الرئيسية / خبر رئيسي / خطواتٌ فوقَ جسدِ الصّحراءِ (6)

خطواتٌ فوقَ جسدِ الصّحراءِ (6)

خاص- ثقافات

*وهيب نديم وهبة

القسم الأخير  من المطولة – خطوات “رحلةٌ نبويّةٌ منَ الجاهليّةِ حتّى حجّةِ الوداعِ”

قمرٌ
لا يَحلمُ فوقَ مكّةَ
يهجرُ المْكانَ في سكونِ صمتِ الْحركةِ / ويدخلُ بلادَ الْحبشةِ

تغلِقُ “قريشُ” طوقَ الاختناقِ حولَ أعناقِ المْسلمينَ / ويخرجُ سيّدُ الْأرضِ /
كما تخرجُ الْبذرةُ منَ التّربةِ /
وينبعثُ الصّوتُ منْ مئذنةٍ / كما ينبثقُ الضّوْءُ منَ الْعتمةِ

هذا الزّنجيُّ منَ الْأحباشِ
يرفعُ الآنَ الْآذانَ فوقَ مئذنةٍ حبشيّةٍ
مَرحى بلالُ مَرحى بلالُ / يشربُ الْقمرُ الْحالمُ هذا المْساءَ /
ماءَ الصّوتِ / في آياتِ اللهِ مرحى بلالُ /
لكَ المْجدُ
لكَ ما بسطَ اللهُ منَ الْوحيِ / ما أنزلَ منَ الْحكمةِ /
ما أبدعَ في التّنزيلِ

قمرٌ
لا يَحلمُ فوقَ الْحبشةِ هيَ ليلةُ الإسراءِ
سيّدُ الزّمانِ يفتحُ سماءَ الْعرشِ / يدخلُ سيّدُ الْأرضِ في غياهبِ الْغيبِ
(لقدْ صلّيْتُ معكمُ الْعشاءَ الأخِيرَ ثمَّ جئْتُ بيتَ المقدسَ وصليْتُ فيهِ)

ثمّ يسجدُ فوقَ عرشِ اللهِ / و.. ويدخلُ السّماءَ السّابعةَ
* ثمَّ حمَلتْهُ دابّةٌ عجيبةٌ هيَ الْبراقُ لها وجهُ المْرأةِ وأجنحةُ النّسرِ
وذنبُ الطّاووسِ إلى السّماءِ السّابعةِ

قمرٌ
يصعدُ في..
صعودِ المْعراجِ ويحطُّ فوقَ محطّةٍ
هيَ رحلةٌ فوقَ صخرةٍ تنطقُ الصّخرةُ كما الصّحراءُ / باسمِ اللهِ في بيتِ المْقدسِ /
تجمَعُ الْقدسُ شراشِفَ الْحريرِ / وتنامُ عندَ الْفجرِ مسلّمةَ /
الرّوحِ والْجسدِ فوقَ زنودِ مكّةَ

صخرةٌ، هنا قبّةٌ وهناكَ كعبةٌ مشرّفةٌ / يعودُ الْقمرُ منَ الْبعيدِ الْبعيدِ..

تغفو عينايَ قليلًا / يأخذُني الْقمرُ يطوفُ بي يَعْلو /
كما تعلُو إلى السّماءِ المْعجزةُ /
يُعتصرُ رملُ الصّحراءِ / مطرًا / وينسكِبُ في كوؤسِ الرّيحِ غبارًا

يدخلُ سيّدُ الْأرضِ في صلاةِ الْغيبِ
ويرفعُ بلالُ الْآذانَ فوقَ مئذنةٍ
تُطلُّ على الدّارِ الْبيضاءِ…

أصحُو على صهيلِ الْقمرِ يُناديني / أنْ أدخلَ في سَفَري /
أنْ أجعلَ مكّةَ / قِبلتي وطريقِي /

قمرٌ
كانَ دليلي
وليلي على سفرٍ وقوافلُ الرّاحلينَ / “إلى يثربَ” تشنُقُ حبالَ الْخيامِ في أوتادِ النّخيلِ /
وتفوحُ رائحةُ الطّيوبِ على طريقِ الْقوافلِ الْقادمةِ منَ “الْيمنِ” إلى “الشّامِ”

أقولُ: ثريّا في خيالِ غسقِ الصّحراءِ / يقولُ: سيّدُ الزّمانِ والمْكانِ (ي ث ر ب) في نقوشِ سَبَأَ
يقولُ: بطليموسُ “يثريا” / أقول: ثريّا في خيالِ عشقِ الصّحراءِ

قمرٌ
فوقَ “الثّريا” يُصبِحُ بدرًا في عامِ الْهجرةِ
يرفعُ منْ موقِعِه بدرَ مقامِ المْعجزةِ / ويشقُّ عتمَ اللّيلِ يفتحُ عهدَ منارةِ /
النّصرِ /
تخطو هَا هُنا / تَنزلُ الثّريّا منَ السّماءِ / وتصبِحُ “المْدينةَ المْنّورةَ”

وقفْتُ ساجدًا على أعتابِ نرجسِ الزّمانِ/ أعرفُ ميلادَ الزّهرِ والْعشقِ والْأقحوانِ /
أعرفُ الطّريقَ إلى “المْدينةِ المْنوّرةِ” والْعودةُ.. منْ هجرةِ غربةٍ ليسَتْ مستحيلةً.
قدومُ قدميْكَ ها هنا ليسَ مستحيلًا.. / هيّ لحظةٌ..
ما بينَ صلاةٍ وصلاةٍ  / أنْ يدخلَ الْقلبَ نورُ الْأنوارِ وتُشرقُ مكّةُ..

الشّمسُ هناك موقدٌ “للْخبزِ الْعربيِّ”
رغيفٌ للْعشقِ
رغيفٌ للْجارِ
رغيفٌ للْعابرِ ..
“فأمّا الْيتيمَ فلا تَقهرْ وأمّا السّائلَ فلا تنْهرْ ”

قمرٌ
يدخلُ كالرّيحِ بينَ أصابعي / يرفعُ أصابعي الْخمسَةَ في الْهواءِ /
ويُشيرُ “سلمانُ الْفارسيُّ” بحفرِ خندقٍ / حولَ المْدينةِ

خرَجَتِ الْوثنيّةُ لحربِ اللهِ
وخرجْتَ أنتَ منْ عندِ اللهِ رسولًا منصورًا /
لكَ يومُ الْجمعةِ للصّلاةِ / وشهرُ الصّومِ في رمضانَ /
والْحجُّ إلى الْكعبةِ ولثمُ الْحجرِ الْأسودِ / وتُشرقُ مكّةُ..
سيّدةُ الأرضِ الْحبيبةُ
طَوْعُ يديْكَ مؤمنةٌ

اسرجْ خيلَكَ ترجّلْ / ما زالَ أمامَ اللّيلِ سَفَرٌ /
ما زالَتِ الطّريقُ طويلةً واللّيلُ قمرًا / وعرباتُ النّعاسِ/
تحمِلُ النّجومَ عرائسَ منْ نورٍ / وتصعدُ منْ وادي “منى”
وتنامُ فوقَ قِمَمِ جبلِ “عرفاتٍ”

نمْ قريرَ الْعينِ إلّا منْ هواكَ
طالَ السّهادُ بمقلتيَّ والنّومُ جفاكَ / جفناكَ على بهاءِ سناكَ /
وعشقُكَ ليسَ عشقَ قيسٍ / على وردِ “ليلى” على جمرِ نهدٍ /
وقيسُ على بحرِ حبٍّ / يُحاكي الْجنونَ..

جُنوني في سَفري طفلٌ شُرِّدَ منّي ذاتَ زمانٍ
تحرّرَ منْ قبضةِ الزّمنِ لعبَ بالْوقتِ إلى الْوراءِ /
جمعَ عقاربَ السّاعةِ ودورانَ الزّمنِ في حقيبةٍ /
هيَ خيمةٌ منصوبةٌ في تلالِ “الْوادي الْخصيبِ” /
وسافرَ في التّوقيتِ الْآتي..

تركَني معلّقًا
لا أرضَ تجمعُني
لا سماءَ تأويني لا وطنَ يأخذُني / ويَمضي في سَفَري /
سواكَ سواكَ يا قمري / ردّ لي منْ ليالي شهرزادَ /
قمرَ الزّمانِ وبدرَ الْبدورِ يا قمري

أضعُ يديَّ فوقَ غيمةٍ
هيَ خيمةٌ راحلةٌ / أبحثُ عنْ موطنٍ لقدمي /
تغتالُ في جنونِ الْوهمِ تاريخي، / وجنوني كانَ في سَفَري /
نمْ قريرَ الْعينِ أدركني الصّباحُ

تتوقّفُ الْجيادُ ظهرًا عندَ النّبعِ
جيادُهُم هي المْهرُ الْأصيلةُ / يا وقعَ الرّيحِ على جراحِ الْقصيدةِ

تتوقّفُ جيادُهُم عندَ النّبعِ /  سلامًا: على “بئرِ زمزمَ” وعلى “الرّسولِ” /
سلامًا: على لغةِ المْاءِ في التّفسيرِ /
ولغةِ الظّمَأِ /  وجوعِ الْأرضِ إلى ينابيعِ السّماءِ

ينحدرُ ماءُ النّبعِ بينَ يديكَ / في صلاةِ باسمِ اللهِ
باسمِ الرّحمنِ الرّحيمِ

حمدًا لجنوني يتركُني هذا النّهارُ
كيْ تقرأَ يدايَ لغةَ المْاءِ في آياتِ الْبحرِ والْعواصفِ / حمدًا للْباري /
الّذي أبقاني / كيْ أكتبَ وصيّةَ الصّحراءِ

الْعبادةُ مصابيحُكَ المْضاءةُ
نجومٌ منْ شعاعٍ / حمَلَتْ جوهرَ الْأسماءِ / ومكنونَ الدّنيا والآخرةَ

كنْتُ على أعتابِ مكّةَ
أهزُّ قرصَ الشّمسِ .. / وكانَتْ “مكّةُ” /
تَنزِلُ مثلَ عروسٍ في ليلةِ فرحٍ /
في هودجِ ذهبٍ /  في ليلةِ عرسٍ
منْ عنانِ السّماءِ

هيَ لحظةُ الْوجدِ في التّوحيدِ
ما بينَ الْخلقِ والْخالقِ
ما بينَ كتابِ اللهِ
وكتابِ المْاءِ والْحرمِ الشّريفِ والْكعبةِ / هيَ لغةٌ لا تعرفُ إلا الرّمزَ /
ما بينَ النّاسخِ والمْنسوخِ والظّاهرِ والْباطنِ / هيَ لحظةُ خلقٍ في التّكوينِ /
فتَحَتْ فيها “هاجرُ وإسماعيلُ”  كتابَ المْاءِ / فكانَتْ بينَ يديِّ المْصلّينَ زُلالًا

هيَ لحظةُ خلقٍ في التّكوينِ
أنْ تعودَ إلى مكّةَ
وأنْ تكونَ «حجّةُ الْوداعِ»
لا إلهَ إلا اللهُ

شاهد أيضاً

إنّهم يسرقون كلَّ شيء لتبرير احتلالهم

 * زياد أحمد سلامة   في رواية “عائد إلى حيفا” للراحل غسان كنفاني رأينا “سعيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *