الرئيسية / خبر رئيسي / أوبرا الذئاب

أوبرا الذئاب

*إبراهيم نصر الله

أغنية الذئبة
لتقلْ كلامًا واضحًا مثلي ومثلَكَ في شَمال عُوائِنا
قُلْ أيها الذئبُ القليلَ أو الكثيرَ
أو التهمْني
قُلْ ما سيُغلقُ بابَها.. هذي الرياحَ
ولا تدعْ عينَيَّ غارقتينِ في بحر الفراغْ
وفمي يُفتِّش عن بقايا قُبلةٍ في غفوةِ الأعشابِ
في الظلماتِ
قُلْ شيئًا لتُرضي غابةً
شيئًا يُذيب الثّلجَ
ذاكَ ربيعُنا في آخرِ الدُّنيا.. تأخَّرَ
والتلالُ هنا ستفتقِدُ العِنبْ
لا صيفَ فينا أيها الذئبُ البعيدُ
نبيذنا رفُّ الطيورِ
وما تبقى منكَ لا يكفي لأذكرَ ما مضى يا ذئبُ..
والآتي حطبْ
لتقُلْ ولو بعضَ المخالبِ أيها الذئبُ
استبحْ عُنُقي
وصدْري
مثلما عضَّ الهواءُ شتاءَنا
وعَضَضْتَ مئةَ قمةٍ خلفَ الرِّياح وأنتَ تعدو خلفَ صدري فاضحًا أسرارَنا
قلْ ما تريدُ لسُرَّتي
لأرانبي البيضاءَ فيها.
قُلْ ما تريدُ لرُكبتَيَّ
لتشتهيكَ وتشتهيها.
قُلْ للرياحِ لتعلوَ الأشجارُ أكثرْ
قُلْ وثبةً كالنارِ تطرحُني ربيعا.
قُلْ ما سيُشعِلُ صيفَنا
قُلْ يا حميميَ
لا أريدُ سلالةَ الرَّحالةِ،
الغرباءِ، تُجّار الفِراءِ
ثمالةَ الفزعِ المُعشْشِ في أصابعهم
على طرفِ الزِّنادْ
إغلاقَهُم أبوابَهم في برِّنا
وكأنّهم ليلَ الفريسةِ في الرّمادْ
لتقُلْ عواءً شاسعًا كالرّيحِ
وانفُضْ عن متاهةِ وحْشَتي هذا الضّبابْ
بَدِّدْ عماءَ الوقتِ واقفزْ من دمي لدمي كآخرِ ذئبةٍ في الأرضِ وافتحْ ألفَ بابْ
قُدْني أمامَكَ يا ابن أوردتي قطيعًا من
أيائلَ، خائفًا، قد ضيَّع الأقدامْ
قمرًا حليبيًّا رآكَ ففرَّ لاعِنًا الظّلامْ
أو مثلَ ثعلبةٍ تُريدُكَ ذئبَها
شحرورةٍ ذابتْ غناءً في أعالي روحِها
غنَّتْ لهذا الليل: فلتحيا الذئابْ
قُلْ أيَّ شيء أطبقَ الماضي على روحي كأسرابِ الذُّبابْ
ثمَّ اختفى خيطُ المدى ما بين أرضيَ والسَّحابْ
سَكَنَ الشَّمالَ سكونُ غيبتِكَ الطويلةِ
أطفأتْ شرفاتُهُ عيْنِيْ كأنّي لستُ من نارٍ
كأنّي من ترابْ
وصرختُ، لا عادَ النّداءُ.. ولوْ صدى
والصوتُ ذابْ
يا ذئبُ أَقْفَرَتِ المسافةُ بين إسْمَينا وجمرِ غريزتي.
فكأنَّ أنهارَ الثلوجِ تجمَّعتْ كي لا تكون الذئبَ في نفسي..
ولا أنا ذئبةٌ
كي لا تقولَ: حميمتيْ..
أنا ههنا
يا ذئبُ
يا.. يا أَنتَنا
اتسعَتْ جهاتُكَ
أرضُكَ البيضاءُ من قمم الجبالِ إلى عُجولِ البحرِ
لكن المدى قد باتَ أضيقْ
يا ذئبُ يا نابَ السّماء وبرقَها
هذا العواءُ سلالمي لكَ والهواءُ يهبُّ أزرقْ
أُخرجْ وحيدًا يا وليفَ نوافذي الحمراءَ من قلبِ الرّياحْ
فلقد تعبتُ
فلا ظلامٌ يشبهُ الظلماتِ
أو نجمٌ يشيرُ إلى الصباحْ
يا ذئبُ إنْ لم.. لم تكن ذئبي
فلا هذا القطيعُ هنا، هناكَ، قطيعَنا.
يا ذئبُ إن لم.. لم تكن نفسيْ
فلا هذي الفرائسُ يا وحيديَ بعضَنا
يا ذئبُ أَسمَعُ خفقةَ النار العظيمةِ ملءَ صدركْ
خلفَ الغموضِ، وهمسةَ الوحش الغريبِ لبعضِهِ أو ما تبقّى..
من نفسهِ، إن ذابَ شوقا
لا تَلْهُ يا ذئبي
فتلكَ قصيدتي
وأعدْ قراءتَها: الوصايا، في الكتبْ
كتبُ الذئاب، ثلاثةٌ:
قد كانَ أولهَا البياضُ وكان ثانيها الفريسةُ كان ثالثَها الجنونْ
اكتُبْ هنا في لحمِ روحيَ ما كتبتَ
فما أنا أنثى لنَسْرٍ لم تعشْ إلّا على ما قد تبقّى من بقايا صيدِنا
فأنا.. أنا
أنا ذئبةٌ
لا لستُ أرنبةَ الفلاةِ يلوكها، منذُ الخليقةِ، خوفُها، من ظلِّنا
قُلْ أيها الذئبُ كلامًا واضحًا
يا ذئبُ
واعبر من غيابِكَ نحوَ لحمي
يا ذئبُ قُلْ إني الفريسةُ
آخرُ الغِزْلانِ..
في شرقٍ وغربْ
فانهضْ وثِبْ
إني الغزالةُ إن أردتَ
فقُلْ كلامًا واضحًا يا ذئبُ
أَوضَحَ
قُلْ كلامًا، يا حميميَ، عاصفًا مثلي ومثلَكَ في الهواءِ وفي الهوى.. كالذِّئبْ!

وصايا العاشق

دَعْ ذئبتَكَ تأكُلْكَ
ولا تترحَّمْ على أيِّ شيءٍ فيك
هي الأحقُّ بلحمِ يديكَ
وعُنقِك
وصرخةِ أَلمكِ العذبةِ وهي تُرْديك
لا تأسفْ على قلبِكَ
فإنها فيه
ولا على كتفيكَ المفتونينِ بدفءِ فرائِها
دعْها تعوي في ليالي دمِك
فوقَ السَّطحِ أو على قمةِ الجبَل
وتتلوَّى كالسَّيلِ في انعطافاتِ الودْيان
دعْها تبحثُ في عمق خلاياكَ عن نافذةٍ تُطلُّ منها
على مواقدِ لهفتِك
دعْها توقِدُ جنونَكَ بمخالبِها المضمَّخةِ بذاكرةِ الوحوشِ
ونَهَمِ العشّاق
دعْها توقظُ شهوةَ الفريسةِ للذوبانِ
بصيحاتِها الكافيةِ لرفعِ سماءٍ ثامنة
دعْها تُمهِّدُ الطريقَ بجرْويها الصَّغيرين
لضياعٍ لن تتمنَّى العودةَ منه
وجنةٍ عالقةٍ بخطاها
من مطْلعِ النَّجمِ حتى بواباتِ الفَجْر
لا تقُلْ لذئبتِكَ إني تعبتُ
لا تهدُرِ الوقتَ حتى بأُغنيةٍ
أو بكتابةِ قصيدةٍ كهذه
مثلما أفعلُ الآن
لا بأسَ أن تُراقصَها
وهي تَقضِمُ أصابعَكَ واحدًا تلوَ الآخر
وتلعَقُ وجهَكَ ببروقِ نشوتِها
كُنْ وليمتَها المُعدَّةَ لها
وليمتَها التي تنتظرُها مُذْ ولِدْتَ
ومُذْ فاجأكَ الزَّغبُ المُتطلِّعُ لرحابةِ الجناح
ومُذْ هزَّتْك عذوبةُ السرِّ الكبير
وأنتَ تلهو، حَذِرًا، بطيفِ ابنةِ الجيران
دعْ ذئبتَكَ تأكُلْكَ
وكُنْ نبيذَها الذي عتَّقتْهُ الرَّغبة
والسماءَ التي لا تكفُّ عن المطرِ مهما علا الطّوفان
كُنْ هواءَ شهقتِها وهي تُحلِّق
وحصانَها وهي تُغيْر
دَعْ ذئبتَكَ تأكُلْكَ
وافتحْ عينيكَ جيدًا إلى أن تنتهي منكَ تمامًا
وتذكَّرْ شيئًا واحدًا وأنتَ تختفي فيها:
أنكَ كنتَ ميتًا ستظلّ
ميتًا إلى الأبدْ
لوْ لم تأكلْكَ الذِّئبة!
من ديوان «الحب شرير» ويصدر قريبا عن الدار العربية للعلوم، بيروت.
____
*القدس العربي

شاهد أيضاً

حارب الظاهري، سارد الألوان في “عين الحسناء”..

( ثقافات ) د. المعزّ الوهايبي  قد تكون رواية “عين الحسناء” لحارب الظاهري متينة الأواصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *