الرئيسية / نصوص / أنزار

أنزار

خاص- ثقافات

*محـمـد لـغـريـسـي

ما أبشــع هذا الصيف المفاجىء يا خطيبتي الموعودة،ما أمرالممرات بين أضلاف الصبار التي اختنقت تحت أحذية القحط الثقيلة،ما أبشع السماء برمادها ودمعها.ما أقسـى صمت الزرع والزارع..
سأخبرك يا نــجــاة..
سأكون واضحا كالشمس معك:
-لايمكن أن نحتفل بسرب الخيول.و قريتنا تشق خدها ،تنتحب كالمطلقــة.
-عندما سيرحمنا ” أنـــــزار”بيـده البيضاء التي لا تنضـب،سترافقــنا عمتي بشحمها ولحمها إلى قاضي الأســرة، ذي العيون الجاحظــة.
– ثقي بجديتي..
– لن أفترس الخميلة، إلا بعد أن أبصم بإبهامي أسفل الوثيقــة الشرعية.
—————
باتت “نــجــاة “ساهـرة كوسادتها:
تردد أذكار الشاطبي وآيات القرمزي وأدعية الصابوني…
وتنسكب الأيام كحبات ساعة رملية أتعبها الصدأ.
يجري النهارثقيلا،بطيئا./
ذلك الفضاء بأطرافه المقفعة لايضحك./
حرارة تلذغ الوجوه.صدور من مادة القـــش،ترتفع وتنخفض../
أنزار.. ارتفع إلى مـعــراج الأضـداد.
“أنـــزار” ترك بين أكـف المزارعات ضــرعا ضامرا،ولبنا يابسا.جلد بالقحـط الخبيث بيادرنا.فـراشـات ملونـة لملمت ألوانها وانتحــرت،مخلوقات ظاهـرة وباطنـة هربـت مذعورة ،وأنا أرى الآن جنــاح بنت عمتي التي أحب ،مهيضا يذبل.
عشنا لحظات سوداء:
شـوينا ربع الذبابــة /
صنعـنا قميصنا من ورقـة طلح./
بعنا الـدار واشترينا من شيخ اللصوص حبـة قـمح وحفنــة قـطرة/
طاردنا الفئران المهتـرئة تحت ضوء القمـر، /
تسـولنا بين الطرقـات ننقـرالقيثارة،/
سرقـنا دكان العشاب،واختلسـنا المطمورة/
اغتنمنا الشهــد في ردف كل عصفورة متسكعة./
با لهذا القحط الطويل..
جعلنا كتاريخ قديم، نمشي على قوائمنا الأربع…
————————-
في طريقي إلى وسادتي،استوقفتني قبة الضريح .
سألتني:
– أما زال المزارعون يسجدون ويركعون.؟
قلت :
– أنت تعلــمين وأنا الا أعلم.
أنت تدركين ما وراء السحابة،
وأنا لا أدرك.
خاطبتني :
– أكاد أعثر في قواطبك المحجبة على علة القيظ، ووقود الضنك،الذي هاجم صيفكم.
سألت :
– وما الـزلة التي تشبث بها ظاهري، وتعلق بها باطني؟
قالت القبة:
انت تخدع عنقود عـمتـك..نــذل ووجهك لا ماء فيه..
قلت:
-لا تؤلميني بالإيحاء.
يهمني ماء الروابي والسهول
سأشـرح لك يا قــبــة الخــرافة والخــريف:
عندما سيغــرد المزن،ويتناثــر “أنــــزار” على أضلاف أشواقي وأشواكي.سأنمو من رماد الفنيق،سألتف ببنت العائلة في ليلة لا تشبه الليالي،وينتهي الكلام.
أجابتني القبة بحدة:
– أكاد أدرك نسبة الملوحة في بحرك وعدد النتوءات في برك.
أنت تنق كناعورة.
تتكلم كصابونة .
تصهل كحمامة.
تنبح كقط .
لمحتك بين الشعاب،تفعل” المسخ ” وراء الحيطان.
وقد رأيتك بالعين التي سيأكل الدود قــشـدتها في دار الفناء:
– رأيتك،
تمشي عاريا في الأسواق والطرقات.. .
سمعتك،
لا تصلي إلا يوم الجمعة،
ولا تقصد أقواس المغفرة ومحراب الإمام إلاعندما تعسر عليك المصيدة وتشتد عليك المصيبة.
أنت نهر غامض..أنت كتاب ملوث..فكيف سينهمرأنـزارعلى المداشـر والمنحدرات.؟
قلت:
– الآن قرأت يا صديقـة المشعوذ والعطار، بعض كتابي..
سأ كون واضحا:
أنا أحلم بخيوط ماية لا تنقطع كالرحمة ولا تنتهي كالخالق.
أهــفـو صبابة لقطـرة طيبة تثلج خاطرالغزالة.
أنا مزارع كما تعلمين.
أفهمت ؟
بعد تغريدة المطر،سيحصد أبي نبتة عرقه ،ويتزوج “إيسلي” ب “تسليت “.
والآن انسحبي..
فخالق المــد والجزر يعرفنـي.
وحده سبحانه رقيب على طويتي.
وحده يصغي لطنين ظنوني واعتقاداتي.
وحده يعلم قـدرالإسراف،وقـدر الطاعة..
—————–
نمت ليلتي في بيت ” تسليت ”
عـمتي عندما يحتــرق البنزين في أعصابها،يتشقــق أنفها إلى سبع أوصاف وسبع طبقات،يختفي زليج مــراكــش من وجهها.عمتي:أنثى فهـد،لا أحد يستطيع أن يعترض طريقها برهــة،أو يغلـق أمام عزمها وجهــة.لذا لا أتجاوز حدود الملة .
أظل ممتدا كالألـف تحت سرير الخطيبة.
متقوقع كالـتاء المربوطــة،
جامد كنقطة صقيع،
ونسائمها تشتمني عن يميني وشمالي.
————
سمعت نــجــاة تشهق قرب وسادتي عنوة.تردد قصيدة” بلـقـيــس “بصوت أنفاسها.ترسم لي تفاحة بقلــم الرصاص.تسوق القافــية بحركة أساورها.تريد أن تلوث إيماني الصافي وتصطادني كسمكة ” سلمون ” صغيرة
أخاف..
أنقــبــض .
أتـــســع..
خاطبت نجاة هذا الصباح..
بحت لها:
-سوف أشد الرحال إن شاء المولى إلى زاويـة ” غــمــارة “.
هناك بين الجبـل الأشهب والواد الأخضر،يصلي شيـخ الخصب ويسجد.هذا الوتد الرباني،لا تخفى عليه خافية،وهوقادر بقدرة القادر أن يزيل عن الديار أقفال الغمة.
سأستجديه بأقـوى صوت في حنجرتي.
سأتسـول ككلب ” القديسين “حول بلغته وعمامته.
سأرتـل التلاوة البغدادية والأصفهانية…
عساه يخـط لي تلك التميمة،لأستقطر السماء العقيمة..
وبعدها ،سنلتف كالحاء ،والباء…
———–
ســرت أهاجـم الغبار العباب بصدري العـاري.أضيء السبيـل بدون شمعـة.وفراق حمامتي يتجلى على خـدي دمعـة.دمعـة.
أواجـه الفـلاة بسيـفي الخشبـي.تارة أستظـل تحت أفـياء وتارة أذوب كما قشدة تحت ضياء.
حتى انتبهت إلى هالة العمامة وشعاع ” اغــمـــارة” ،
كان فوق عكاز الشيخ هــدهــد وعلى لوحه المكنون نكهة نــد.
قلت:
– ياسيدي نزلت على قريتي مدية،
وانغرست في القلب صنارة الغرام.
فهم الشيخ دائي وبلسمي.
كتب بلعابه الشريف تميمتيي.
نصحني:
– طـرحالا إلى قريتك وحمامتك.
ستعصف في طريقك عاصفة وعاصفة.
قد تغرق كصغيــر الإوزة.
وقــد تبلغ إن شاءت المشيئة أمنيــة.
سيحتفل المزارعون بكما،في ليلة ليست كالليالي.
وستصف الحكايا ت ما كــ..ا..ن..
——————–
أبكي.أضحك.
أطوي المسافات كغول.
أركض كذكر الضفدع ،وانا أحلم…أحلم..أحلم..
أحـــ….لـــ…م
خيوط ” أنــزار ” لا تنقطع.وحـل..وحــل..و..حـــ…ــل.
فاضت الأنهار حتى استوطنت أعشاش اللقا لق حذائي.
وصلـــت إلى باب بيتها الذي كان..
طرقت تحت النافدة.انتظرت مدة ومدة.عصفت العاصفة والعاصفة..
والعاصفة والعاصفة..
والعاصفة السابعة..
غمر أنــــزار الرهيب كل فارغ وكل مملوء،استوت لحية الهضاب بزغب الأرض.
كان بيني وبين صنارتي سبعة أنهر.
” تسليت ” تصرخ،
تصرخ..
صوتها الرخيم يعذبني،
يتردد بين دوائر الصدى..
تبكي ” تسليت ” وتبكي العصافير ..
أقفز نحو قطرتي التي تسكن قلبي .أسنان الأمواج تصفعني..
أشد بخصرها الزلق.
يصعقـني التيار ،يقــذف بي كورقة طلح.
مـــوج…في مـــوج …في مــــوج….في مــــــــ…و…ج
————–
ها نحن نغرق معا في مملكة المحار والقواقع والطحالب.
ها نحن نسكن قبرا واحدا..
ترتسم على أقاليم القرية أوشام جديدة..
قحط
خراب
وغراب.
في السنة القادمة..
سيغازل ” آ نــــــزار ” أحفادي،سيحكي لهم تلك الحكاية
—————————————————————————
أنزار هو ملك عنصر الماء من الميثولوجيا الأمازيغية، هو الذي ينزل الغيث على العباد.
أنزار:كلمة امازيغية تعني المطر.
تسليت : كلمة امازيغية تعني ” الخطيبة ”
اغمارة: إحدى قبائل الأمازيغ بشمال المغرب (جبال الريف)وهي فرع من المجموعة القبلية الكبرى مصمودة.
إيسلي: كلمة امازيغية تعني العريس.
_________

*قاص مغربي

شاهد أيضاً

الرُّوبوت 215

الرُّوبوت 215 قصَّة قصيرة[1] الأديب السُّوري موسى رحوم عبَّاس كنتُ سعيدا جدا عندما تلقيتُ رسالةَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *