorétiques, loc. cit., p. 183.

(27) A. Kremer-Marietti, loc. cit., p. 103.

(28) Ibid., p. 106.

(29) Nietzsche : Le Livre Du Philosophe…Études Théorétiques, loc. cit., p. 135.

(30) Ibid., p. 143.

(31)A. Kremer-Marietti, loc. cit., pp. 103-104.

(32) Ibid., p. 159.

(33)Karl Jaspers : Nietzsche… introduction à sa philosophie, Traduit de L’Allemand par Henri Niel, Lettre-Préface de Jean Wahl, Gallimard, 1950, p. 187.

(34)A. Kremer-Marietti, loc. cit., p. 215.

(35) Ibid., p. 212.

(36) Ibid., p. 272.

(37) Ibid., pp. 268-269.

(38) Ibid., p. 266.

(39) Ibid., p. 96.

(40) Ibid., p. 26.

(41) Ibid., pp. 130-131.

(42) Gilles Deleuze, loc. cit., p. 19.

(43) Ibid., p. 26.

(44) Ibid., p. 26.

(45) Ibid., pp. 27-28.

(46)A. Kremer-Marietti, loc. cit., p. 52.

(47)Sarah Kofman, loc. cit., p. 160.

(48)Jacques Derrida : la mythologie blanche, un article dans la revue Poétique, Seuil, N. 5, 1971, p. 15.

(49)A. Kremer-Marietti, loc. cit., p. 64.

(50) Ibid., p. 307.

(51) Gilles Deleuze, loc. cit., p. 21.

– جدلية التآلف مع خطاب الحقيقة وهيمنة العشق الارتكاسي:-

(1)Enonciation, dans Nouveau dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, Dirigée par Oswald Ducrot & Jean-Marie Schaeffer, Seuil, 1972, 1995, p. 728.

(2)Francis Jacques : Une position linguistique du problème de l’altérité personnelle… Autrui, présence sans concept, un article dans le livre Philosophie et relations interpersonnelles… Rencontre de deux traditions, publié sous la direction de Alan Montefiore, PUM, Canada, 1973, marge n. 1, pp. 103-104.

(3)Michel Foucault : L’ordre du discours, Gallimard, 1971, pp. 17-18.

(4)Michel Foucault : Les mots et les choses… Une archéologie des sciences humaines, Gallimard, 1966, p. 58.

(5)Michel Foucault : L’ordre du discours, loc. cit., pp. 10-11.

(6)Michel Foucault : Le discours ne doit pas être pris comme…, un article dans le livre Dit et écrits II, 1976-1988, Gallimard, 2001, p. 123.

(7)Nietzsche : Rhétorique et Langage, loc. cit., p. 140.

(8) Cf. Hannah Arendt : Condition de l’homme moderne, loc. cit., p. 287.

(9) Hannah Arendt : Le Système Totalitaire, Traduit de l’américain par Jzan-Loup Bourget, Robert Davreu et Patrick Lévy, France Loisirs, 1951, 1958, 1966, 1968, 1972, 1989, p. 72.

(10) Ibid., p. 76.

(11)A. Kremer-Marietti, loc. cit., p. 63.

(12)نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، ترجمة محمد الناجي، (أفريقيا الشرق-المغرب)-(أفريقيا الشرق-لبنان)، 1998، ص-ص 130-131.

(13)المصدر نفسه، ص 214.

(14) المصدر نفسه، ص 129.

(15) المصدر نفسه، ص 187.

(16)لمزيد من الاطلاع على مفهوم البايديا الافلاطوني والسفسطائي، يُنظر: أنوار طاهر: في تأويل بلاغة التعليم…من الكهف الافلاطوني إلى الحِجاج السفسطائي، مجلة علامات المغربية، العدد46، 2016، ص-ص 135-150.

وللاطلاع على نقد نيتشه للمؤسسات التعليمية الألمانية، يُنظر:

Nietzsche : Sur L’avenir de nos établissements d’enseignement, Traduit de L’Allemand par Jean-Louis Backès, Préface de Jean-Claude Hémery, Gallimard, 1973.

(17) نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، ص 130.

(18) المصدر نفسه،ص-ص 129-130.

(19) المصدر نفسه، ص 179.

(20)جيل دولوز: نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، 1993، ص 152.

(21)نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، ص 86.

(22) المصدر نفسه، ص 180.

(23)نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، ترجمة فليكس فارس، دار القلم، بيروت-لبنان، 1938، ص 97.

(24)نيتشه: العلم المرح، ترجمة وتقديم حسان بورقية-محمد الناجي، (أفريقيا الشرق-المغرب)-(أفريقيا الشرق-لبنان)، 2001، ص-ص 62-63.

(25)نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، ص-ص 101-102.

(26)جيل دولوز: نيتشه والفلسفة، ص 125.

(27)هربرت ماركوز: الحب والحضارة، ترجمة مطاع صفدي، دار الآداب، بيروت-لبنان، تشرين الأول (أكتوبر)، 1970، ص 277.

(28)Erving Goffman : L’arrangement des Sexes, Traduit de l’anglais (États-Unis)par Hervé Maury, Présenté par Claude Zaidman, La Dispute, Paris, 1éd. 1977, 2002, p.48.

(29)نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، ص 115.

(30) المصدر نفسه،ص-ص 185-186.

(31)نيتشه: العلم المرح، ص 230.

(32)نيتشه: أفول الأصنام، ترجمة وتقديم حسان بورقية-محمد الناجي، (أفريقيا الشرق-المغرب)-(أفريقيا الشرق-لبنان)، 1999، ص 51.

(33)نيتشه: العلم المرح، ص 92.

(34)نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، ص 183.

(35)نيتشه: العلم المرح، ص-ص 230-231.

(36)نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، ص 86.

(37)نيتشه: العلم المرح، ص 161.

(38)نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، ص 181.

(39) المصدر نفسه، ص 129.

(40) المصدر نفسه، ص 188.

(41)نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، ص 241.

(42)ايمانويل أرسان: معركة الأجساد، ترجمة احمد عمر شاهين، مقال، مجلة العصور الجديدة، العصور الجديدة للنشر والتوزيع، القاهرة-مصر، العدد 2، أكتوبر 1999، ص 36.

(43)نيتشه: العلم المرح، ص 91.

(44)نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، ص 182.

(45) المصدر نفسه، ص 184.

(46)نيتشه: العلم المرح، ص 93.

(47) المصدر نفسه، ص 92.

(48)نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، ص 184.

(49)نيتشه: أصل الأخلاق وفصلها، تعريب حسن قبيسي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، 1981، ص 121.

(50)جيل دولوز: نيتشه والفلسفة، ص 30.

(51) المصدر نفسه، ص 239.

– مابعد امبريالية خطاب العلوم الهوياتي: ديمقراطية ايتيقا الكلام:-

(1) Oswald Ducrot : Le Dire Et Le Dit, Les Éditions De Minuit, Paris, 1984, p. 135.

(2)Pierre Bourdieu : Langage et Pouvoir Symbolique, Préface de John B. Thompson, Éditions Fayard, 2001, pp. 12-13.

(3) Oswald Ducrot, loc. cit., p. 127.

(4)Pierre Bourdieu, loc. cit., p. 17.

(5)شاييم بيرلمان: محاضرات في نظرية الحِجاج، ترجمة أنوار طاهر، قيد الإصدار.

(6)شاييم بيرلمان: في جدلية الفلسفي والبلاغي والكوني… مقدمات أولية في الفلسفة والبلاغة، ترجمة أنوار طاهر، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، مؤسسة مؤمنون بلاحدود، 11 أكتوبر 2017، ص6.

(7)Gilles Deleuze : Nietzsche par G. D., loc. cit., p. 23.

(8) Oswald Ducrot, loc. cit., p. 15.

(9) Ibid., p. 96.

(10)Cf. Ibid., p. 15.

(11) Ibid., p. 20.

(12) Ibid., p. 19.

(13) Ibid., p. 97.

(14) Ibid., p. 97.

(15)Cf. Ibid., pp. 97-98.

(16)Cf. Ibid., p. 114.

(17) Ibid., p. 104.

(18) Ibid., p. 110.

(19) Ibid., p. 111.

(20) Ibid., p. 111.

(21)A. Kremer-Marietti, loc. cit., p. 275.

(22) Ibid., p. 258.

(23) Ibid., p. 61.

(24) Ibid., p. 307.

(25)Cf. Ibid., p. 61.

(26)نيتشه: العلم المرح، ص 89.

(27)المصدر نفسه، ص 160.

(28)A. Kremer-Marietti, loc. cit., p. 158.

(38)نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، ص 71.

  • عن مجلة الكلمة 

شاهد أيضاً

(في الحي الذي لا يموت) للشاعرة رانة نزال PDF

( ثقافات ) يسر موقع “ثقافات ” نشر الديوان الشعري الكامل “في الحي الذي لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *