الرئيسية / مقالات / غفوة بلا سرير

غفوة بلا سرير

ابتهال الخطيب

وقف الشريط في وضع ثابت
دلوقت نقدر نفحص المنظر
مفيش ولا تفصيلة غابت
وكل شيء بيقول وبيعبر
من غير كلام ولا صوت
أول ما ضغط الموت
بخفة وبجبروت في يوم أغبر
علي زر في الملكوت
وقف الشريط في وضع ثابت

صلاح جاهين

ثابت، الشريط ثابت، شريط طويل من الوجوه والأحزان والأشجان، ثابت ثابت، المعنى في كل أجزائه واحد. الشريط ملون، شاجع الألوان، لا بد أن الكاميرا التي التقطت الصور حديثة جداً، مكلفة جداً، فالشريط واضح، الشريط فاضح، واضح وفاضح وواقف، واقف في وضع ثابت. واقف الشريط على حدود المأساة، لا يخطو في رحابها، ولا يتعداها، ثابتة الألوان على الشفاة والعيون، مستقر الاخضرار اليانع في الخلفية، مستوى الرمادي الحزين في مقدمة الصورة. كل شيء جامد، كل التفاصيل ثابتة بشراسة، باستهتار، وكأنها لا تعبئ بالوضع السائد، لقد وقف الشريط في وضع ثابت.

ضغط الموت على زر في الملكوت، فثبت الشريط واستقرت الألوان، الأحمر جنب الأخضر، يعلوهما أصفر، ويتقدمهما الرمادي. تقرفص هي بوجه يبدو أكبر بكثير من عمرها، تصطف أمامها أربعة أجساد صغيرة، لفة بيضاء على الأجساد تخفي قميصاً أحمر، ياقة خضراء، «كركشة» فستان أصفر، وتَثبُت الصورة. لا تتحرك المرأة، لا تتحرك الأجساد الصغيرة، لا يتناثر الركام الواضح في الخلفية، لا تزوبع السماء الصافية، ولا تنفجر الشمس الساطعة المتألقة، لا يحدث شيء، ثابت الأسى وراسخ على خلفية من طبيعة خلابة، أسى لا يبدأ ولا ينتهي، لا تنطلق آهة السيدة التي تكاد تخترق عينيها، لا تتحرك الأجساد الصغيرة الراكدة، كل شيء باق، كل شيء صامت، وقف الشريط في وضع ثابت.

وهنا توغل الزروقة، أزرق ناصع يغطي معظم المنظر، ونقطة حمراء صغيرة تستلقي بارتخاء عند طرفه. شيئ ما خارق الجمال في هذه الصورة، لو أنها تتحرك، لو أن موج الزروقة هذا يتهادى، لو ان النقطة الحمراء تترقرق، ولكن لا شيء، تجمدت اللقطة، ثبتت عند لحظة جرفه بقميصه الأحمر على الساحل الأصفر والزروقة الساحرة تعب المكان، تعب الزمان، تجعل الصورة ثابتة، أزلية، أخروية لا دنيوية، ضغط الموت على زر في الملكوت، ووقف الشريط في وضع ثابت.

وهذه الصورة، مستقرة في بياضها، مستقرة في تفاصيل وجهه المنمنم الصغير. بياض عامر في الخلفية يحجب عنك معرفة المكان، لربما هي الجنة؟ تضيع تفاصيل الصورة في بياضها العامر الغامر، بياض الخلفية، بياض لفة الصغير، بياض أرنبة أنفه، بياض سنه المنمنم المطل من فم مفتوح نصف فتحة، كاد يقول وما قال، كاد ينادي، ثم ضغط الموت على زر في الملكوت، وضغط المصور على زر الخلود، ووقف الشريط في وضع ثابت.

وهنا أعجبني البنفسجي الجميل، ترى متى اشترت هذا الرداء الطويل؟ أكان في يوم يتألق جديداً في واجهة محل في شارع فخم آمن؟ هل تذكر لحظة ما ابتاعته وعادت فرحة به الى بيتها؟ هل كان البيت صغيراً، أكان كبيراً؟ أم أن الذاكرة ثبتت عند اللحظة فما عادت تتذكر؟ تلتفت ذات البنفسجي جهة اليسار عيناها ثابتتان عند أفق لا نراه، صغير لا يظهر وجهه يربض في حضنها، لفته الوردية توافق لون نعلها الفقير. الصورة ثابتة، الصورة واثقة، واثقة من التفاصيل، من الألوان، من الحقيقة، حقيقة تلبس البنفسجي وتنتعل الوردي، حقيقة ملونة، حقيقة جامدة، حقيقة جاحدة. جمدت الصورة وجفت الألوان ووقف الشريط في وضع ثابت.

لماذا لا تتحرك الصورة، لماذا لا تكتمل القصة، لماذا لا تحكي الألوان؟ كل هذا الجمال صامت، كل هذا الحزن جامد، كيف يجمد الحزن؟ كيف استطاعت اللقطة أن تقف على جسده الصغير عند طرف البحر الكبير، والموجة مفروشة أسفل جسده، تبدو قادمة، بل تبدو مغادرة، تبدو غافية بين الجسد البض والرمل الوثير؟ كيف يغفو على شاطئ البحر ها هنا، بحذائه وقميصه وشورته القصير، غفوة بلا سرير؟

أتت اللحظة، تَلون المنظر، ثبتت التفاصيل، تحددت الخلفية، ضغط الموت بخفة وجبروت على زر في الملكوت، دلوقت نقدر نفحص المنظر، مفيش ولا تفصيلة غابت، وكل شيء بيقول وبيعبر، لأن الشريط، الشريط الجاحد، وقف في وضع ثابت.

٭ من شعر بسيط لي نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي

______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

أيُّهما أولى : حياة مجتمع المواطنة أو موت”الوباء” ؟

      (ثقافات)                *  سعيد بوخليط                                                             …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *