الرئيسية / إضاءات / محمد الشركَي: أمارس الحفر البطيء ولا أحفَل بالكثرة

محمد الشركَي: أمارس الحفر البطيء ولا أحفَل بالكثرة

* عبدالرحيم الخضار

ينتمي الكاتب المغربي المعروف محمد الشركَي (مواليد 1958 ـــ فاس) إلى النُّدرة، تلك الندرة التي لها غزارتها الداخلية، على حدّ وصفه. أصدر كُتباً قليلة قياساً مع عمره الأدبي. غير أنّ كتابه السردي «العشاء السفلي» الصادر في الثمانينيات عن «دار توبقال» أصبح علامةً أساسيّة في الأدب المغربي الحديث. لم يعد يُذكر اسم محمد الشركي في الحياة الثقافية العربية إلّا مقروناً بعشائه. فضلاً عن أعماله السردية والشعرية، ترجم محمد الشركَي أعمالاً أدبية مهمّة لإدمون عمران المالح وعبد اللطيف اللعبي والطاهر بنجلون وجاكلين داوود وجورج أوفيد وغيرهم. يقاطع محمد الشركَي التلفزيون، فلم يشارك في أيّ برنامج إعلامي، بل إنه لا يشاهد التلفزيون أصلاً. لا يحضر التظاهرات الثقافية إلّا لماماً. وإذا كانت كلمة العزلة معطفاً لكاتب مغربي ما، فهي معطف الشركَي بامتياز، تلك العزلة التي أكّد اللورد بايرون أنها ليست بالضرورة هروباً من الناس، ووصفها إرنست همنغواي بـ «وطن الأرواح المتعَبة»، بل إن الشركَي نفسه يسميها «العزلة الفرحانة». ويبدو أنه لجأ إليها باكراً إيماناً منه بمقولة دوستويفسكي: «العزلة زاوية صغيرة يقف فيها المرءُ أمام عقله». اختار الشركَي تلك الزاوية ليقف أيضاً أمام أحلامه ويهيم في السراديب والمغارات، كي يعود إلينا بنصوص أدبيّة عميقة، كُتبت بلغة أخّاذة وبمسحة روحيّة مُشعّة. في مناسبة صدور كتابه «نورُها في الأعماق» عن «دار خطوط وظلال» حديثاً، نفتح في «الأخبار» ممرّاً شاسعاً باتجاه عوالم الكاتب والمترجم المغربي محمد الشركَي. والكتاب هو الطبعة العربية لثلاثة أعمال صدرت للشركَي: «العشاء السفلي»، «كهف سهوار ودمها»، «السراديب». يدور هذا الحوار عن عزلة الكاتب وندرة إصداراته، وخياراته في الترجمة، وعن هوسه بالمغارات، إلى الحدّ الذي ذهب فيه عند مسؤولي إحدى المدن المغربية من أجل استئجار مغارة. كما يشير الشركَي للمرة الأولى إلى عمله الجديد الذي يشتغل عليه منذ سنوات: رواية «الزفاف الباطنيّ». اللافت أيضاً أن الشركَي ظلّ يعتذر عن عدم إجراء الحوارات معه باستمرار، وبهذا تكون «الأخبار» هي ثاني جهة عربية تجري معه حواراً بعد لقاء سابق وقديم مع «اليوم السابع» التي كانت تصدر من باريس.

محمد الشركَي: لقد ساهمت الترجمة، على نحو عميق، في إعدادي الذاتي ككاتب

 ابن سيرين كان يقول «العزلة عبادة». في حالتك، يمكن القول «العزلة كتابة»، أو تفكير في الكتابة. أنت تسميها «العزلة الفرحانة». لماذا لا يجدك الناس حيث يوجد عادة معظم أهل الكتابة؟ ولماذا يبدو نادراً جداً حضورك في الملتقيات الثقافية؟ الوصول إلى محمد الشركَي في المغرب يكاد يكون مهمة صعبة للغاية. هل عزلتك اختيار أم أن سياقات ما هي التي فرضتها؟
ـــــ إذا كنتُ غالباً ما أشير إلى «العزلة الفرحانة»، فلأنني أعيشها ليس كوحدة وتوحُّد وانقطاع، بل كلقاء ووصل واتّصال. إذا كان علم الفيزياء قد برهن على أن الفراغ نفسَه ليس فارغاً، وأنه لا وجود لفراغ مطلق، بل ثمة باستمرار، داخل ما يُعتبر فراغاً، طاقة سرّية تظل فاعلةً على نحو غير مسموع، أقول إذا كان الأمر على هذا النحو في العلوم الدقيقة، فكيف لا تكون العزلة الوجودية مأهولة بـ«حضورات» تجعلنا، مهما كنا فرادى ومنقطعين عن العالم، في ارتباط حاشد بالوجوه والأصوات والأرواح المضيئة التي تلحق بنا حيثما كنا. هذا الإحساس بما يتجمهر في العزلة من أُنس عالٍ، هو ما حبّبها إليّ منذ طفولتي، حين كنت أشعر، وأنا في غمرة اللعب مع أقراني، بنداء غامض يغريني بالخروج من الجوقة الصاخبة، فأنتحي مكاناً بعيداً أجلس فيه وأراقب بقية اللعبة بنشوة أقوى مما كنت أحسّ به وأنا منخرط فيها. إن نفس هذا النداء الفاتن، الآتي من أقاليم العزلة الممتحنة (بكسر الحاء وفتحها معاً)، هو ما جعلني أغادر باكراً المواقع الاعتيادية للمثقفين من ندوات وملتقيات شاء سياقها المرحليّ المطبوع بالتجاذبات الإيديولوجية والتناحرات الأكاديمية أن ينفّرني منها تدريجاً، فآويتُ إلى الظلّ البعيد عن أضواء الظهور، إلى أن جاءت مواقع التواصل التي وفّرت إمكانات الحضور والتفاعل مع سلالات الضوء في كل جغرافيات الشتات، مثلما وفرت إمكانات البقاء داخل مناسك الغياب الحامي من زحف الغوغائيات على هذه المواقع نفسها.

 أيضاً لم يسبق أن ظهر محمد الشركَي في أيّ من القنوات التلفزيونية لا داخل المغرب ولا خارجه. هل يرجع ذلك إلى موقف مسبق من الإعلام؟
ــــ خوطبت مراراً، داخل المغرب، في شأن استضافتي في برامج حوارية تلفزيونية، وكنت في كلّ مرة أعتذر للأسماء الإعلامية العزيزة التي خاطبتني في الأمر، مستنداً في اعتذاري إلى موقف ثقافيّ بنيوي من القنوات التلفزيونية العمومية التي لم تمنح خرائطُها البرامجيةُ المتعاقبة ملفَّ الثقافة سوى فضلات زمنيّة مخجلة مقابل إغداقها اللامحدود على الرياضة والترفيه ليس بمعناهما الرفيع، بل في منحاهما الإلهائي والتغييبي. هذا الموقف الثقافي من التلفزيون هو الذي انتهى بي أيضاً إلى إبعاده كلّياً من قائمة الوسائل الإعلامية التي كنت أتابعها.
ولحسن الحظ، مع اختراق العولمة كل الحدود، والتطور المذهل والمتسارع لتكنولوجيا الاتّصال بروافعها ومحركاتها العملاقة، انهارت الأسوار الاحتجازية القروسطية التي بنتها عقود من الاستفراد الرسمي بالفضاءات السمعية البصرية، وتدفقت علينا، وسط الصحارى العربية، أرقى البرامج الإخبارية والذخائر السينمائية والموسيقية والوثائقية المنتسبة لمختلف الجغرافيات الكونية.

 أصدرتَ كتباً قليلة، هذا ما قد ينتبه إليه المهتمّون بالإحصاء في حقل الأدب، لكن العبرة ليست في العدد، والتاريخ يعطينا دائماً أمثلة مذهلة في هذا الباب. لكن دعني أسألك عن سرّ هذه النّدرة.
ــــ لكلّ مسار إبداعيّ أو فكريّ أو فنّيّ إيقاعه الداخليّ الخاص، الذي هو تمظهر إقامته في الزمن الوجوديّ والواقعيّ والتاريخيّ والرمزيّ. وبعبارة أخرى، إن الكتابة هي التمظهر الإشاريّ لإقامتنا في العالم بشقّيه، الظاهر والغابر. وأحسب أن إقامتي الشخصيّة، سواء هنا والآن أو في أراضي الذاكرة، هي إقامة أركيولوجية سِمتُها الحفر البطيء جداً في جيولوحيا الروح وجنيالوجيا اللغة والعالم. لا أكتب على مسار أفقيّ، بل داخل عطش عموديّ لا يحفل بالهاجس التراكميّ، ولذلك أنتسب عن طيب خاطر إلى ما أسميتَه أيها العزيز بالنُّدرة، وهي على كلّ حال ندرة لها، في ما أعتقد، غزارتها الداخلية التي تتطلّب قارئاً متورّطاً ومتعاقداً مع القراءة كاستكشاف لطبقات المعنى، وهو، كما تعلم، ذلك القارئ الشريك وتلك القارئة الشريكة في إنتاج المعنى.

 يضمّ كتابك الجديد الصادر عن «دار خطوط وظلال» في الأردن أعمالك الأدبية الثلاثة السابقة. وهي فرصة للاقتراب من جديد من تجربتك الأدبية. أسألك هنا عن القارئ. كيف ينظر محمد الشركَي إلى قارئه؟ وماذا يتوقّع منه؟
ـــ اسمح في البداية أيها العزيز أن أتوجّه بعميق الشكر لدار «خطوط وظلال» التي رحّبت بإصدار «نورها في الأعماق»، الذي هو الطبعة العربية لكتابي «الأغوار» الذي كان قد صدر في المغرب قبل تسع سنوات. وقد غيّرتُ عنوانه لكي لا يلتبس الأمر على القارئ العربي عموماً، فيعتقد أن له صلة موضوعاتية بمنطقة الأغوار الممتدّة بين الأردن وفلسطين. وبخصوص سؤالك عن رؤيتي للقارئ، أشير إلى أن هذا الأخير يكون، عند الكتابة، غائباً عن أفقي، وأكون في حالة عزلة بدائية. غير أنني، دون تخطيط منّي، التقيت وألتقي عدداً من القارئات والقرّاء من داخل هذه العزلة القائمة على غيابهم. إن فكرة القارئ تنبجس بعد الانتهاء من النص، وعندئذ فقط أفكّر في القارئات والقراء المحتملين لما كتبت. لكنني أفكر مثلما يفعل من يضع رسالة داخل قارورة ويلقي بها في البحر، متسائلاً عمّن سيلتقطون الرسالة العزلاء عند سواحلهم. وما أتوقعه من القارئ هو أن يكون شريكاً في إنتاج الدلالات من خلال مرجعياته القرائية وتاريخه الشخصي، أي أن يكون قارئاً دينامياً ومشّاء مرتحلاً ومنقّباً بين أحراش المعنى عن الكنوز التي تنتظره في منعرجات الصفحات، دون أن يكون الكاتب هو من وضعها بوعي منه.

 من يقرأ أعمالك، سيجد نفسه أمام تيمة كبيرة تتردّد في مختلف النصوص. هناك حضور صارخ للمغارات ومشتقاتها اللغوية والدلالية. يكفي مثلاً الوقوف عند عناوين كتبك: «السراديب»، «كهف سهوار ودمها»، والكتاب الذي يضم ثلاثة أعمال، «الأغوار». هل المغارة هي المعادل الموضوعيّ للعمق أم هي شكل آخر للعزلة والرغبة الدائمة في جعل المسافة بينك وبين العالم شاسعة؟ لماذا التركيز على هذه الموضوعة؟
ـــ لأنها عميقة جدّاً ومظلمة وبمثابة أحشاء كونيّة، تنتسب المغارات إلى ما أسماه جلبير دوران في كتابه «البنيات الأنثروبولوجية للمخيال» النظام الليليّ للمخيال، وهو نظام تتبلور فيه كلُّ الرموز الحميميّة الكبيرة كالأرحام والزوايا والمنامات والأركان المكتنفة بالغموض. لقد اجتذبتني منذ طفولتي الأنفاق والسراديب التي كنت أحسّ بها دائماً هامسةً بأصوات خفيضة ملتاعة، ونداءات فاتنة، ونادراً ما أحسست بها موحيةً بتهديدات ما. ولذلك أدركت لاحقاً لماذا توجد في تضاعيف الهواء أصواتٌ سرّية لا نسمعها بينما هي تثير جنون الكلاب. وكنت أشعر في البوادي بافتتان مقدّس على حافات الآبار والتجاويف. ولذلك، عندما شاء لي قدري الشخصيّ أن ألتحق بالعمل في مدينة تازة المغربية، لم أكن أعلم ما انطوى عليه ذلك الالتحاق الوظيفيّ من هدايا عظيمة إلّا عندما زرت مغارة «فريواطو» الكبرى الواقعة على خاصرة جبال الأطلس المتوسط جنوب المدينة، وهي بالمناسبة واحدة من المغارات الخمس الأكثر عمقاً في العالم.
كان اللقاء في تلك المغارة من عيار اللقاءات الغراميّة والشعائريّة التي تغمر القلب بالنور وتسربل الفكر بحنين سحيق. وكلّما عاودت النزول فيها، كنت أقول لنفسي، وأنا أتوغل في أحشائها الغرائبية المعتمة، بين الحزاز الصخريّ والرطوبة المترعة بالرائحة البدائيّة للتجاويف: إذا كانت للروح تضاريس، فهذه الأفاريز والأنفاق والصواعد والنوازل والبرك المائية السفلى هي تضاريسها. منذئذ صارت تلك المغارات موئلاً روحانياً، وامتحاناً فكرياً وأسطورياً ولغوياً لا ينفك يسائل دواخلي ويسندها، ومرتكزاً وجدانيّاً أفيء إليه في هواجر الواقع وانكفاءات تاريخنا العصيب. صارت تلك المغارة، كما كان سيحلو لدولوز أن يقول لو رآها، صيرورة عشقيّة un devenir amoureux وخليلة رمزيّةً كبرى تحمي وتُعلّم وتُحرر من ربقة السطوح.

 ترجمتَ أعمالاً روائية لكلّ من الطاهر بنجلون وعبد اللطيف اللعبي وإدمون عمران المالح، وكانت هذه الترجمات لافتة. لماذا ترجمتَ الرواية ولم تترجم الشعر؟ أقول هذا وأنا أعرف خبرتك الكبيرة في الشعر المكتوب باللغة الفرنسية، وأعرف قدرتك على نقله إلينا بعربية أخاذة. هل يرجع الأمر إلى أسباب موضوعية خارجة عن رغبتك؟
ــــ أيها العزيز، لم أعتبر نفسي أبداً مترجماً محترفاً، حتى عندما كانت الترجمة الأدبية (إلى جانب الكتابة في الصحافة الثقافية) شغلي الوحيد بعد رفضي البقاء في سلك التعليم إثر إنهائي لما كان معروفاً بالخدمة المدنية. صحيح أن أغلب ترجماتي انصبّت على روايات مغربية مكتوبة بالفرنسية سواء للأسماء التي وردت في سؤالك أو لأسماء أخرى، مثلما انصبّت بعض تلك الترجمات على أعمال في التحليل التاريخي مثل كتاب «عبد الكريم، ملحمة الذهب والدم» لزكية داود، لكنني ترجمت ونشرت في الصحافة المغربية العديد من المختارات الشعرية لمبدعين كانوا يستهوونني من قبيل عزرا باوند ونوفاليس ونرفال وعبد الوهاب المؤدب وغيرهم، مثلما ترجمت قصيدتين طويلتين للشاعر المغربي محمد الواكيرة نشرت إحداهما في مجلة «آفاق» المغربية، والثانية نشرت مرفقة بالأصل في كتاب فنيّ مستقل صدر عن منشورات «مرسم». إلى ذلك، أذكر أن الشاعر أدونيس، الذي أعجبته ترجمتي لمقطع من قصيدة «نسيم بحريّ» لمالارمي، كنت أدرجته كديباجة لنصّ شعريّ لي بعثته إلى الصديقة خالدة سعيد، أقول إن أدونيس كتب لي، في رسالة مشتركة مع خالدة، يقول لي، وأنا يومئذ في تازة: «ترجمتك لمقطع مالارمي حفظت له بهاءه. ليتك تقدم مالارمي إلى قراء العربية. صعب؟ لكن يبدو أنك تذلّل الصعب». غير أن توزّعي آنئذ بين العمل بدوام كامل والكتابة والترجمة السردية لم يترك لي فجوة زمنية لتقديم ترجمة عربية لأحد أعمال مالارمي الشعرية الشاهقة. لقد ساهمت الترجمة، على نحو عميق، في إعدادي الذاتي ككاتب من جهة إلهابها وتسعيرها العلاقة بجذور اللغة ورنين الحروف. وكم كان محقاً أستاذي المبارك، الراحل الحاضر، عبد الكبير الخطيبي حين قال لي ذات زيارة شرفني بها في مقر عملي السابق في وزارة الثقافة، في سياق حديثنا عن الكتابة والترجمة، إن هذه الأخيرة عمل جسيم لا يقلّ مجازفة وخطورة وخصوبة عن الإبداع.

 «العشاء السفلي» هي روايتك الوحيدة. هذا إذا تعاقدنا على تسميتها رواية. وهنا أتذكر أحد النقاد الذي احتار في تصنيفها فسماها «نزهة إبداعية». هذه الرواية حظيت باهتمام كبير. إنها علامة فارقة في تاريخ السرد في المغرب. هذا إجماع النّقاد والقرّاء. فقد صار اسمك مقروناً بها. ما الذي جعل «العشاء السفلي»، في نظرك، تحظى بهذا الاهتمام اللافت؟
ـــــ لعلها مصداقية حمولتها الرمزية والوجدانية. لعلها مشبوبية النداء الطالع منها والمضفور بحنين موجع إلى ما يسهر علينا في الأعماق. لعله أيضاً انزياحها عن أفق السرد الروائي وانتصارها للكتابة المؤسطرة والمتخطية للتجنيس. ولعله أخيراً التقاط القراء والنقاد لرهانها المجازف على حافة فراق عظيم. فبعد مغادرتي لمدينة تازة عقب إنهائي لسنتَي الخدمة المدنية، وهما السنتان اللتان كانتا ربّانيتيْن على مستوى العلائق الروحانية سواء بالمغارات أو ببعض الوجوه الغالية هناك، عدت إلى فاس مُهتصَراً بشعور اقتلاع أليم لفراقي ذلك الموضع المبارك وتضاريسه التلقينية. وفي عمق ذلك التمزّق الأنطولوجي، شرعت في كتابة «العشاء السفلي» خلال سهرات طويلة في ليالي فاس، مستضيئاً بما اختزنته دواخلي أثناء الإقامة المغائرية، فكان أن انبعثت ميزار من أجراف الغياب وعادت لتدعو فتاها الذي أرضعته وربّته صغيراً، والذي أسمته، قُبيْل رحيلها، «مغران» تبرُّكاً بروح المغارات، لزيارتها في دارها الكبيرة بقصبة النوار في فاس، حيث ستقضي معه آخر ليلة في عمرها الزاخر بالأعمار، وحيث سيسافر رمزياً إلى ما وراء عشائها الغرامي الأخير، وحيث أخيراً ستوصيه قبل موتها بالالتحاق بما يشملها ويتعدّاها.

كنت أكتب ضمن يقين مجنون، ما زال ملازمي، بأنه لا شيء يضيع سواء في التاريخ الشخصيّ والعامّ أو في الجغرافيات التي نحملها معنا كخرائط منقوشة على جدران أرواحنا. وكما لو تعلّق الأمر بتقاطع رمزي مع إحدى الذاكرات المترفة، شاءت الصدفة (لكن ما هي الصدفة عدا كونها، كما عرفها إنجلز، الشكل الذي تتمظهر به الضرورة) أن أكتب الفصل الأخير لـ «العشاء» في مقهى الناعورة في فاس، بين شفاعة الخطاطيف الجذلى في سمائه وصرامة الأسوار الألوفية المشرفة على حديقته، وهو نفس المقهى الطقوسيّ الذي كانت الكاتبة الفخمة مارغريت يورسنار مولعة بالجلوس فيه كلّما زارت مدينة الأبواب السبعة. كما أنه نفس المقهى الذي قصدناه وجلسنا فيه طويلاً بعد ذلك بسنوات أنا والشاعر الآشوري الباذخ سركون بولص الذي خلّد جلستنا تلك في قصيدته «فاس ذات الأسوار». لا شيء يضيع أيها العزيز. وإذا كان نصّ «العشاء السفلي» قد وصل وما ينفك يصل إلى أهله، فلأن «الأغنية ليست وهماً» كما كتبت في مقدمة كتابي «الأغوار».

 أعرف أنك تشتغل منذ فترة طويلة على رواية أخرى. هل هي امتداد لروح «العشاء السفليّ» وعوالمها وأغوارها، أم ثمة منعرج ما؟ ولماذا هذا الوقت الطويل للوصول إلى رواية أخرى؟
ــــ أشتغل فعلاً، منذ سنوات طويلة، على نص سرديّ بعنوان «الزفاف الباطنيّ»، لكن وتيرة عملي عليه بطيئة جداً ومتقطعة، كما لو أنني أختبر بيني وبين نفسي ضرورته الكتابية. لقد أشرت قبل قليل، في سياق جوابي عن مسألة الندرة، إلى أن مقاربتي للكتابة هي مقاربة أركيولوجية سمتها الحفر البطيء في جيولوجيا الروح وجنيالوجيا اللغة والعالم. هذا هو التفسير الرمزي لطول فترة الكتابة واستغراقي زمناً مديداً جداً قبل بلورة مشروع كتابيّ جديد. لا أحفل بالتراكم وبالكثرة، بل يشدّني الاستبطان وغور النفاذ إلى ما يخاطبني ويسائلني في الدواخل. لذلك أكتب كما لو كنت أنقش رسالة طويلة على جدار كهف بعيد للتأشير على عبور عالٍ وغالٍ، تماماً على شاكلة الفراعنة الذين نقشوا على جدران مقبرة الملك سيثي الأول «كتاب البوابات» لمساعدة الفرعون على اجتياز أهوال واختبارات العالم السفليّ. وفي هذا المنحى، سيكون «الزفاف» امتداداً لروحانية «العشاء» وتجاوزاً له في الوقت نفسه من جهة تعالقه مع ذاكرة التاريخ وراهنية بعض السياقات المفصلية اللاهبة.

 دفعك هوسك بالمغارات والكهوف إلى محاولة استئجار مغارة في مدينة تازة. ما الذي كنت تريد أن تفعله بها؟ هل يمكن أن تحدثنا عن هذه التجربة الفريدة؟
ــــ كانت فكرة عظيمة لم يتأتَّ لها أن تتبلور. ولم أكن وحدي فيها. فخلال فترة إقامتي في تازة، أسّس بعض أصدقائي الأصفياء هناك جمعية ثقافية حملت اسم «ألف ليلة وليلة»، وكانت علاقتي بها استشارية. وبتأطير منها، نظّمنا في نهاية الثمانينيات ندوة وطنية تمحورت حول «الكتابة والفضاء الأنثويّ»، وهي الندوة التي اقترحت على أصدقائي أن يكون النزول إلى المغارة من ضمن أشغالها وليس على هامشها. وكذلك كان، وواجه المشاركون والمشاركات ذات صباح تجربة الهبوط الشعائريّ في الأعماق قبل استئناف الندوة في المساء.
كانت تجربة حدودية ظلّت محفورة في ذاكراتنا جميعاً. وبعد ذلك اختمرت في روحي فكرة تحويل المغارة، بشراكة مع السلطات المنتخبة، إلى موقع ثقافيّ مخصص لتنظيم زيارات جيوبويطيقية géopoétique لمختلف الأسماء الإبداعية من داخل المغرب وخارجه من شأنها أن تثمر نصوصاً من داخل تجربة النزول ومواجهة ذلك العمق. وتحادثنا أنا والأصفياء في الأمر، وشرعوا فعلاً، من موقعهم في الجمعية، في استكشاف سبل استئجارها بدفتر تحملات من الجماعة القروية التي كانت تقع ضمن نفوذها. غير أن إنهائي لمدة الخدمة المدنية في تازة، وعودتي إلى فاس وانقطاعي بعض الوقت عن زيارة مدينة المغارات، كل ذلك جعل الفكرة تخبو تدريجياً إلى أن تراجعت كلياً بتفرّق السبل بأعضاء جمعية «ألف ليلة وليلة». ولذلك آل بي الأمر إلى حمل تلك المغارات بداخلي حيثما كنت، لتظلّ فيّ ساهرة في القلب مهما شط مزارها.

  • عن الأخبار اللبنانية

شاهد أيضاً

عزالدين المناصرة: يا عنب الخليل كُنْ سُمًا على الأعداء..!

* فيصل درّاج احتضنت الخسارة برحيل عزالدين المناصرة وجوهًا متعدّدة: خسرته الثقافة العربية، وهو الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *