الرئيسية / خبر رئيسي / المثقف رقيباً

المثقف رقيباً

القاهرة- الرقابة ليست شكلاً من أشكال القمع بقدر ما هي تعبير صارخ عن الفوضى، وعدم الفهم، كما أن ردود الأفعال المتناقضة على الوقائع الرقابية تكشف مدى شخصانية المثقفين واختلافهم في ما يجب أن يتفقوا عليه، أي المبادئ الكبرى كحرية التعبير، والتلقي، والمفاهيم الأساسية الخاصة بالإبداع الجيد.
من حق أي مستهلك أن تصل السلعة إليه كما يفضلها، لا كما يفضلها غيره، أو يفلترها له، من حق النظام الحاكم أن يحمي وجوده ومصالحه، ومن حق أي اتجاه سياسي آخر أن يطمح إلى الحكم، وأن يتخير كلاهما (الحاكم والطامح) من الوسائل ما يناسبه في ذلك الصراع، لكن استغلال الدين والإبداع في الصراع الفكري والسياسي جريمة، فلترة المعرفة جريمة، ومن شأن كل جريمة أن تنتج مزيداً من الفوضى والتناقض والعنف.

ترى د. عبير سلامة في الكتاب الذي أعدته عن علاقة باكثير والمسرح المصري تحت عنوان «الخروج عن النص»، أن لجان القراءة في المؤسسات الثقافية واحدة من أهم مستويات الرقابة على الإبداع، والأغلب على أعضائها أن يكونوا من الكتاب والفنانين، ظاهرياً من باب أن يحكم على الإبداع حكام من أهله، ومن باب فلترة المعرفة المارقة من وجهة نظر نظام أو اتجاه سياسي، في ما وراء الظاهر، ولا نملك أن نلوم رقيباً بعينه، لأنه في نهاية الأمر موظف ينفذ تعليمات مراوغة، المشكلة حقاً في موقف المثقفين غير الموظفين افتراضاً، فهو موقف يجمع ببراعة مدهشة بين تناقضات مربكة، ويتراوح بين المطالبة بالحرية غير المشروطة وتأييد المصادرة بغوغائية.
الرقابة كما توضح د. عبير سلامة وظيفة محورية في بنية أي نظام، وتمارس بحدس سياسي من الرقباء حتى لو كانوا مثقفين وأدباء، لأن انسجام هؤلاء مع النظام – باستثناء الغرض النفعي – ما جاء في الأصل إلا من إيمان ببعض الرموز فيه، أو توهم قدرة المثقف على التغيير، وأحياناً مجرد الأمل في أن يأتي المستقبل بجديد، لكن حقيقة الحال أن الرقيب وكيل سياسي للنظام.

بعد هزيمة يونيو 1967 قدم سعد الدين وهبة مسرحية «سبع سواقي»، المنشورة في كتاب لعرضها على المسرح، فحولت إلى نجيب محفوظ الذي عمل زمناً في الرقابة ومستشاراً لوزير الثقافة، وكان رأيه أن المسرحية رائعة، ويمكن عرضها، لكن ليس في هذا الظرف التاريخي الصعب، فذهبت إليه الكاتبة صافيناز كاظم في إحدى جلساته مع أصدقائه، واحتجت بعنف على رفضه المسرحية، وهو المثقف والأديب، فعلق على تلك الملاحظة بأن المثقف شيء، والموظف شيء آخر، ولا يجوز أبداً الخلط بينهما.

وفي منتصف السبعينات رفضت الرقابة معالجة سينمائية قدمها صلاح أبو سيف لرواية يوسف القعيد «يحدث في مصر الآن»، وعندما تظلم أبو سيف من القرار أرسلت المعالجة إلى سعد الدين وهبة وسهير القلماوي – بوصفهما مستشارين – لإبداء الرأي، فأيدا معاً قرار الرفض، اعتماداً على وجود مادة في لائحة الرقابة تنص على منع أي عمل أدبي يمكن أن يسيء إلى علاقة مصر بأصدقائها الأساسيين، ورواية القعيد تسيء إلى أمريكا بالطبع. وتشير عبير سلامة إلى أن الاشتباك المفتعل بين دوري المثقف والرقيب، وفقاً للشاهدين السابقين، لا محل له، ما دامت الرقابة وظيفة إدارية في جهاز الدولة التي تضع القواعد، وتقرر بأبوة قدرية ما يجب أن يطلع عليه المجتمع، وما لا يجب، فلكل وظيفة قوانينها الموضوعة بداهة، كي تطبق من الموظفين، ولا أحد يبقي على موظف غير مطيع، الاشتباك الحقيقي بين الدورين يحدث تطوعاً من المثقف خارج محبس الشرط السياسي، كأن يصف شاعر شاعرة وصفاً أخلاقياً لا يختلف عما يرد في تقرير رقيب مثالي، أو يبدي روائي ملاحظات رقابية نموذجية على نص روائي فيلفت نظر الرقيب إلى ما غفل عنه، أو يقوم كاتب بدور الأجهزة الأمنية في الدولة، فيدافع عن أمن الوطن والمجتمع، أو يقوم بدور الجهاز المركزي للمحاسبات فيدافع عن أموال دافعي الضرائب، ويتربص بأوجه صرفها على الإبداع، أو يقوم بدور المساجد والكنائس فينعي ضياع الفضيلة.

وتمثل رواية صنع الله إبراهيم «تلك الرائحة» نموذجاً رقابياً مثالياً، بمعنى أنها قدمت لجميع الرقباء نموذج التعبير الأدبي الخلاق، الذي يجب تعديله أو حذفه كلية للحفاظ على عفة المجتمع، كما يتصورها النظام، وقد صدرت تلك الرائحة للمرة الأولى في فبراير/شباط 1966 بمقدمة ليوسف إدريس، وصودرت بأمر مباشر من النظام، لا القضاء، ثم أعيد نشرها بعد عامين تقريباً بعد حذف مقاطع كثيرة منها، لكن ما يلفت النظر أن صنع الله نفسه كان يعمل محرراً في دار الثقافة الجديدة، التي أصدرت الرواية، ما يعني أنه كان رقيباً على نفسه، وأنه قام بمبادرة لتمرير نشر الرواية بالموافقة على تعديل الأجزاء المعترض عليها رقابياً أو بحذفها تماماً، وتبدو أهمية هذا الإجراء في أنه حمل حكماً نقديا من الروائي على عمله، فإمكانية الحذف من دون أن يتأثر المضمون لا تعني سوى مجانية التعبير الفج وانفعالية استعماله، وهذا ما يبرر اتخاذ الإجراء نفسه بعد سنوات مع رواية غالب هلسا «الخماسين».

صدرت هذه الرواية سنة 1975 وتم حذف أكثر من 20 فقرة اتسم فيها التعبير بالفحش والبذاءة، مع ملاحظة أن الفقرات السياسية لم تمس، ثم صدرت الرواية بعد 3 سنوات من بيروت بعد أن قام هلسا بتعديل أجزاء ضخمة بالحذف والإضافة وإعادة الكتابة، وترتب على ذلك وجود نصين من الرواية، تتساءل عبير سلامة: هل يمكن نفي علاقة صنع الله إبراهيم بما خضعت له رواية «الخماسين»، خصوصاً أن طبعتها الأولى صدرت عن دار الثقافة الجديدة؟ أياً كانت الإجابة فإن هذا لا ينفي حقيقة أن المثقف عموماً، والمثقف الرقيب خصوصاً، حر في محبس شروط النظام السياسي.

__________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

حكاية رام الله والذاكرة

بقلم وعدسة: زياد جيوسي “الحلقة الثانية”     أقف في زاوية الشارع أستعيد في ذاكرتي دوار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *