الرئيسية / خبر رئيسي / كي لا ننسى القدس

كي لا ننسى القدس

*خلود شرف

يقوم (دار وغاليري كلمات) بإسطنبول بتنظيم معرض مشترك للفنانين العرب تحت عنوان “ألوان تشكيلية للقدس والمقدس”. يعمل المعرض على تقديم عتبات فنية بصرية من ثقافات مختلفة، لرؤية حداثية وما بعد حداثية للفن بأصوات متفردة وبتقنيات متعددة، وتفضي حركة التزاوج والدمج للتعبيرات المختلفة للفنانين العرب في معرض مشترك عن القدس إلى دمج حالة إنسانية ورؤية شفيفة لعلاقة الفنان مع الحروب والاضطهاد الإنساني الذي تجاوز الأمكنة ليصير كارثة مأساوية حقيقية، كما إن الحركة الجوّالة للمعرض في أنحاء إسطنبول ستأخذ الفن إلى أكبر عدد من الجمهور المتلقي وبالتالي يفتح باباً لدمج ثقافة التزاوج للحساسية الفنية المتعددة، ليقدم فناً بصرياً بتفاعلٍ عالٍ.

يقدم كل فنان مشارك لوحتين من أعماله التي تلامس القضية الإنسانية للقدس وذلك من خلال أعمال مباشرة أو غير مباشرة، كل حسب أسلوبه وشخصانيته المتفردة، لكن الطابع العام للمعرض يحيلنا إلى مدخل من مداخل الحنين والانتظار الكامن في الوعي الجمعي للفنانين.

تبقى الذاكرة حاضرة في مخيلة الفنان أكثر من استمرارية الحاضر والمستقبل لديه، وإنْ عمل الفنان على صقل موهبته بما يتماشى مع الحداثة، لكن يبقى المنبع والاستقاء الأول للذاكرة من ذاكرة المدينة الأولى بحياته، والتي هي معبر لمعرفة هُويته، وهذا ما ظهر في لوحة الفنان الفلسطيني بشار الحروب لمدينته القدس.

كمّ المفردات الموجودة ضمن الفراغ للوحة العربية والخط العربي والشخوص والرمزيات، توصل الزمن بحركة حلزونية تبدأ من المركز وتتسع بحثاً عن هوية ما، إنّ اختزال التضاريس والمخزون الفكري والبصري بكثافة عالية، وبدقة تعطي انطباع سطحي يتمثل كزخرفات، وانطباع داخلي يتمثل باختزال الرمزية للغة والتعبيرات هو ما قدمه الفنان السوري نصر ورور.

دمج العمارة بالتشكيل، وتجسيد المدن من انطباعات بصرية تختزل الحركة والسكون، هذا ما قدّمه الفنان السوري بشر قوشجي من خلال لوحته التي تجمع بين الرماديات والأبيض والتي هي نفسها ايحاءات الاسمنت، وايحاءات مشوشة عن مدينة غادرتها الذاكرة وتتسلل إليها من ثقوب كامنة بالحنين.

من خلال تقنيات متعددة يقدم الفنان السوري عبد الكريم فرج لوحته التي يختزل فيها مراحل متعددة من التجريد بإطار غامق ليلقي السطوع على المربع المركزي الذي يدمج ما بين التكعيبية والتجريد، ايحاءات شخوص وذاكرة تملأ المكان.

ومن خلال شاشة التلفاز القديم يبث به الفنان السوري شادي أبو سعدة احتمالات متعددة للوجوه، كظلال مهمشة، يختزل بها ألف سؤال عالق وراء شاشة، ويسرد من خلالها انطباعات بصرية لشخوص معلقة بين الواقع والحلم كاللصاقات الإعلانية على الحائط.

مشهدية لونية رقيقة لشخصين أحدهما رجل يسوّف الرحيل إلى المجهول والثاني امرأة عروس، تحمل بإحدى يديها همّ روح ٍمغادرة، وتحمل بيدها الأخرى الزهور، اختزال لحظة بصرية تعمل على تزاوج المتناقضات بين اليأس والأمل. هو العمل الذي قدمته الفنانة السورية جهيدة بيطار كرسالة إنسانية.

صوت غناء يخرج من عمق اللوحة، وكورال يزاوج بين ترنيمة الأطفال واندماج الطبيعة، شفافية ألوان واندماج عفوي لحالة روحية لونية تنطق من خلال عمل قدمته الفنانة اللبنانية فاطمة الحاج، هذه الغنائية تظهر وكأنما هي أمام آثار ومدرّج قديم، تشي بقدرة الإنسان على الاستمرار والبقاء، من أجل الجمال.

حرف التيفناغ الأمازيغي محفور على لوح طيني مترجم إلى اللغة العربية بالخط الأندلسي على ورق قديم يبدو وكأنه ورق البردي، ضمن تقنيات متعددة يقدم الفنان الجزائري يزيد خلوفي عملاً فنياً يمتاز بالابتكار وبالتراث وبالمحافظة على الحضارات وتآخيها مع بعضها بعضاً.

مفارقة بين الموت والحياة، بين الولادة والمغادرة، وبين توديع شخص واستقبال شخص، مفارقة بين الألم الكامن على وجوه الشخوص وبين الفرح الإنساني الذي قدمه الفنان الغرافيتي السوري سمعان خوام.

زافين يوسف الفنان السوري عمله عبارة عن مجموعة لونية تتداخل كنقاط من الأكواريل محتشدة فوق بعضها البعض، وكأنه حشد جموع تنتظر الحياة الآتية من المستقبل، لكنها بنفس الوقت منهمكة بالمشاغل اليومية.

الفنان السوري علاء شرابي، يقدم عملاً تجسيدياً للإنسان المنكسر بتقنية الحفر، عملاً يعكس اختلاجات النفس البشرية التي أكلتها الحروب.

الفنان السوري إبراهيم الحسون يقدم عملاً بالزيتي ومواد مختلفة لإيحاء ظلال وشخوص ميتة، كثير من الموت يجتاح هذا العالم. وكأن المأساة انتقلت لتصير مأساة شاملة.

رامي صابور الفنان السوري يقدم عمله كانطباعات نفسية داخلية عن تأثير الطبيعة عليه، فتظهر بألوان بسيطة مختزلة، تفضي إلى حالة من المغيب وبنفس الوقت يعطي الضوء بها لحظة انبلاج معاكسة للمشهد العام للوحة.

منير حنون الفنان العراقي يختزل رحلة الإنسان وذاكرته العميقة والهشة التي ترحل برحيله، بمواد متنوعة يقدم عمله الفني بصورة فوتوغرافية لطفل تحتضنه والدته وهي جالسة على كرسي لتلتقط الصورة بالأبيض والأسود.

ظلّ يهرب من صاحبه ويرحل، اختزال لحظة رحيل لإمرأة تحني ظهرها وهي تحمل أمتعة في درب يفضي إلى اللاجدوى. موقف انساني ورحلة بحث تختزله الفنانة فاطمة لوتاه، تبدو أقرب إلى رحلة التهجير التي يعيشها الإنسان العربي، وعاشها من قبل الإنسان الفلسطيني، لكنها متمثلة برحلة شاقة للرمز الأم في دلالية رمادية بين الموت والحياة.

منذر الجوابرة يقبض على اللحظة ويطرزها بالياسمين حول وجه شخص ملثّم بالأبيض، هو عمل الفنان الفلسطيني الذي بقدم تجربته من خلال التركيب والتصوير.

 بورتريه الشخصية المنغلقة على خصوصيتها لدى الفنان الفلسطيني عبد الرؤوف العجوري، تبدي انفعالاتها وهي عارية الصدر بين احتمالية شخصية مراقبة وشخصية خائفة لكنها صامدة من داخل نفسها ومسالمة، انطباع يتأرجح بين المبالاة واللامبالاة، وكأنها شخصية خُلِقت لتحيا تمتاز بلونها الأسمر.

مشهد بصري من الأكريليك وايحاء شخوص مترنحة بين الثبات والسقوط هو ما قدمه الفنان السوري فؤاد دحدوح.

بورتريه تجريدي لا مباشر غارق بالحزن والانكسار وإيحاء أصابع تحمل عنه الخيبة وتقتله في الوقت نفسه، شعور انساني غارق في الألم وفي اجتراع الحزن مع ضبابية وغشاوة تمرّ من أمام العينين تفضي لروح غارقة في الضياع، هو عمل الفنانة السورية أسماء الفيومي.

الفنان السوري إبراهيم بريمو يختزل معاناة النفس البشرية الطامحة بالحصول على الخلاص، من خلال الأكواريل.

مازن خداج الفنان يقدم اختزال الجسد البشري بعضو وحيد يختصر حالة المرور القصيرة المتعاقبة للإنسان، رحلة يشقها بقدمين هو العمل الذي قدمه الفنان اللبناني.

الفنانة السورية زين الأحمد تختزل الموت باستخدام رمزية الغراب في لوحة يشوبها الأسود لأبنية لم يبق بها سوى صوت النعيق والدخان.

محمد ظاظا فنان تشكيلي سوري من مواليد الرياض عمله اللوني يقع بين ايحاء السوريالية أو الغموض حيث يقدم كائنات ونباتات من الطبيعية تبدو وكأنها من منظور جمالي مختلف فيه شيء من الشراسة، كما أن ايحاء المشهد العام هو مشهد غروب أو تلاشي أو رحيل، هو مشهد محيّر.

الفنان السوري خيام زيدان يقدم عملاً يعتمد على ايحاءات شجرة الحياة ويرصد الارتباط العضوي بين الإنسان وجذع الشجرة بتقنية الظل والضوء، مختصراً التكوين باللوحة كحالة فلسفية تكوينية لقصة الخلق وأسطرتها.

الفنان السوري غسان النعنع يقدم عمل يدمج به بين التعبيرية والتجريدية، مختزلاً حركة شخوص لوجوه تائهة تقف مواربة بين الظل والضوء كروح واحدة.

الفنان البحريني جبّار الغضبان يقدم لوحة يختزل بها حالة انتظار لامرأة ترصد الوقت على طرف مقعد.

الفنان الأردني محمد العامري يقدم عملاً تجريدياً بالأكريليك يختصر به حالة لونية متوازنة.

الفنان السوري نزار صابور يقدم أيقونة صحن الزيتون للشجرة المقدسة في الأرض والسماء.

الفنان البحريني عباس يوسف يقدم لوحته كتحية حروفية للشاعر محمود درويش، فهو يمزج الخط واللون بكيمياء النص القصيدة للشاعر الفلسطيني ليخرج بانطباع بصري يمازج اللوحة بالشعر.

الفنان السوري ادوارد شهدا يستحضر الفنان سميح القاسم في المشهد التشكيلي كشاهد عصر وشاهد حياة وشاهد كلمة وأرض “نعم يا شعراء الارض المحتلة” مزج الكلمة والمقاومة بالنص البصري

من شجرة الزيتون وألف كلمة تخطّ السّلام، ومن تراث بألوان شفيفة وحكايات شعبية تُسرد على ظهر الخيال، يرسل الفنان السوري بطرس المعري تعبيراته من خلال لوحته الموشّحة بصوت فيروز ليرسل التحايا “للقدس سلام آت”. تسود اللوحة انطباع سلام وتاريخ كامل يختزله الفنان في إطار.

وأخيراً وليس آخراً تحضر رمزية القدس من خلال فنانها الكاريكاتوري ناجي العلي وحنظلة الذي امتد ليصير أيقونة  للمأساة على المنطقة.

حوار عميق تجسده تجارب الفنانين من أعمار ومراحل مختلفة، كل منهم يخرج من تجربته الشخصية ليدخل في تجربة عامة مشتركة تختزل المكنونات الدفينة للإنسان الفنان في محاولة لمعرفة الهوّية الضائعة للوجود، وفي سبيل سبر الحقد البشري الذي يطغي على النفوس، لإحلال السلام. الافتتاح في تاريخ 29/04/2017 في جواهر هوتيل وبعدها سيكون المعرض جوال في اسطنبول وباقي المحافظات التركية.
______
*نشر في القدس العربي

 

شاهد أيضاً

عائشة البصري: لن ننسى بسهولة هزيمتنا أمام فيروس صغير!

* عماد الدين موسى عائشة البصري شاعرة وقاصة وروائية مغربية، عضو الجمعية الدولية للنقد الأدبي (AICL) في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *