الرئيسية / خبر رئيسي / وديع سعادة.. الكائنُ الشّعريُّ المتفرِّد

وديع سعادة.. الكائنُ الشّعريُّ المتفرِّد

إينانة الصالح *

صدر أخيراً، عن دار أبابيل للنشر (دمشق 2016)، كتاب «الأعمال الشِّعرية الكاملة» للشاعر اللبناني وديع سعادة، تضمن دواوينه الثلاثة عشر الصادرة ما بين عامي (1973 2014-)، اعتباراً من عمله الأول «ليس للمساء أخوة» الذي خُطّ باليد ووُزّع باليد أيضاً أوائل العام 1973، مروراً بأعمال أخرى هي: «المياه المياه، مقعد راكب غادر الباص، بسبب غيمةٍ على الأرجح، محاولة وصل ضفتين بصوت، نص الغياب، تركيب آخر لحياة وديع سعادة»، وحتى عمله الأخير «ريشٌ في الريح» المنشور في صفحة الشاعر في النت، دون صدوره مطبوعاً في كتاب.

بقصائد بُنيت على الطبيعة والكائنات في غالبيتها، وبشخصنة الجماد حيناً تمتد السيرة الشعرية للشاعر وديع سعادة بلا انقطاع لتشكّل أدباً انطباعياً يحملُ في مجمله الإحساس بالمشهد وتجاوزه نحو الإحساس بالمادة ومعرفة لغتها الخام، وإنشاء حالة حوارية متخيَّلة تقدِّم من خلالها دلالات وأفكار هي حالة متطورة من الانطباعية تلك التي لا تكتفي بنقل الرؤية برؤية خاصة بل تتعداها إلى خلق عالمٍ جمالي وتخيّلي ينطق فيستنطق القارئ.

بعيداً عن الشكل المتعارف عليه والاندراج تحت المسميات، يقدّم الشاعر وديع سعادة نفسه من خلال قصائده المتجلية بالحرية التامة، والبساطة التي تحمل الفكرة الأعمق عن الإنسان، ومحيطه الضيق بلسان الطبيعة الأرحب، وبقصائد لا تلتزم بمعايير سوى معيار الحقيقة الخالصة، وتتخطاها نحو الحُلم المرجو لجعله حقيقة أخرى قاب قوسين من الحياة.

بالطبيعة وحدها وبمفرداتها الغنية وكائناتها اللابشرية، التي لا تعرف التّصنّع ولا تألَفه، استطاع الكاتب على مدى أعماله كاملة أن يمدّ يده إلى جوف البديهيات وإلى البدائية الحقّة، تلك التي لا يخلو منها أيّ الكائن البشري بنسب متفاوتة، بعد أن عصرَنه الزمن، وأخرج من رحم أمّه الطبيعة ذاتها، ما بين الكائن الفاني والكائن المتحوّل وبمعادلة اللغة القريبة وتفاعل المكان بسياق السّرد، تختلط الأزمنة لتصبح حكاية لا يحكمها الوقت، فما بين الماضي والحاضر والمستقبل فتيل الفكرة الصالحة للإنسان يتّقدُ بلا حدود زمان أو مكان، إنه مِغزلُ الحضور المستمر.

ما بين العدمية المتأرجحة بكونها انصهار حدّ التلاشي بالآخر أيّاً كان والتماهي فيه وبين الأوهام الوجودية التي تخلق حيّزاً من الإدراك الأخّاذ للإنسان وإنسانيته والذي يُعتبرُ كاف الخطاب في أعمال الشاعر وديع سعادة، تبقى عبثيّات التسميات والنظريات النّقدية عاجزة عن تقديم تصنيفٍ لا تحتاجه سلفاً مادّة خارجة عن النّثر المدروس بنثرٍ خام عصيّاً على الزخرفة اللفظية وغنياً بالصور القريبة والصعبة.

الرؤية الجماليّة البصرية

ما بين الواقع الغارق في القسوة والذاكرة المتّقدة بالمشاهد البِكر، يخرج الشاعر من الرؤية البصرية نحو الرؤية الجمالية ومنها إلى خلق عالم آخر أجنحته الجنون والعبث ليخلق سماءً طافحةُ بالرغبة البكر للكائن البشري، بعيداً عن الأقنعة والتأويلات والحقائق والمفاهيم، على الرّغم من وجود محتوى يفوق الحالة الشعرية ووهمها الخاص يُداهم القارئ عابراً المادة الإبداعية بخفّة وغموض.

عندما تبدأ بقصائد وديع سعادة يجرُفك السيل حتى النهاية، لتشعر أن الكاتب هكذا كان متروكاً في سياق اللغة تأخذه أنّى أرادت، مفعماً بكامل حالات التمرد المضمرة، والتي استخدمت الانسياب غايةً في الكشف لترُدَّ القصيدة مكتملة. أنت لا تخرج من عالمك إلى عالمٍ مختلف خارجٍ عنك، بل إنها انصهار بعالمكَ الخاص ولكأنّك نديم هذا الكاتب في وحدته التي تجمعه بالكلّ، لذا فالغياب الصريحُ أو المتخفّي في ضوء القصائد، ليس غياباً بقدر ما هو معرفةٌ أعمق للذات وحضورٌ أقوى للإنسان، إنها حالة الهروب من قمقم الوجع والقسوة والزّيف إلى عالم الـ(أنا) الجمعية.

البنية الأسلوبيّة لنصّ وديع سعادة

تواتر النّص في أعمال وديع سعادة المختلفة، لا يحملُ ولا يحتملُ حالة بيانية معقّدة، بل هو انفعالٌ حقيقي فطري تبْعُده المبالغة والتَّكلّف، فيأتي حِراكُهُ في النّص طبيعياً غير آبهٍ بالنّبرة أو المفردة الصّارخة، إنه كانفعال الطبيعة تماماً تراه فتألفهُ وتعتاده، لكنّه يصلك في العمق ويفعل فعله في داخلك.

– بنص طويل تُحيكه جمله المتعانقة والشفّافة لتشغلَ حيِّزاً متجانساً في نسيج الفكرة الواحدة بسردٍ شفيف لا تشوبه الغرابة، كما في قصيدة (رفاق) وفيها يقول: “لديك ما يكفي من ذكريات/ كي يكون معك رفاق على هذا الحجر/ اقعدْ/ وسَلِّهمْ بالقصص/ فهم مثلك شاخوا/ وضجرون/ قُصَّ عليهم حكاية المسافات/ التي مهما مشت/ تبقى في مكانها/ أخبرْهم عن الجنّ الذي يلتهم أطفال القلب/ عن القلب الذي مهما حَبِلَ/ يبقى عاقراً/ حدّثْهم عن العشب الذي له عيون/ وعن التراب الأعمى/ عن الرياح التي كانت تريد أن تقول شيئاً/ ولم تقلْ/ وعن الفراشة البيضاء الصغيرة التي دقَّت على بابك في ذاك الشتاء/ كي تدخل وتتدفأ”.

– ونصٍّ تفرِّغه المقاطع من السردية نحو الومضة الشعرية النثرية مُعشَّقةً بالطبيعة وموشّاة بالاختزال والتكثيف على غرار الهايكو الياباني وغير متشبِّهة به، كما في هذه المقاطع:”للدم لسان/كلُّ نقطةٍ منه وهي تسقط تقول:/البشرية كلها سقطت”، “الذين بلا أقدام/حين تنظر إليهم بحبّ/يصيرون بأجنحة”، “ناديتُها كثيراً/ولم تأتِ/الحياة”، “وللطريق رئة أيضاً/امشِ عليها خفيفاً/لئلا تختنق”.

استطاع الشاعر وديع سعادة أن ينحتَ على مسار تجربته الشعرية تاريخه الخاص بثقافات مختلفة وبإبداع خاص، لتكون خطاً واحداً لتجربةٍ واحدة جلّ ما يوصّفها استمرارها بروحٍ واحدة وتعتيقُها عبر الوقت لتقدّم المادة الكاملة للإبداع الفردي المؤثِّر غير المتأثِّر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب: الأعمال الشِعريّة الكاملة

المؤلف: وديع سعادة- لبنان

الناشر: دار أبابيل- دمشق- 2016

الصفحات:606 صفحة

القطع: المتوسط

________

* الفجيرة الثقافية.

 

شاهد أيضاً

قصائد الغياب

محمدالغزي *   إلى التي رحلت قبل صياح الدّيك بعد كلّ وداع جديدٍ يأخُذُ الرّاحلون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *