الرئيسية / نصوص / ميشيل .. كان الفتى أشجع مِنْ أَنْ يعيش
178724_3_1457550116

ميشيل .. كان الفتى أشجع مِنْ أَنْ يعيش

*محمد الداودية

في ذكرى اغتياله الحادية والثلاثين ميشيل…كان الفتى أشجع مِنْ أَنْ يعيش..

( فصل من سيرة روائية)..

____________

اصطحبني ميشيل في جولة على بيروت، بدأناها حسب طلبي، من شارع فردان بالقرب من المركز الثقافي السوفياتي. قال:

هنا اغتال الموساد الإسرائيلي القادة الفلسطينيين كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار.

خلال أيام زيارتي إلى بيروت التي امتدت أسبوعا من صيف عام 1974، جال بي ميشيل في سيارة الفولكس واجن على مناطق عديدة في بيروت، كانت أولها مقبرة الشهداء الفلسطينيين في شاتيلا.

لما أوصلني إلى المقبرة قلت له:

دعني هنا يا رفيقي ساعة من الزمن. انا أنتظرك في مكتب الفاكهاني اذن. عندي مقالة لمجلتنا، هل تقرأ ‘الحرية’ في عمان؟تصلني بغير انتظام. أحصل عليها من الرفيق سالم النحاس مرة أو مرتين في الشهر.

سألت الحارس عن اللحد فدلّني، قرأت الفاتحة على روح غسان كنفاني، كانت صورته مركونة على شاهدة اللحد، يحيطها أطار خشبي أبيض عريض، يمسك زجاج الصورة، يلتف حوله طوق ساتان أسود متهدل، بادرت إلى شدّه وترتيبه، كان التشقق قد أخذ يدب في الأطار وبالقرب من الشاهد كان إكليل ورد آيل إلى الذبول.

ها هو بطلي غسان كنفاني يطل علي وسيما باسما واثقا طيبا.
كان ميشيل ينتظرني في مكتب الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في الفاكهاني، التي تسمى عاصمة منظمة التحرير الفلسطينية. أشار بيده إلى المبنى المقابل وقال:

هذا هو المبنى الذي نسفه الموساد الإسرائيلي بالتزامن مع عملية فردان قبل سنتين.

وأضاف ميشيل:

إن الهدف من عمليتي الفاكهاني والفردان كان دعائيا بالدرجة الأولى. فالموساد أراد أن يقول للفلسطينيين واللبنانيين والعرب، أنتم ضعفاء جدا، أنتم لا تستطيعون حماية أنفسكم وقادتكم، ونحن نضربكم في قلب عاصمة عربية مدججة بالسلاح، فكيف ترفعون شعارات تحرير فلسطين؟!

قال أحد الرفاق:

كان المقصود الوصول إلى نتيجة نفسية مدمرة، أكثر من الدمار الرهيب الذي تمثل في اغتيال القادة وتدمير المقرات، بما لها من رمزية.

خلال أيام إقامتي في بيروت، اصطحبني ميشيل إلى الجامعة الامريكية وجامعة بيروت العربية ودار الآداب ودار العودة وصحف النهار والأنوار والسفير. وجال بي على الروشة ومتحف سرسق ومتحف بيروت الوطني وساحة البرج ومقاهي ‘الهورس شو’ و ‘كافيه دي باريس’ و’الدولشي فيتا’. وقفنا أمام تمثال الشهداء، قرأنا الفاتحة على أرواح المناضلين الاحرار الذين أعدمهم الأتراك شنقا في ساحة الشهداء عام 1916.

أنهض مبكرا وأهبط درج العمارة إلى الشارع ابتاع الفطور كل يوم. كنافة ساخنة يضعها البائع داخل كعكتين بالسمسم يرشهما بالقَطْرٍ.

ذهبنا مساء إلى المسرح الوطني اللبناني.

خذني يا ميشيل لنرى عظمة الشعب اللبناني. فالمسرح هو الذي يفحص منسوب عظمة الشعوب. نعم. كلما ارتفعت وتيرة النقد السياسي كلما كان الشعب حيّا رحبا عظيما.

حضرنا مسرحية ‘آخ يا بلدنا’ للكوميديان حسن علاء الدين- شوشو، الذي استحوذ على المشاهدين بصوته التهكمي الطفولي وبشاربيه الكثّين الطويلين وبجسده النحيل وبطربوشه اللبناني التقليدي وبثيابه غير المتناسقة وبحركاته الناقدة غير المألوفة.

قدم ‘شوشو’ مسرحية من لون الكوميديا السوداء وصل فيها إلى ذرى النقد السياسي المباشر وكانت القاعة المكتظة بالجمهور تضحك عن بكرة أبيها.

يا رفيق ميشيل، شعب مثل هذا، لديه أحزاب وصحف ومجلات ومسرح وموسيقى وفيروز وشوشو والنهار، لماذا لا يضحك من قلبه ؟!

لما قرر ميشيل التسلل عبر الحدود، تهريبا إلى سوريا فلبنان، تفاديا لإعتقال جديد. جاءني الى المفرق، في منتصف الليل مودعا. كان ثابتا واثقا غير مرتج، كأنه عريس ذاهب إلى عرس.

قلت كأنني أحضّر نفسي لرحلة مماثلة لاحقة:

يا رفيقي، كيف تضمن سلامتَك وطريقَك في هذا الظلام، عبر حدود ودروب لا تعرفها، مليئة بالضباع والذئاب والألغام؟ ومع مهربين يعمل اكثرهم مع مخابرات الأردن وسوريا والعراق؟!سأتسلل مع رفيقين، عبر الحدود الأردنية السورية، يقودنا دليلان أردنيان، هما مهربان محترفان من أبناء المنطقة الموثوقين، الذين يعبرون الحدود يوميا.

وأضاف وهو يتابع ساعته:

الرفاق سيتواصلون معك، فدعنا نتفق على كلمة سر.وأيُّ كلمة سرّ اكثرُ رسوخا في الذاكرة من الأغنية التي كنا ندندنها في مساءات المفرق على طريق جرش؟!عظيم، عظيم، جبتها محمد.

عانقني وقال وهو ينفلت:
يرعاك الله يا رفيقي، أنا متوجه إلى عناق جميل آخر، هو أصعبُ عناق.

كان متوجها إلى منزل الوالدة أم رياض، التي ستحثه، وعيناها تسكبان الدموع الحارقة، على البقاء في الأردن، دون جدوى.

كان الفتى ميشيل، مقداما، جادا، مستعجلا جدا، يتحلى بقدرات تنظيمية كبيرة. كان من أسرع من عرفت في بناء العلاقات وتحمل الضغط الشديد.

حدثني عن تحول كبير طرأ على الفكر السياسي الأردني، قال وهو يختار كلماته ويوزنها:

ظروف التغيير الثوري ليست متوفرة الآن في كل الوطن العربي، وفي الأردن بالطبع. ولذلك فان الحركة السياسية الأردنية التي لم تستطع أن تحدث أي تغيير، في ظل مئات آلاف بنادق المقاومة الفلسطينية، كيف ستتمكن من فعل ذلك؟

قلت:

لقد انهزمت شعارات اليسار الثورية كشعار ‘كُلّ السُّلطة للمقاومة’ المشتق من شعار فلاديمير لينين ‘ كُلُّ السلطة للسوفياتات’، فقد كان قصْدُ لينين هو ان تكون كلُّ السلطة لمجالس العمال والفلاحين والجنود السوفيات.
قال:

إن خروج المقاومة من الأردن، كان زلزالا ومحطة بارزة، تمت مراجعته بعمق، وأخذ الدروس الضرورية، من الأخطاء التي أدت إليه.

قلت:

للأسف إن المقاومة الفلسطينية، تكرر في لبنان نفس الأخطاء، التي ارتكبتها في الأردن، وهي تتورط في مهام حركة التحرر الوطني الاجتماعي اللبنانية، وتغوص في انحيازات عميقة صِدامية، مع فريق لبناني ضد فريق.

قال:

نحن الآن أمام مهمات جديدة للحركة الوطنية الأردنية، أبرزها العمل من أجل التحول الديمقراطي السلمي في الوطن.

كان ميشيل مشغولا في البحث عن أدوات هذا التحول. فإنخرط في لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية في الأردن ضد الأحكام العرفية وأطلق طاقاته في الاتحاد العام لطلبة الأردن وأخذ يبحث عن الروافع الإعلامية والمنابر الصحافية التي تحمل مشروعه.

ساهم بديناميكيته البارزة في انتخابات رابطة الكتاب الأردنيين في بداياتها، مع قائمة الجبهة الديمقراطية، التي كان سالم النحاس عرّابها، ومعه عبلة أبو علبة وإبراهيم العبسي وإبراهيم خليل وخليل السواحري ومفيد نحلة، ضد قائمة الحزب الشيوعي بقيادة محمود شقير ومحمد سعيد مضية ومؤيد العتيلي وناهض حتر.

فاز عام 1975 من قائمة الجبهة الديمقراطية في انتخابات الهيئة الإدارية الثانية ثمانية أعضاء من أصل أحد عشر عضوا كان ميشيل أحدهم.

ولاحقاً، فزتُ في أربع انتخابات لعضوية الهيئة الإدارية لهذه الرابطة، التي كانت قلعة من قلاع مواجهة الأحكام العرفية.

لقد اكتمل بدرُ هذا الفتى، الذي حمل بجسارةٍ وعزم، ودون أن يُصغي للوعيد أو يكترث للتهديد، رايةَ الحريات العامة الديمقراطية في الوطن العربي، وفضح تنكيل الأنظمة العربية بشعوبها في ‘النشرة’ التي أصدرها من قبرص ثم من أثينا، حيث تربّص به القتلةُ المأجورون وأردوه على مدخل البناية التي كان يعمل فيها عام 1985.

اكتسحني حزنٌ اسود وغمرتني كآبةٌ رطبة ثقيلة.
لقد طعن القتلةُ قلبي.

كان صاحبي عجولا جدا، ما كان ‘طير عيشة’ كما قالت أم رياض وأمي، فعاد الينا شهابا ملفوفا بالعلم الوطني. ولمّا حان موعد مواراته الثرى صرخت أم رياض:

محمد داودية اخو ميشيل، هو من يُنزّله في القبر.

صعدتُ على شيء وألقيتُ كلمةً في حشود المشيعين التي كانت تملأ الساحات، بالكاد كنت أرى حروف كلمتي التي كتبتها في الطريق من مطار الملكة علياء حيث استقبلنا الجثمان الى المفرق وأنا في السيارة مع مريود التل وطارق مصاروة، تحدثت فيها عن الفتى الذي ذبحه النظامُ المستبدُ الفاسدُ.

ولمّا عملت سفيرا في أثينا، مطلع عام 2005، حاولت أن اتتبع خيوطُ جريمة اغتيال ميشيل، فكانت أوراقُها متاهة لا مثيل لإِحِكام التضليلِ فيها. كان مقصودا أنْ لا يصل التحقيقُ في تلك الجريمة السياسية، التي يعتبر استمرارُ غموضها، لطخةً في تاريخ الأمن والقضاء والجمهورية اليونانية الهيلينية.
كان مقررا أن لا تكشف أثينا عن المجرمين، ولا عن الدولة العربية، التي تقف خلفهم، فلليونان مصالحُ، وللتستر ثمنٌ و’العلاقات الحسنةُ’ ضروريةٌ في صراع اليونان مع تركيا على قبرص، وعلى النفوذ في بحر ايجة والبلقان.
كان الفتى أشجع مِنْ أنْ يعيش.
_______

*موقع عمون

شاهد أيضاً

15145255_674584596034280_67

أبالسة

خاص- ثقافات *مرزوق الحلبي أحني قامتي اعتذارا لعينيك، من سنتين، لم أكتب لك قصيدة حبّ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *