العلم

خاص- ثقافات

*محمود شقير

تخيط العلم ذا الألوان الأربعة على ضوء المصباح الخافت، تحنو عليه وهو بين يديها كأنه وليدها الرضيع، والرجل يتأملها دون كلام لأنه يحترم صمتها الرزين كلما انهمكت في عمل ما.

       ترفع رأسها بعد وقت، تنهض بقامة هيفاء مثل الفرس، تقبض على العلم الناجز بكلتا يديها، ينسرح العلم على امتداد قامتها مثل عريس في ليلة الزفاف، تتخطر في الغرفة الصغيرة والرجل يتابعها بعينين حالمتين، تلوح بالعلم فوق رأسها ثم تهتف في خفوت، يرفع الرجل قبضته ويرد على الهتاف بالهتاف، ولكن في خفوت. يصمتان لحظة، فثمة في الخارج لغط وضجيج: إنها إحدى شاحنات الجنود تتوقف وقتاً ثم تمضي فيبتعد الضجيج.

       تجلس في الركن البعيد والرجل مصلوب عند النافذة يتأمل العالم الغامض من وراء الزجاج، ثم يقترب منها والعلم مسترخٍ في حضنها مثل طفل ينام، يكتشف دموعاً في العينين، يقرأ دون عناء هواجسها المريرة، يداعب خصلات شعرها وجفن العين والخدين، تخجل من ضعفها المباغت، تمسح الدموع من عينيها، يريح رأسها على صدره، ثم يتمددان على الفراش، يتدثران بالعلم ويشعران بدفء لا يُحد، فلا يأتيهما نوم، يسردان الحكاية تلو الحكاية، ويضحكان.

       مساء اليوم التالي، بعد ساعات مديدة من الصدام الموصول مع الأعداء، كان وحده يتدثر بالعلم، بعيداً عن البيت والزوجة، في مكانٍ ما بين حزن المخيم واتساع السماء.

_________

*روائي وقاص فلسطيني.
من مجموعته “صمت النوافذ”/قصص قصيرة جداً/ منشورات الأهالي/ دمشق/ 1991

شاهد أيضاً

أول تجربة في نقد الأدب الرقمي العربي بطريقة تفاعلية

الدكتور محمد نجيب التلاوي يدشن عهداً جديداً في نقد الأدب الرقمي العربي من خلال استخدام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *