الرئيسية / إضاءات / إيميل سيوران.. حارس العزلة

إيميل سيوران.. حارس العزلة

  • ساسي جبيل

مثل اليأس والتشاؤم عنوان طفولة إيميل سيوران (1911 – 1995) المفكر الفرنسي من أصول رومانية، إذ أحب المقابر وصادق القبور، كما عانى الأرق في شبابه المبكر، وفي سن السابعة عشرة التحق بجامعة بوخارست، حيث درس الفلسفة، وهناك نهل من أفكار إيمانويل كانط وآرثر شوبنهاور وفريدريك نيتشه الفيلسوف الأثير إلى نفسه، ثم أعد أطروحة تخرجه عن هنري بيرغسون، قبل أن يرفض وينكر مشروعه برمته بعد ذلك مدعياً أن هذا الأخير لم يفهم مأساة الحياة.
وقد تطرق في مؤلفاته المختلفة إلى قضايا الموت واليأس والعزلة والتاريخ والموسيقا والقديسين والصوفيين، وكان في عزلته الباريسية مكتفياً بصديقه سيمون بوبه، إذ حافظ على مسافة بينه وبين العالم الخارجي! وكانت سنوات العزلة وراء إنتاج غزير لإيميل سيوران الفيلسوف الذي تخلى في عام 1946 عن لغته الأم الرومانية وانطلق في الكتابة باللغة الفرنسية. 

الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي ترجم لسيوران أكثر من 8 مؤلفات نشرت منها دار الجمل 5 كتب هي: -المياه كلّها بلون الغرق (والعنوان الأصليّ «أقيسة المرارة») -تاريخ ويوتوبيا -اعترافات ولعنات -مثالب الولادة -تمارين في الإعجاب. ومن خلال هذه المؤلفات نستطيع التسلل إلى عوالم سيوران ونسبر أغوارها، وحسبنا في هذه المساحة المحددة أن نستعرض 3 منها، هي: المياه كلها بلون الغرق، و«مثالب الولادة»، و«تاريخ ويوتوبيا».

لون الغرق 
في شبه مقدمة «المياه كلها بلون الغرق» يذهب آدم فتحي إلى أن سيوران هو ابن العتمة بامتياز، والكتابة عنده هي طريق اللاكتابة، فهي نوع من التحايل على الحياة التي تتظاهر بالمعنى، والحال أن لا معنى لها على الإطلاق، فالكتب الوحيدة التي يجب أن تُـكتب حسب سيوران، هي تلك التي يكتبها أصحابها دون أن يفكروا في القراء، ودون أن يفكروا في أي جدوى أو مردود، فالكتابة لجمهور 
بعينه لا يمكن أن تؤدي إلا إلى عواقب وخيمة.

تكثيف التفاصيل
وقد أخذ سيوران من الشعر والموسيقا جوهرهما المشترك.. الومضة والإشراق، فكانت كتاباته بمثابة ومضات أو شذرات أو نتف متفرقة ساخرة من هذا الوجود بتمظهراته المختلفة، فكانت مدونته المتكونة من 15 كتاباً، إلى جانب عدد من المخطوطات التي عثر عليها بعد وفاته عام 1995، بمثابة الحِكم وتكثيف التفاصيل التي تحتفي بفلسفة اليومي والهامشي والشارع في تجلياته المختلفة، حيث بث في مؤلفاته تاريخه وتكوينه وأسئلته اليومية حول الحياة والمصير، البدء والتكوين، الولادة والحياة والموت، العيش والعمل ومشاركة الآخر، الدين والعلم والأفكار التي صاحبت الإنسان منذ الولادة، فكان متمرداً وصادقاً في رؤيته الفلسفية، عندما تقرأه تجده كأنما يتحدث عنك من خلال الأسئلة الوجودية في الذات والموضوع.

الكتابة بلون العدم
في «المياه كلها بلون الغرق» مجموعة من الشذرات المختصرة المقطعية في سطور قليلة قصيرة كتبت بلون العدم، ومن خلال قراءتك تستشف أنك مقبل على عالم لا تعرفه! ليس عالم الحياة ولا عالم الموت ولا ما بينهما، عالم مقطوعات متناثرة تعجّ بالفوضى والسخرية والتشاؤم والتناقض العجيب، فيأخذك تارة إلى سعة الإنسانية وطوراً إلى عتمة الانحطاط واللامبالاة! إن فلسفة إميل سيوران للعقل واللغة ظن والحب ظن والموسيقا، والكآبة، والشك، والحياة، والعزلة، الدين، كلها أشياء كثيرة ينكثها أو يعيد تشكيلها حتى يبرز صفة معينة فيها تبدو بشكل مختلف، أو يطلعنا على ما لم نكن قد التفتنا إليه من قبل.

مطالع ومقاطع
وفيما يلي مقاطع وطالع مختارة مما ورد في كتاب «المياه كلها بلون الغرق»:
– حين نكون على بعد آلاف الأميال من الشعر، نظل نساهم فيه بتلك الحاجة للعواء. آخر درجات الغنائية.
– الكاتب الذي لا يكتشف في ذاته أسباباً للشعور بالخزي أو يتهرب من هذه الأسباب، ليس أمامه إلا السرقة الأدبية أو النقد.
– غموض.. كلمة نستعملها لخداع الآخرين، لإيهامهم بأننا أكثر عمقاً منهم.
– من غير المعقول أن يكون احتمال وجود كاتب سيرة، قد دفع بعضهم إلى التخلي عن أن تكون له حياة أصلاً. 
– لاشيء يصيب العقل بالجفاف، مثل نفوره من تصور أفكار مبهمة. 

مثالب الولادة 
في كتاب «مثالب الولادة»، الذي ترجمه آدم فتحي، يركز سيوران على الفلسفي شذرياً، من خلال إلماعات عميقة متفردة تترجم توجهاته ورؤيته الكلية لإضاءة الوعي الإنساني، وتسبر أغوار الوجود، حيث يركز سيوران على قضية الولادة والوجود وعوائق الحياة متوقفاً عند محطات في الدين وعلم النفس والمتاعب اليومية التي تحصل للإنسان كالأرق والشك والغيرة والكوابيس والسأم والقلق، منتهياً في كتابه إلى الحياة والموت كقطبين يتنازعان وجود الإنسان بأسلوبه المتشائم السوداوي.
وفيما يلي مختارات من ومضاته الفلسفية:
– الوعي هو الرذيلة الوحيدة التي توحي لك بأن تكون حراً – حراً في بيداء.
– كلّ صداقة هي مأساة غير ظاهرة، سلسلة من الجراح غير المرئية.
– لا أتمنى أن يكون الآخرون منصفين تجاهي.. أستطيع أن أستغني عن كل شيء إلا عن الطاقة التي يمنحها الإحساس بالظلم.
– اقترفت كل شيء باستثناء أن أكون أباً!
– أن تعيش، يعني أن تتقهقر.
– الطريقة الوحيدة التي تتيح للمرء حماية عزلته تتمثل في أنْ يجرح الجميع، بادئاً بالذين يحبّهم.
– نحن لا نركض نحو الموت، نحن نفرّ من كارثة الولادة! نتخبط مثل ناجين يحاولون نسيانها.

تاريخ ويوتوبيا 
أما كتاب «تاريخ ويوتوبيا» فهو عبارة عن مقالات مطولة لسيوران يبدو فيها مؤرخاً باحثاً عن الدوافع الخفية وراء مختلف الأنظمة السياسية، معتبراً أن الإيديولوجيات تختلق فراديس في الزمن، ويكون موقعها إما في الماضي (النشأة) أو في المستقبل، وذلك بحسب الرغبة في الدعوة إلى الحنين إلى الماضي، أو إلى تصنيم التقدم، وينتمي الكتاب إلى جنس الفكر أو المقالة الفكرية، التي تجلت في الكتاب مبعثرة حيناً، وحيناً آخر على شكل فصول نثرية اختلف فيها عن مؤلفَيه السابقين. 

من أشهر أقوال سيوران
– الفوضى ترفض كل ما تعلمته، الفوضى تعبِّر عن نفسك وفطرتك.
– لا يستحق العناء قتل نفسك، لأنك تقتل نفسك دائماً بعد فوات الأوان!
– كل الأفكار مستمدة من الإحساس بالإحباط.
– ليس من فرق بين الكائن واللاكائن، إذا تأملنا فيهما بنفس الكثافة. 
– يفترض أن لا نؤلف الكتب، ألا لنقول فيها ما لا نجرؤ على البوح به لأحد.
– لا يستطيع أحد أن يحرس عزلته إذا لم يعرف كيف يكون بغيضاً!
– لا أقاوم العالم، أقاوم قوة أكبر، أقاوم تعبى من العالم.

وأخيراً…
عاش إيميل سيوران طوال حياته في الظل بعيداً عن الإعلام، ومن خلال ومضات وعيه الفلسفية التي تحمل الكثير من التأمل والصدق والعمق، مقترباً من قارئه، وهو الذي لا يقول بجدوى أو دعوى الكتابة لجمهور معين، ولكنها كتابة مضمخة باليأس الوجودي الذي ميز كل كتاباته تقريباً، مؤسساً لنسق مختلف وكلمة أكثر وقعاً أحياناً في ذهن القارئ لأنها نابعة من هامشه اليومي والمعيش، ومتسائلة عن سر هذا الوجود وكنهه والجدوى منه، ولكن بشكل أكثر سوداوية وأقل بهجة وأملاً، إلى حد بعيد.

  • عن الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

قد جاء وقتي وآنَ لي أن أكشفَ

* أحمد الشهاوي عاش النفَّري صاحبُ ” المواقف ” و ” المُخاطبات ” يسترُ معانيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *