الرئيسية / إضاءات / أحمد الشهاوي.. عاشق صوفي يراهن على القصيدة

أحمد الشهاوي.. عاشق صوفي يراهن على القصيدة

* مصطفى عبيد

قلم تجاوز حدود اللغة

قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاما سأل الشاعر محمود درويش صديقه الشاعر سميح القاسم في قصيدة أهداها له حملت عنوان “أسميك نرجسة حول قلبي” سؤالا مباشراً، أجاب عنه بسؤال آخر، فقال “أما زلت تؤمن أن القصائد أقوى من الطائرات؟ إذن كيف لم يستطع امرؤ القيس فينا مواجهة المذبحة؟”، كأنه كان يُقرّ مبدئيا بعجز الشعر عن مقاومة القبح، ومنع الحرب، ووقف الدمار، والشعر وقتها ديوان العرب الأول بالفعل، ونافذتهم للبوح، فالناس تبادلت القصائد كمنشورات، وأهداها المحبون لبعضهم كخطابات وصل.

تقهقر الشعر وعلو الرواية بين العامة، جعل طرح السؤال نفسه غير مقبول، ويبدو للوهلة الأولى كسؤال إجابته معروفة. فهو غائب تقريبا عن معركة الإرهاب والفساد والتخلف والفوضى ورفض الآخر. يبدو بعيدا عن الشارع، ونخبويا لا شعبويا، ومنسيا ومهمّشا، ومتروكا من معظم جمهور القراءة. لكن هناك قلائل مازالوا يراهنون على الشعر، ويقفون في العراء منفردين رافضين إقفال التوابيت على الشعراء ودفنهم إلى الأبد، وينكرون انزواءه ويقاومون بإصرار كل حجر يُرمى على المعلقات السبع أو قصائد طاغور.

من هؤلاء الشاعر المصري أحمد الشهاوي، الذي يظل ممسكا بجمر الشعر، ينفخ فيه ليبقى مشتعلا، ويضيء شُعلة تَحضر في عتمة مُدن ظلّلها النقاب، وأظلمها المد الأصولي المُناهض لكل إبداع وجمال.

عبقرية الشعر

يأبى الشهاوي أن يُقر بهزيمة الشعر، بخروجه من الساحة، ودخول زمن الغيبة والغيبوبة، بانسحابه من المعارك الحامية والدامية. ويحسبه غافيا وسينهض.

يصرّ الشاعر المصري على عبقرية الشعر، وعظمته، وجماله، وخلوده، ورغم أنه يضع عنوانا لافتا لكتاب يضم مختارات من شعره صدر منذ أيام عن دار ظلال في الأردن، هو “أنا خطأ النُحاة”، فإنه يعتز ويفتخر ويتباهى بخطأ اقترافه الشعر، وخطأ انجراره خلفه، وخطأ استمراره فيه. خطأ لذيذ ومُحبب ومغفور من ضميره سلفا، يزيده نقاء وصفاء ويقرّب خطاه من الجنة.

وكأنه يقول لنا “أنا سعيد بجريمتي، راض عنها، مؤمن بأن الله سيغفر للشعراء كُل خطأ وخطيئة”. الشعر في نظره لا يتراجع، وإنما الإنسان هو الذي يتراجع، وفي اعتقاده لا يموت، لكن قيم الحياة هي التي تحتضر.

يقول الشهاوي في حديثه مع “العرب”، “الشِّعر ليس في محنة، بل هي وسائل الإعلام، ودور النشر، وحال الجامعة والمدرسة، ليس هناك اهتمام بتثقيف القلب، وتشكيل العقل، ورفد الوعي بالخيال والسؤال، وتربية الروح، وتشذيب النفس، وغسلها من أدرانها وأكدارها”.

ويؤكد أن التصوّر القائل بأن كُتب الشعر لا تباع، هو مجرد أكذوبة يرددها الجميع بمن فيهم الشعراء أنفسهم، ويُمد كفه إلى مكتبته ليُخرج بعض كُتبه وعلى أغلفتها كلمتا الطبعة الثالثة والطبعة الرابعة.

ويضيف القول إنه لو أتيح لكتاب الشعر الحرية في السفر والتجوال والترحال والانتقال من مكانٍ إلى آخر، ومن بلدٍ إلى بلد بشكلٍ طبيعي دون قيدٍ أو شرط، لنفدت الطبعة الأولى من كل كتاب في أقل من أسبوع. مشيرا إلى أنه عندما صدرت له أربعة كتب شعرية ونثرية في أدب العشق، طبع من كل كتاب في مشروع مكتبة الأسرة بمصر 25 ألف نسخة، نفدت جميعها ولم تتبق نسخة واحدة في مخازن الهيئة.

اعترف الشهاوي بأنه لولا الشعر لما سافر شرقا وغربا وجاب دول أميركا اللاتينية والولايات المتحدة، وكافة الأقطار العربية، والهند واليابان، وأوروبا، وقد كافاه الشعر، وأسعده، لأنه آمن من البداية بأنه لا يقبل الشراكة، وفضّله على المناصب، وعلى المال، واعتبره سعادته الحقيقية. ورغم أنه القائل “كتبت كثيرا ولم أستطع إشعال ثورة/ كتبت حد الموت ولم أستطع شراء مقبرة/ كتبت حد إشعال أصابعي شمعا/ ولم أجد اسمي في سجل الذين ستغتفر ذنوبهم”، إلا أنه سعيد بكل ذلك، سعيد بفعل الكتابة لدرجة أنه يرى نفسه شاعرا كبيرا جدا، فيقول في قصيدة أخرى “أنا واحدي جمعٌ/ وبداوتي في النهر واضحة/ وقد خرجت عن الصراط”.

نموذج نادر

هزيمة الشعر لصالح الرواية، وخروجه من الساحة، ودخول زمن الغيبة والانسحاب من المعارك الحامية والدامية، أفكار يرفضها الشهاوي، لأن الزمن كما يقول كفيل بالغربلة

يبقى الشهاوي نموذجا غريبا لشاعر تحقق في زمن أفول، ومبدع قاوم في ظل تحولات كبرى، وحامل قلم تجاوز حدود اللغة، فتُرجمت أشعاره إلى لغات العالم كثيرة، فأبهرت وأسعدت، ويُقر بوجود شعراء كذابين، وموتى، لا يغادرون لحظات إلقاء قصائدهم.

يقول إن الشاعر لا يوجد بالقوة وإنما بالفعل، بالنص لا بالنصر الإعلامي، وبحضور الحرف لا بحرفة الدعاية، بالرؤية لا بالزفة، وبالمعرفة لا بمعرفة الشلة والجماعة، بذهب القول لا بزيف النقد المصاحب.

هناك شعراء وكتاب أسماؤهم أكبر من آثارهم التي تركوها وراءهم، غير أن الزمن، كما يقول الشهاوي، قادر على فعل التصفية والتنقية بغربلة

لا ترحم، فالشعر لا يحتاج اعترافا من أحد، فالشاعر يعيش بتنوّعه الخلاق، وخياله الغني الفياض اللامتناهي، يختاره النص وليس هو من يختار الكتابة. ويضيف “هو مجرّد، حذاف، شديد الكثافة، موجز وموح، حيوي، منطلق، شاطح، لا تقيّده حدود أو أعراف جمالية أو فنّية، صامت، بعيد عن الثرثرة، خالق أساطير، حواره الذاتي الباطني أعلى من سواه، وذو فيض طبيعي لا ينضب”.

ويكتب الشهاوي لنا ناصحا معشر المبدعين، فيقول “اذهبْ نحو ذاتك لتراكَ هناكَ، وحيدًا وكثيرًا ومُعتزلا صامتًا، لا تكلِّمُ الناسَ إلا منْ وراء فنِّكَ، أو من قلب فنِّكَ، ولتكُنْ لغتكُ ذاتك، ولونُك لونُ رُوحك، حيثُ تميلُ وتذهبُ نحو ما تختاره”. تلك تصورات قلم فذ، وروح مبدعة خلاقة، نسجت مشوار كفاحها خيطا خيطا دون تعجّل أو ضجيج.

بدأت رحلة الشهاوي في شمال مصر، حيث ولد في مدينة دمياط، شمال القاهرة في نوفمبر سنة 1960، حيث الطبيعة الهادئة، والمجتمع النشط، والرغبة العارمة لدى الناس في الصعود والتطور. درس الصحافة في كلية الآداب جامعة أسيوط، جنوب القاهرة، بحثا عن رابط بين مهنته المبتغاة وموهبته التي تفجّرت صغيرا في المدرسة عندما كان يكتب الشعر العمودي التقليدي، وفي أسيوط تخرج سنة 1983 ليعمل بمجلة” نصف الدنيا” الأسبوعية الصادرة عن مؤسسة الأهرام. وصدر له أول ديوان شعر بعنوان “ركعتان للعشق” سنة 1988، ثم أعقبه بكتاب “الأحاديث”، وصاحبتهما ضجة واسعة في الأوساط الثقافية.

ويبدو أن مشاركته في برنامج الكتاب الدوليين بالولايات المتحدة سنة 1991 فتحت أمامه أبواب الإطلال على مجتمعات الثقافة العالمية، فبعد حصوله على درجة الزمالة في الأدب من جامعة “آيوا” الأميركية عام 1991، بدأت ترجمة أشعاره إلى الكثير من اللغات مثل الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والإيطالية والبرتغالية.

وبعد أربعة أعوام حصل على جائزة اليونسكو في الآداب، ثم حصل على  واحدة من أعظم الجوائز التي يرنو لها الشعراء في العالم، وهي جائزة كفافيس عام 1998.

صدرت للشهاوي كتب شعرية عديدة، من بينها “كتاب العشق”، و”كتاب الموت”، و”قل هي”، و”مياه في الأصابع”، و” الوصايا في عشق النساء”، و”لسان النار”، و”باب واحد ومنازل”، و”أسواق الغمام”، و”سماء باسمي”، و”ما أنا فيه”. فضلا عن “نواب الله” وهو أحد الكتب المفنّدة لخطاب الإسلام السياسي. ويكتب مقالات دورية في عدة صحف مصرية وعربية وأجنبية.

يهدي الشاعر معظم كتبه إلى شخصية وحيدة هي نوال عيسى، والدته التي رحلت وهو دون الخامسة من عمره.

 

شفرة ضد الشفرات

الشهاوي يعتبر أن الشعر الذي يتّهمه الآخرون بالموت في هذه الفترة، له الفضل الأكبر عليه؛ جعله شهيرا وطاف به العالم، وحصل بفضله على جائزة اليونسكو في الآداب وجائزة كفافيس

تتمثل السمة البارزة لشعر الشهاوي في اجتيازه حدود اللغة وميله لصناعة تراكيب جديدة ساحرة ولافتة، فيقول في إحدى القصائد “كتبت آلاف القصائد ولم أصر رسولا”.

ويهتف في قصيدة أخرى “أنا ابنُ الحيرة، زادي القلق، وطريقي هو الشكُّ في ذاتي، والبحار التي تطل على روحي ملآنة بالحبر الذي منه أرتوي”. وتظهر مسحة التصوّف كسمة محورية في كتابات الشهاوي الشعرية والنثرية، وهي ما تلفت أنظار النقاد منذ البدايات لنجد الناقد الراحل عزالدين إسماعيل يكتب عنها يوما “هذه صوفية تنقض الصوفية، ونظام ينقض النظام، وشفرة تضاد الشفرات”. ويحاول صناعة شفرته الخاصة، حيث يبني الكلام بالوجود، ولا يبني الوجود بالكلام، مناقضًا لكل الشفرات التي عهدناها في شعر الصوفية، وإذا كانت “كن” شفرة الوجود، فالشهاوي يبحث عن “كن” أخرى، ومن هنا فهو يناقض الصوفية ويهدمها بأسلحتها ليقيم عالمه الخاص المعاصر المتفرد، ينقض النظام فيهدمه بوسائله نفسها، بنظام آخر، وتصوف آخر يرجو للعالم أن يدخل فيه التغيير، تغييرًا جذريًا لا شكليًا، ولا لفظيًا، فهو انقلاب على نظام الكون، ونظام اللغة.

نراه يرفض تجارة الدين، وينكر الحديث باسم السماء، فمهمته ومهمة الشعراء أن ينتفضوا ضد الأصوليين الانتهازيين. يكتب في إحدى قصائده “سأكتب/ لعلي أحكم دولتي وحيدا/ دون برلمان/ ودون شعب/ ودون ذقون تقتل الكذب/ سلما للسماء”.

ونراه هادئا سمحا رقيقا لا يُناطح جدران المادية، فيقول “اكتبوا فوق قبري/ كان هنا/ ومر عابرا/ وإن كان فيكم سخيُ فليزد/ كان يحب القطط الوحيدة والملابس والعطور/ والمرأة الزهرة”.

ورغم صلابته فأحزانه طافية واستشرافه للموت يبدو واضحا في معظم قصائده، خاصة في الديوان الأحدث الذي يحمل عنوان “ما أنا فيه”، إذ يقول في إحدى قصائده “ماذا لو مت وحيدا في الليل/ من سيُكفن لغتي/ من سيكفكف دمع الكتب الصاحية على رأسي/ ومن سيلقن شعري/ شهادة أني كنت بلا أشجار تنبت في كفيّ/ ماذا لو ضرب الضغط دماغي/ هل تختل موازين الأرض/ تموت طيور كانت تحيا من إيقاع كلامي/ ماذا لو جرؤ الموت وجلس على ركبة كرسي لي/ وخط خطاب وفاة لا رحمة فيه ولا استمهال/ من سيمدد لوحا محفوظا فوق الصدر/ ومن سيُهيّئ سفري للنسيان الأبقى”.

ويكشف الشهاوي لـ”العرب” أن هذه القصيدة تحديدا أبكته وهو يخطها، وتبكيه كلّما قرأها لأنها تشتم فكرة غياب الأحبة، شخوصا وكتبا وأماكن وأشياء، حيث يشعر باشتياق عارم تجاه الأحباب، ابنه الذي يدرس في أميركا، أصدقاؤه الشعراء في كل بلاد العالم، صديقه أدونيس، أساتذته ومعلموه، زملاء عمله، مقتنياته الفنية التي تزيد عن أربعمئة لوحة، كتبه التي خطها، والكتب التي أعجب بها فاشترى منها نسخا عديدة ليهديها لكل مَن مرّ به من أصحاب. كتب الشهاوي يوماً “دماغي ضريح/ لمن ماتوا غيلة/ وعلى انفراد/ وكلما صحا واحد/ قتلني وانتقم من غريب عليه”.

  • عن صحيفة العرب – لندن

شاهد أيضاً

ما دور الفيلسوف في زمن الوباء ؟

أجرى الحوار – غيوم لامي ترجمة وتقديم – د. حورية الظل   تتحدث الباحثة والمفكرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *