الرئيسية / مقالات / مع جلجامش !
d8CSxuq-

مع جلجامش !

*د.زيد حمزة

لم أكن يوماً من الشغوفين المفتونين بالاسطورة او المقتنعين باهمتيها لكني كنت كلما صادفت اشارة لملحمة جلجامش أحس بوخز يستفزني كي اسعى لها واقرأها، وربما لذلك عندما لمحت قبل أيام بين آلاف المطبوعات في معرض عمان الدولي كتاباً بعنوان (جلجامش / ملحمة الرافدين الخالدة) وجدتني مندفعاً لشرائه حتى قبل ان أعلم أن مؤلفه هو فراس السواح المفكر السوري المعروف بابحاثه القيمة في ميثولوجيا واديان الشرق القديم ويعمل الآن استاذاً في احدى الجامعات الصينية وطفقت أقرأ الكتاب اسبوعاً كاملاً مشحوناً بقلق التأمل مفعماً بالمتعة والدهشة والانبهار و.. فرح اكتشاف المزيد من قدرات العقل البشري الذي ما انفك يشك ويسأل ويجازف بخوض غمار المخاطر والأهوال بحثاً عن الحقيقة والمعرفة والسعادة اثناء الحياة وليس من اجل الخلود كما جرى الادعاء كثيراً (… وملحمة جلجامش هي اطول واجمل نص ادبي وصلنا من ثقافة المشرق منذ الألف الثالث قبل الميلاد أي قبل الاوديسة بألف وخمسمئة عام وقد اكتُشفت اواسط القرن التاسع عشر مكتوبة بنصها الاكادي على اثني عشر لوحاً فخاريا في مكتبة آشور بانيبال تحت انقاض القصر الملكي بالعاصمة نينوي، وها هي اليوم تُبعث الى حياة جديدة في ثقافتنا الراهنة يقرؤها الناس في جهات العالم الأربع ليعلموا أن جلجامش لم يعد فحسب ذلك الملك الذي عاش في مدينة أوروك السومرية في زمن ما من تلك الأزمان القديمة وقصته لم تعد قصة فرد عاش دورة حياة خاصة به، بمحدوديتها ومشاغلها الذاتية بل لقد صار رمزاً من رموز الخير بعد الشر وصارت قصته حواراً مفتوحاً حول الشرط الإنساني بعدما ناطح الآلهة ليجلب لنا سر الحياة ومفتاح لغز الموت ومغزى العيش في هذا العمر الضيق ثم مضى في سفَر طويل فوصل مغرب الشمس وسار في باطن الأرض مسار الشمس الى مشرقها، وعبَر بحار الموت فارتاد أرض الخالدين ثم هبط الى اعماق الغمر العظيم ليأتينا بكنز لا يفنى… فهو لا يزال حياً بين ظهرانينا اليوم يلسن بكل اللغات التي ترجمت إليها ملحمته وينتصب كأول شخصية تعلن عن حضورها في استقلال عن الجماعة وعن آلهتها وتعلن ابتداء عصر الانسان الذي يرث الارض ويشق عباب الزمن الآتي كابن بار للإله ، يطمح الى الجلوس عن يمينه لكن ليس كعبد مسلوب واقعٍ في دائرة الميلاد والموت المفزعة شأن بقية الاحياء… لقد كان جلجامش الفرد الحر الوحيد في مجتمع من العبيد لا بل كان ملكاً مطلق السلطان، أقوى الرجال جسداً وأكثرهم ملاحة وذكاء مفعماً بالحيوية والنشاط الدائب لا تهدأ حركته ليل نهار، ولعل هذا التفوق الجسدي هو ما دعا الى الاعتقاد بالجانب الإلهي في شخصيته والعودة بنسبه الى الإلهة ننسون… وقد بحث عن جلائل الأعمال يرضي بها طاقته المتوثبة وجنانه القلق، فبنى سور أوروك أعجوبة عصره ، وعمّر وأشاد فلم يقنع ولم يرض، طغى وبغى لا طغيان الأحمق ولا بغيَ الجاهل الفرح بالسلطان…).

في ملحمة جلجامش (… وجدنا في إنكيدو صورة عن آدم التوراتي ، الانسان الأول الذي تم خلقه من طين وعاش في الطبيعة حياة حرة طليقة قبل ان يلتقي بالمرأة التي نقلته بعد الفعل الجنسي من حياة البداءة والحرية الحيوانية المفرغة من المضمون الى حياة الجماعة والحرية ذات المضمون…) كما عثرنا على القصة الكاملة للطوفان والسفينة الناجية بكل من عليها والقصص الاسطورية الشبيهة بشمشون وأخيل وذي القرنين !

(… إن اكتشاف حدود الكون السحيقة اليوم، واكتناه اسرار الذرة وخفايا البيولوجيا الحية، والهبوط على سطح الكوكب وما الى ذلك من فتوح معرفية هي تتمة للاوديسة الجلجامشية…)

وبعد.. فكتاب فراس السواح (جلجامش / ملحمة الرافدين الخالدة ) يحتوي على مقدمة تاريخية مهمة ودراسة شاملة تلقي الضوء على تطور النص من اشكاله الأولى الى شكله المعروف الأخير، وعلى تأملات في معنى الملحمة ورسالتها الفلسفية والاخلاقية ، وفي الصفحات المئة الأخيرة من الكتاب مسرحيةٌ معدة اعداداً درامياً عن النصوص الاصلية للملحمة، يتعانق فيها الشعر بالموسيقى بغناء الكورس في لوحة استعراضية فنية رائعة تجعلنا حتى ونحن نقرؤها أي قبل ان نشاهدها على المسرح، نطرب ونسعد فنرقص ونغني.. للحياة التي نحيا !.
______
*جريدة الرأي الأردنية

شاهد أيضاً

_16644_151

الكلام مفتاح الحياة

*الياس خوري في فيلم «الأبديَّة ويوم» للمخرج اليوناني تيو أنجلوبولس، (1998)، نعثر على حكاية شاعر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *