الرئيسية / قراءات / صورة النوم في مجموعة «كسرة خبز»  للمغربي حسن إبراهيمي

صورة النوم في مجموعة «كسرة خبز»  للمغربي حسن إبراهيمي

(ثقافات)

  • موسى إبراهيم أبو رياش

 

قد لا نتفق تمامًا مع التصنيف بأن نصوص مجموعة «كسرة خبز» للكاتب المغربي حسن إبراهيمي هي شذرات أدبية، خاصة وأنه لا يوجد تعريف جامع مانع محكم لفن الشذرات الأدبية، مثله مثل فن القصة القصيرة جدًا، والومضة، وغيرها. ولكن «ديمقراطية الإبداع»، تستوجب احترام كل نص جميل يتضمن فكرة، ويتميز بالعمق والتكثيف والدهشة، ولن ندخل في متاهات التعريف، لأن كل فنون الإبداع تتمرد على التعريف، وتخالف الشروط، وهذا مطلوب، وإلا أصابها الجمود والتكلس والموت.

تضمنت المجموعة موضوعات وأفكار كثيرة، واللافت فيها كثرة النصوص التي تحدثت عن الشهداء، الموت، الصباح، الهجرة، الفقر، غير أني اخترت النوم موضوعًا لهذه المقالة؛ لأن النوم هو ما يُميِّز هذه الأمة، ولا تتقن فنًا أكثر منه، فهي نائمة في ليلها ونهارها، في حلها وترحالها، تنتقل من نوم إلى نوم، ليس شرطًا النوم البيولوجي، وإنما نوم العقل والفكر، ونوم الضمير، ونوم الإحساس، وكل أنواع النوم ما عُرف منها وما لم يُعرف. وما نعيشه من تخلف وتناحر وتفرق وضعف وفساد إلا نتيجة حتمية لما نعيشه من نوم على كافة الصعد، ولا تفسير سواه!!

وقد زاد عدد النصوص التي حضر فيها النوم عن خمسة وثلاثين نصًا، وستقتصر المقالة على ذكر بعض النماذج منها ضمن عنوانين:

 

الأنسنة

تميزت كثير من النصوص التي تناولت النوم بإضفاء صفات بشرية لغير العاقل، وخاصة الظواهر الطبيعية بما يعرف بالأنسنة، ومن ذلك أنسنة النوم، الذي يبتسم لليل؛ تقربًا منه حتى يرافقه ليغزو عيون الساهرين: «يبتسم النوم لليل ليرافق سفره في عيون الساهرين» .كما أن النوم  يرضع أجفان الساهرين حزنًا وجرحًا، ويبقيها مفتوحة؛ ليحرمهم من النوم: «كجلسة للطوفان… وكمن يرضع أسوار السجن.. يرضع النوم أجفان الساهرين… وفي كل ليل يسدل الحزن بهيمه في عيون كل لحظة تأبه النوم خارج الجراح» .والنوم يقود ويأخذ ويتحكم: «قادني النوم إلى حيث لا أدري، وحين استفقت أيضًا أخذني إلى حيث لا أدري»، فلا فرق بين النوم واليقظة، فهو يسير في تيه إلى حيث لا يدري.

والنوم كائن حي، يصلح كخصم أو ند: «أعارك النوم لأتجنب حلمًا يرحب به الانتظار»، فهو يعاند النوم ويصد هجماته، ويحاول أن لا يستسلم له حتى يتجنب حلمًا يراوده، أو حلمًا يترصد له. وفي النوم هروب من واقع مر، وحياة بائسة، ومن أجمل صفاته أنه يُنسي ويمحو: «يمحو النوم عار خدعة انتصبت بالنهار». وثمة صورة جميلة يرسمها الكاتب عندما يجعل النوم يُمطر، وتكتسح أمطاره شرفة الطيف، فإذا هطلت أمطاره، أحيت تعب الذكريات التي تبلل العينين بدموع الحنين: «اكتسحت أمطار النوم شرفة طيفي، فتبللت عيناي بتعب الذكريات».

ويؤنسن الكاتب الثلج ويغريه ويغويه لينام أعلى الجبل: «ببريق هواء أفتح قلب الثلج …. ألهوه بأثداء مبعثرة لابتسامات النساء… وبموسيقى رعد أطربه… لأفتح شهية النوم له بأعلى الجبل». وبالمثل، أنسنة الحلم، وما أشقى الإنسان عندما ينام حلمه أو يتلاشى يأسًا وهزيمة، مما يفرح الشيطان بانتصاره في زرع الإحباط والقنوط: «بعدما ينام الحلم بدون وسادة في سقيفة الانتظار… يشيخ الشيطان بعد انتصاره لاستعجال الوصول» .وعلى عكس الحلم، فإن الماء لا يعرف النوم، فهو دائم اليقظة والحركة والجريان، وموته يعني أنه لم يعد ماءً: «لا ينام الماء سيرا على الأخدود.. أوفي حجرة يصرخ منها السكون… أوفي جُحر طفولي… دماؤه شطبت على لعبها السفلي… كسَفر بدون هوية… أو كأيام حطمت شمسا لم تغلق بابا تفوح منه رائحة السجان». والمسافة أيضًا لا تنام، بل تتزايد وتتباعد الجهات: «بترانيم النار عارك الملح سؤدد رغيفي.. بماء الحنظل حنطه… وفي قاع السواد قذفه في مسافة لا تنام»، فحتى رغيف الخبز المجبول بالملح والحنظل بعيد المنال.

كما أن الأحداث تنام وتتوه: «نامت الأحداث بعدما أقفلت أزرار التاريخ… نامت في أقفال غابت عن أدوار الاستبصار… تاهت في أسوار تسجد بعد كل فضيحة لهزائم الاصطفاف»، فعندما نعيش في التاريخ، ونُرجع كل شيء للماضي، ونتغنى بأمجاد سلفت دون أن نتحرك خطوة للأمام، فهذا هو الموت بعينه، الموت الحقيقي للحاضر والمستقبل، وكل من يعيش في الماضي دون أن يهز شجرة المستقبل فهو ميت.

.

ثنائية النوم والموت

تضمنت المجموعة عددًا وافرًا من النصوص التي ربطت بين النوم والموت، ولا غرابة؛ فالنوم شكل من أشكال الموت، وهو موت مؤقت، أو هو تمرين على الموت: «أتاني النوم فخلته موتًا جسره انشطر». «يلاحق الموت النوم ليعلمه كيف يرقد في كل أطراف الإنسان» .وكأنما النوم طفل للموت، يرضعه الموت حتى يكبر ويصبح موتًا: «حينما يأتيني الموت أحيطه بصغار النوم… فيستلقي على دهر النقالة لإبراز أثدائه للصغار». بل إن النوم بلبل يغرد بإذن الموت، فالنوم درجة من درجات الموت: «بمعاول السر يفتح الموت بابا لبلبل النوم في كل تعب باقتدار».

الموت لا حيلة لنا فيه، والنوم سلطان كما يقولون، ولذا نتجاهل الموت، فهو آت في موعده المحدد، أما النوم فإذا أمر جنده فلا بد من طاعته، ولا طائل من معاندته: «اعتدت أن أتجاهل الموت لكن النوم حين يأتيني أتجاهل نفسي وأنام».

ويؤنس الكاتب الموت؛ فالموت  يمرض، ويتناول أقراص النوم ليتعافى، وكأن المطلوب أن يبقى الموت قويًا فاعلًا ينتعش بحصاده من الأرواح: «بعد إصابة الموت بمرض ناولته أقراص نوم للشفاء بدون حمله إلى المستعجلات».

وبعد؛؛؛ فإن مجموعة «كسرة خبز، حسن إبراهيمي، دار المختار، 2018، 80 صفحة»، ذات تكثيف لغوي، عميقة الأفكار، متنوعة المواضيع، مترعة بالألم، تُصرِّح ولا تؤمن بالتلميح، تستحق أن تُدرس شكلًا ومضمونًا، فهي تحتمل الاختلاف وتعدد القراءات.

شاهد أيضاً

“الفردوس المحرم” لـيحيى القيسي.. كتابة جديدة

( ثقافات ) *إبراهيم عبد المجيد أخذتني رواية ” الفردوس المحرم ” للروائي والقاص الأردني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *