الرئيسية / قراءات / حياة قصيرة لحسن نجمي واستلهام تراكمات زمن الخراب
349

حياة قصيرة لحسن نجمي واستلهام تراكمات زمن الخراب

خاص- ثقافات

*أحمد الشيخاوي

إلى نفسي.

 أن يستهلّ شاعرنا بمثل هذا الإهداء مدشّنا رابع مجاميعه بما يحيل على  وازع حبّ التملّك المبرّر بنزعة الأثرة والإسقاطات الغيرية على الأنا، وفق صيغة واعية تمنح الآخر دور التشاركية والتفاعل الايجابي،فمعناه أنه يتبنّى لغة خادمة لأسلوبية مغايرة تطبع جاذبية عوالم تحتية عميقة ومترعة بالترميز كمؤشر حيوي على مدى الانخراط في الفعل الإبداعي على مستوى استفزاز طقوس التلقي وتهيئة الذائقة لاستيعاب متتالية سردية مغرقة في خصوصيات سيرة الذات.

إنها معالجات تتمّ من زاوية اندغام الموضوعي في الذاتي والعكس صحيح.

  كأنما المعلومة تجنى من عناصر خارجية تنتظر لحظة فطام أو انفصام واستقلالية على الذات ، سرعان ما يغلفها إحساس الشاعر وتغذيها رؤاه سعيا إلى شعرية مستجلبة لزمن اتزان وتصالح ونفاذ في انطباعات أشدّ تفلّتا من أنانية المنظور بشأن اختزال الموقف مما هو امتداد للأنوية وتكملة مُتخيَلة للعالم.

بمفردات سابحة في اللازمن وملغية لعامل الوقت ، تُنسج شعرية باذخة،تصهرها إيقاعات ذات مشككة في كل شيء تقريبا ، ومستنطقة لحيوات شتى في أدقّ التفاصيل ، ضمن نفس يخمد ليتأجج على امتداد خارطة لتمثلات الخراب.

نصوص قصيرة جدا تتدفق ملونة بياض ذاكرة محاصرة بأزلية الخراب ، لتتخمنا بجماليات النقلة من نرجسية الحالة وأحاديتها وقطبيتها إلى عالميتها وتعددها .

أعلى هذا القدر من الحساسية تكون الموضوعة مدينة للذات في فكّ طلاسم ما هو برزخي مقيم فينا،تكاد تنطق به المعاناة؟

وحدها القراءة المتأنية لمنجز شاعرنا ،تسعف في الإجابة على نظير كهذا استشكال ،يخلط أوراق اللعبة الكلامية ،ويصبغ الفوضى على حواس التخمين وتأول تجليات الموت هاهنا  كثيمة موازية لدوال عتبة الديوان/حياة قصيرة.

“……..

تعالت الشمس عن رؤوسنا.

والشاعر مثل طفل يصطاد الضوء.

يجمع ما سقط من نجوم.

والدّوريّ بلا نافذة.

ظلمة أخرى.

رجل يطفئه الليل.

هنا يمكنه أن يموت بحرية. “

 ………….

” الميتات يخرجن من دهاليز الليل.

ينتشرن في القرى.

مقذوفات من حبال السّرّة إلى حبال الشّنق.

هنّ الميّتات.

اللواتي لم يُكملن سيرتهن.

الميّتات. “

……………

” الآن ، وأنا أمعن النظر في سقف الغرفة ــ

أستطيع أن ألمس موتي، بنظرة. “

……………..

” في البرزخ العابر ــ

يؤاخي المرثيّ بصيد الرّوح.

يمّحي في مساء حكيم. “

…………………..

“في دمي بعض من مطر يُتمك.

جسدانا من ريح تحنّ إلى ينابيعها ـــ

ونتآخى في الغيم.

للسان كل نتوء الخريطة.

ولي أن أثق بالتراب ـــ

كي يُفتح صحو بابك. “

…………………

” والآن نرمّم سماء الحداد. نوقد في الدم ثرياتنا القديمة.

كأننا نكتشف وجهينا. كأننا نعزف جرحنا.وألمسك

كما ألمس جسدا مرسوما.أشمّك كما أشمّ رائحة مستحمة.

وكما لو كنت اتكأت على آلة نفخ تركت أصابعي تعبث

بضوابط النغم.انتشيت.أجبت آهتك الأولى. أحببت آهتك الأخيرة.

أوه ـ كم خفّ جسدك كم خفّ جسدي.’ هل نطير الآن؟وأين؟

هذا الفضاء شاغر وأنا نسيت عمري.جسدان ينامان في حلم.

نصف جسد بلا وجه قرب نصفه الآخر.كأن هذا الليل لابتكار البكاء

ولاسترخاء الكلام. ها تضايقني يداي(كيف أمسك بمرآة صدرك في الليل؟.’

لن أخطئ طريقي إليك.سأتكئ على جدارك ألتمس لي بابا.كم سأقف هنا لينفتح

وردك في الليل.أحلم بصدرك مرآة للوجود.”

هي تمفصلات ستّة وسمت المجموعة لتقربنا من معان جمة تنتصر للإنسان الموجوع حدّ تجريب الموت .

جملة تنويعات تمتح من مقاربات وجودية وتخرج الصورة الفردانية وشخصنة الهمّ من كادر التضييق  والانغلاق إلى مرايا عاكسة لنبض ينتجه الاستحضار القوي جدا ، للرموز والعوالم الموازية وأصداء المتاهات ونكهة الفكاهة.

” أكل هذه الاستطالات لنفق واحد؟

لعل روحك مغلقة؟”

…………………

” فجأة غمرني خراب الزمن.

ولن لا أمكنة في هذا اليباب ــ

بقيت وحدي.”

………………..

” دعك تروض المنفى قليلا

ودعني أداعب مستنسخات الوطن.

في خراب الأزمنة ـ

كم نحتاج إلى كآبة شاعر.”

……………….

“حورية الماء.

الطفلة ـــ الريشة.

……………

والشاعر الذي يقضي مدة حبسه في الانتظار.

وحده الورق يعرف في أي فصل نحن ـــ

ولا نلتقي.”

…………………

” انتبه،

دمنا ــ

ولا بد من جمر في الرماد.”

………………

“يا دليلي ، لم أعرف دما كهذا الدم.

ألسنة بلهاء ولها حكر الكلام.

وهذا الصخر صامت وله ما يقوله.

هو العالم حي فأين اللسان دون رائحة موت.”

……………….

” ضحك ودود ــ

ها..ها.لكنه يخجل الحجر.

وحدها في غبار النعاس ــ

تفيق مهاميزك.

هبة للألفة هذا الضحك ــ

صاح مثل ضوء.

تتفكّه موقظا أفكارا صغيرة ــ

كأنك تحمل رايات حروب.

……….

دعك من موائد لا تشرب كأسك.

دعك من نهارات لا تصحو.

كم في يديك من ضحك.’ “

عبر هذه الفسيفساء المكتظة بأقنعة الإيروتيكية والمنظومة الخطابية المُحاججة وصوفية الأفكار ، راهن شاعرنا على حصان رابح،مكنه من اختصار مسافات المعنى إلى إدراكنا ،فاشتعلت أحاسيسنا بوهج تجارب ليلية تعري انطلاقا من صوت داخليّ قوي ، مشاهد المرثاة والجنائزية والدم،وتفتعل أخيلة ترتع فيها فولكلورية المقابلة بين الأضداد الكونية رصدا لتراكمات كل هذا الخراب.

_____________

*شاعر وناقد مغربي

شاهد أيضاً

almaghribtoday-بليغ

اِسْتِرَاتِيْجِيَّاتُ مَا وَرَاء المَعْرِفَةِ وتَنْمِيَّةُ المَهَارَاتِ اللُّغَوِيَّةِ

خاص- ثقافات صدر عن دار ( نور نشر  NOOR PUBLISHING) الألمانية   كتابا جديدا للدكتور بليغ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *