الرئيسية / خبر رئيسي / الأهازيج الشعبية في رواية “ظلال القطمون” لإبراهيم السعافين

الأهازيج الشعبية في رواية “ظلال القطمون” لإبراهيم السعافين

( ثقافات )

د. مخلد شاكر

 

    تدور أحداث رواية “ظلال القطمون” حول الأدب الفلسطيني, وحول فكرة  النضال والدفاع, والتمسك بالوطن وعدم الموافقة على التطبيع,  وقد  تعامل الراوي مع القضية من خلال التشجيع لتحرير الوطن واسترجاعه, والدعوة في قتل الخيانة الموجودة في النفوس.  وانطلقت الرواية من ثنائية التفاؤل والأمل, والصدق والحب.

    يستخدم السعافين الأهازيج الشعبية لنقل أبعاد تاريخية وجغرافية واقتصادية وسياسية وثقافية للمجتمع الفلسطيني, فهو يصف عادات وتقاليد يفتخر بها. فالأهازيج الشعبية تعد من أكثر الأنماط الشعرية التي يستخدمها الإنسان ليعبر  عن همومه وأشجانه، وأفراحه وابتهاجه, وقد عرف العرب الأهازيج منذ القدم ، فعبروا بها عن همومهم وأحزانهم وأفراحهم وابتهاجهم.

ولعل الأهزوجة مأخوذة من (الهَزَج) وهو، “الهَزَجُ، محرَّكَةً: من الأَغاني وفيه ترنُّمٌ. وقد هَزِجَ كفَرِحَ: إِذا تَغنَّى [1]

    والأهزوجة نشيد شعبي في لغة العامة من الناس ينشده القرويون في مناسبات كثيرة ومتنوعة، مثل الحروب، وعند الوفاة، والاستعراض (العراضة) والأعراس، والاستقبال والتوديع
فالهزج فن قديم عرفه العرب منذ الجاهلية ولكنهم أطلقوا عليه مسميات مختلفة. فمن ذلك ما يعرف بترقيص الأطفال، ومنه الرجز الذي كانوا يتناشدونه في الحروب، ومنه الحُداء الذي كانوا يحثون به الإبل على السير.
أما في الرواية يستخدم الراوي أهازيج تحمل ألحان موسيقية ويدخلها إلى الرواية, فالأهازيج يعتبر فن يعبر عن قضية دفاعية وأرث لفلسطيني يستخدمه السعافين لإثارة قضية, فهوى يسعى إلى مقاومة الاحتلال بالهوية الفلسطينية, التي يعتبر الأهازيج أرث شعبي لأبنائها, ومتحف للأناشيد فلسطيني وتناقلوها عبر الأجيال, من خلال ثلاثة صور للأهازيج بالرواية, أهازيج التراثية يستخدمها  للوصف, وأهازيج العتاب , وأهازيج الحرب, وأهازيج الخسارة.

    يستخدم الراوي الأهازيج بطريقة احترافية, لينقل لنا أحداث  ما قبل النكبة وما بعدها, فالأهازيج  تتحرك ضمن مسار حقيقي للأحداث , ترصد مدينة القدس وفلسطين فترة ما بين وعد بلفور 1917م, إلى النكبة الكبرى التي وقعت في العام 1948، وهي من أهم الفترات لفلسطين, حيث يقوم الراوي برصد جميع الأحداث والمعاناة التي عاشها أهل فلسطين بتلك الفترة , من خلال أهازيج تم اختيارها بدقة, لتعبر عن زمن حقيقي لأحداث بعيدة عن الخيال ما بين زمن المظاهرات والحرب وما بعد الحرب.

يا رب تشتي.. وروح عند ستي

تعملي فطيرة.. قد الحصيرة

آكلها وأنام على رف الحمام

خالتي صبحية واردة على المية

لاقوها شابين من شباب الزين

سلموا وقالوا أهلا وسهلا ومرحبتين

وجماعة أخرى تقول:

شتي يا دنيا وزيدي… بيتنا حديدي

عمي عبدالله كسر الجرة.. قتلوا سيدي ونيموا برى

شمسي يا شمسية.. على قرون عيشة

عيشة بنت البابا.. تلعب على الربابة

يبدأ الكاتب الرواية بطقس استسقائي جميل,  بواحد من الأهازيج الذي تبين بساطة الشعب الفلسطيني, أغاني للأطفال يدعوا فيها الله في وقت الزرع بحاجة إلى المطر,  فهو يبدأ الرواية بذكر أبعاد تاريخية,  ويشير إلى ثقافية للمجتمع الفلسطيني, الذي يتمني الشتاء رسالة يريد أن يوصلها الكاتب للأجيال,  فالراوي يكشف عن البعد الاقتصادي لهذا المجتمع الذي يقوم على الزراعة.

فهو يتخيل حال الفلاحين عند احتباس الأمطار وبدأ وكأنه يغني مع الأطفال

يا الله الغيث يا ربي … تسقي زرعنا الغربي
يا الله الغيث يا رحمن… تسقي زرعنا العطشان
يا الله الغيث يا دايم…. تسقي زرعنا النايم
يا الله الغيث يا ربي…. خبزي قرقـد بـعبي

ينتقل السعافين إلى صورة أخرى (صورة العتاب) التي يعاتب فيها كل من قصر في حق فلسطين, وكل من تخاذل في تلبية نداء الوطن, فيدخل الراوي أفكار وأحداث تاريخية, من خلال الأهازيج, في أكثر من موقف في القصيدة فالتكرار يقصد فيه تأكيد على فكرة العتاب حيث يقول:

سكر يا قليل الدين      ضاعت منك فلسطين

يشير فيها إلى أحداث تاريخية في المظاهرات التي كانت تقوم في ذكرى وعد بلفور, التي كانت يخاطب فيها كل الضمائر, بأن تترك مصالحها الشخصية وتسعى خلف قضية الوطن, من خلال مظاهرة  كانت تسمى بمظاهرة (الجهاد المقدس) بقيادة (عبد القادر الحسيني).

العتاب ما زال مسيطر على فكرة الراوي, عتاب شعب فلسطين على الأنظمة العربية في دعنها للقضية الفلسطينية, فهو يرد أهازيج تحمل معاني مليئة بالعتاب على أبناء الأمة العربية الذين تخاذلوا في تقديم المعونة, يجعل اللوم للعامة ولا يخصه.

طلت البارودة والسبع ما طل

يا بوز البارودة من دمو مبتل

طلت البارودة والسبع ما جاش

يا بوز البارودة من دمو مرتش

ينتقل الراوي إلى (صورة الحرب), فيقول:

الله الله يا مهون المصايب

اضرب رصاص خلي رصاصك صايب

اضرب اضرب

ينتقل الراوي إلى النكبة, رغم بروز أبطال للدفاع عن الوطن, ويبقى الكاتب ينقل لنا أحداث النكبة, من خلال تكرار أكثر من مرة لهذه الأهزوجة في الرواية, ليؤكد فيها على قوة صمود أهل فلسطين أمام المحتل, وتكرار أضرب فيها دعوة للإنسان الفلسطيني لمواصلة القتال, على اعتباره واقع تحت قضية اجتماعية وسياسية, وأنه لا مجال للتفاهم مع ذلك النوع من الاستعمار, وأن القضية مصير شعب بأكمله ومصير وطن, غير أنها قضية عربية بشكل عام, وهو وجود إسرائيل كجسم غريب على أراضي عربية. يريد أن يحسس الشعب الفلسطيني, بأن لا أمل هناك للتفاهم مع إسرائيل وأن مواصلة القتال هو الحل(ثورة حتى النصر), ينتقل إلى صورة ويرسم لنا رمز عربي قومي, يمثل البطولة والشجاعة والإصرار على القضية الفلسطينية من خلال (جيش العرب), يوصل الراوي فكرة مساعدة ووقوف بعض الدول العربية إلى جانب فلسطين بقضيتها, لذلك تم استخدام هذه الأهازيج كرمز لفكرة أراد الكاتب توصيها, وهي وقوف بعض العرب إلى فلسطين.

هب الرصاص

والبارود غنى

يا جيش العرب

يا حامي وطنا

اضرب. .اضرب.. اضرب

يخص الكاتب “مصر” من خلال أهازيج كتبت باللهجة المصرية. وأهازيج “أردنية” من خلال لهجة ومصطلحات أردنية, لينقل لنا رسالة البدان العربية التي وقفت إلى جانب فلسطين,  الأهازيج المصرية مثل:

بلدي بلدي وأنا عاوز أروح بلدي

بلدي السعيدة

في مصر الجديدة

بلدي يا بلدي

وانا عاوز أروح بلدي

بلدي أم الدنيا في سوهاج والمينا

والأهازيج أخرى أردنية مثل:

الشمس غابت يا ابن شعلان

والدلة تسكب على الفنجان

والضيف يدور معازيبه

وبهارها جوز الطيبي

و يا عيالي يا مشرقين اثنين

يا منيلين المناديل

وبنت الأجودي زهت بالعين

لا تخلوا الأهازيج التراثية الفلسطينية من الحب رغم الظروف الموجودة في تلك الحقبة, فالسعافين يوظف الحب كرمز

ليا وليا يا بنية .. يا وارده على المية

سمرة وجرحت قلبي… ردي السلام عليا

قضية الزواج في الأهازيج يستخدمها  السعافين ليخدم نصة في حدث تاريخي,  ما بين الفراق واللقاء بين الضفتين الشرقية والغربية, فيستخدم أغاني مبنية على السيرة المحورية الفلسطينية, التي تغنى عند زفة العريس, أغاني مناسبات أفراح شعبية, يحيي فيها الثورة.

عريسنا زين الشباب

زين الشباب عريسنا

عريسنا عنتر عبس

عنتر عبس عريسنا

عريسنا ضمة ورد

ضمة ورد عريسنا

عريسنا ما أبدعوا

مثل القمر مطلعو

عريسنا زين الشباب

زين الشباب عريسنا

الصورة الأخيرة التي أراد الكاتب رسمها, وهي (صورة الخسارة والخذلان). فالكاتب يشير إلى ما جرى في فلسطين من خيانات وخذلان، سواء من قبل الأنظمة العربية الحاكمة، أو من رجالات فلسطينية التي تنتمي إلى طبقات الأثرياء وعالمهم ومصالحهم, وصولًا إلى اندلاع الصراع العسكري بين الفلسطينيين والصهاينة, وخسارة الوطن وضياعه, وكيف الوطن قد قسم وشتت.

هاتوا الجريدة تنقراها          نشوف بلدنا مين تولاها

محروم علي الحرير الزيني    على بلدنا انقسمت قسميني

محروم علي الحرير يتهافا     عاللي جرا لك يا بيت صفافا

محروم علي الحرير يتهافا     على اللي جرا لك يا حيفا ويافا

محروم علي الحرير الزيني     على جرى لك يا دير ياسيني

تحمل الأهازيج أيضا وعيد للعدو, فهو يرفض الهزيمة, فعندما انتهت الحرب أفاق الإنسان الفلسطيني على حقيقة مرة يصعب عليه تصديقها, وهي أن كل فلسطيني أصبح وراء الاحتلال, وأن المدافع العربية توقفت  كاستسلام أمام هذا العدو, فكان جواب الراوي من خلال استخدام الأهازيج, لا للهزيمة للعدو, وأن هناك المزيد من التمسك بالبندقية.

[1]  الفيروز أبادي, القاموس المحيط مادة (هـ-ز-ج)

  • كاتب من الأردن

شاهد أيضاً

عائشة البصري: لن ننسى بسهولة هزيمتنا أمام فيروس صغير!

* عماد الدين موسى عائشة البصري شاعرة وقاصة وروائية مغربية، عضو الجمعية الدولية للنقد الأدبي (AICL) في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *