الرئيسية / نصوص / معطفك الطويل
image-1

معطفك الطويل

خاص- ثقافات

*مريم لحلو 

طول عمري وأنا حجر. يتحرك العالم حوله وهو ملموم.قانعة بحياتي .. نادرا ما يتشقق جسدي عن نباتات عجيبة قاهرة للظلام، وأبقى أحيانا نهبا لحالات غريبة من الذهول والاستسلام. وأحايين كثيرة تتوالى علي الدهشات من الحوادث المحيطة بي من كل جانب .ولكن،هيهات أن يظهر علي أثر لذلك.فأنا كما جميع الصخور لا قلب لي، لا عقل ،لا لسان إلى أن لمحتك قادما من أقصى ذلك الشارع الطويل المنغلقة أبوابه على نفسها بغموض ملغز وساذج في آن،فنانا مهووسا بالبحث عن المعاني المطروحة في الطريق.ولحسن حظك أولسوئه تعثرت بي..
ما الذي رأيته في صخرة مسننة منزوية في حديقة عجفاء تسكنها الأرواح والديم ويتعاقب على زيارتها ليل ونهار حائلان كسهب محترق؟ الأكيد أنها لحظة منفلتة من عقال كل العصور فبمجرد ما لمستني أصابعك الطويلة الساحرة ارتعش فيّ عرق أحمر دقيق. ثم تدفقت دهشتي ودبيب إزميلك يتسلقني.. يدق هنا وهناك في قسوة لذيذة فجرت ملامح متناسقة متناغمة ،وشذبت النتوءات في صبر الأنبياء والأمهات. يتوالى على مسمعي صوت لهاثك الخفيف، وتتساقط حبيبات عرقك المبارك على أطرافي الصقيعية.ولعل بعضا من دمائك كانت تختلط مع قطعي المتناثرة..أحسك تبتعد، تقترب، تراوغ أماكن القوة وتخاتل مناطق الضعف.
تتعثر ،وأنت تبتعد قليلا إلى الوراء،بالطفلة التي افترشت معطفك الرث وهي تراقبك في صمت غريب وقطتها تطوف بيننا .. تعود لتأمل منحوتتك التي حولها حبك وحدبك إلى إلهة للحسن والكمال…لوهلة ظننتَ أنها تتنفس ثم توهمت أن يدها تحركت ومسحت بحنان الجدات شعرك.حدثت نفسك بأن ذلك لربما من آثار التعب والإجهاد، فكرت في أن تسأل البنية الرابضة قربك ولكن استبعدت الفكرة .خفت أن تظن هي أيضا أنك مخبول مثل كل المارة الذين كانوا يقتربون منا بحذر ثم يبتعدون ..
هاأنت تضع اللمسات الأخيرة.. لم يبق لك إلا البؤبؤ والجفنين وأنت تسويهما بيديك الخلاقتين. فجأة رأيتك و هالني الضياء المشع من عينيك ، وغمرني إحساس دافق بالوجع، هو وجع دخول الروح إلى الجسد دون شك كنت قبلا أراك بقلبي عبر أصابعك والآن صرت أراك بكل حواسي التي صنعت.وافرحتا لقد استطعت الابتسام ومن دون شك أن ابتسامتي كانت عالية قليلا إذ رفعت رأسك حائرا باحثا عن منبع الصوت.اعذرني هي ابتسامة امتنان ليس إلا لم أكن أريد غوايتك أوإخافتك. فكل ما تمنيتُه أراك تحققه لي وكأنني في حلم تتحقق فيه الأماني بفعل قوة الرغبات…
تتحرك الطفلة التي هي أنا من زمن آخر  فتقبض على يدك فيسري فيك نور يغشى ما تبقى من أركان الظلمة فيَّ وتقبض على يدي فتسري الحياة في أوصالي المتحجرة.تنظر إلينا في رجاء كي نؤرجحها بيننا.ترددت مخافة أن أتهشم ولكن رجاء الطفلة غلب ترددي..وبَدَونا جميعا وكأننا على حافة التحليق. وتعالت ضحكاتنا ونحن نمضي يتبعنا قطها الأسود..ومعطفك الطويل يتأرجح على كتفيّ..
______

*أديبة من وجدة -المغرب

شاهد أيضاً

يوسف غيشان

حفــل شواء

خاص- ثقافات *يوسف غيشان فور استلامي الثالث عشر ـ وهو راتب إضافي تمنحنا إياه الشركة …

2 تعليقات

  1. أديبة لها أسلوب رائع تجعل سلسلة الأدب الرفيع لا تنقطع في زمن الصحابة الأدبية, وجدة تفتخر بها طبعا

    • ما أسعدني بقراءتك الذواقة أخي المناضل الأبي والصحفي الملتزم بهموم المواطن البسيط وهموم أمته ووطنه.
      تحية تقدير ومودة الأستاذ سعيد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *