الرئيسية / قراءات / وديع سعادة.. الراوي الواحد بأنفاس واحدة

وديع سعادة.. الراوي الواحد بأنفاس واحدة


حسن نصور

مع الوقت تصير أعمالٌ شعرية كاملة أو دواوينُ لشعراء مكرّسين متاحة على الشبكة، من خلال مواقع خاصة بالشعراء أو من خلال جهات تتبنى نشر الأعمال وإتاحتها للعموم بالتنسيق مع الجهة المعنية. ومن الشعراء مَن صار يفضل، كما هو معروف، النشر الالكتروني المباشر من دون المرور بالنسخة الورقيّة على جاري العادة، ربما لتلافي المآلات النمطية التي أصابت دور النشر وعلاقتها بالمتلقي أو لنظرة ثاقبة لدى الشاعر ترى إلى الشعر المتاح على الشبكة مساحة أكثر مرونة بعد تبدّل صار ملحوظاً أصاب شكل تواصل الشعراء بالمتلقين مع تطوّر الميديا.
لعل أبرز تجربتين في هذا المجال كانتا تجربة الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان (1974) والشاعر اللبناني وديع سعادة. سعادة الذي نشر آخر عملين له مباشرة على الموقع الالكتروني الخاص به، «من أخذ النظرة التي تركتها عند الباب» (2011) «قل للعابر أن يعود لقد نسي ظله» (2012)، والذي نحن، اليوم، في صدد ترقب المجلد الأول لأعماله الكاملة (سلسلة أبابيل، كتب رقمية).
تكاد نصوص الشاعر اللبناني وديع سعادة (مواليد شبطين، 1948) أن تكون نبرة ذاتية متّسقة. بين «ليس للمساء إخوة» (1980) و «قل للعابر أن يعود لقد نسي ظله» (2012) إيقاع بالغ الخصوصية يسم تجربة هذا الشاعر. تجربة هي دواوينُ تعكس في وجه من الوجه، ببساطة، سيرة الذات المفصّلة والمتشظية بين البلد والمهجر في ما يشبه سياقاً كرونولوجياً شعرياً للشخص والراوي/ الشاعر.
قد يكون مفيداً إذ نباشر الكلام عن تجربة سعادة الدخول من بوابة ديوانه «مقعد راكب غادر الباص» (1987). إنه عمل مفصليّ يفتّح الذهن على حساسية التركيب الشعري لدى سعادة قبلياً وبعدياً وعلاقة هذا التركيب بالذات تحديداً. والرؤية، ابتداءً بهذا العمل يعود إلى كونه مفصلاً في الكتابة لجهة تصاعد نبرة الشاعر المنهزمة بحساسيتها العالية واتخاذها سياقاً سوف يظل يتردد في غالب أعماله اللاحقة. نعني تلك النبرة التي تكون رثاءً أو ردحاً مسبقاً لعيش أو انسحاباً من المشهد نحو مساحات أكثر هامشية ومشعة وتحفر في طبقات النثر التحتية. وهي نبرة تعكس في الواقع توطئة الشاعر لانتقاله نهائياً من بلده الذي صار ركاماً إلى المهجر (1988). إنها نبرة تحفزّها مناخات اليأس من مآلات الموطن التي هي خيبات عبثية. عدمية تجد لها متنفساً في المقاطع وتقولب رؤية الشاعر إلى وجود ذاتيّ وموضوعيّ يصير في كل لحظة عبئاً مضاعفاً. «معي في صدري ضلوع ضعيفة/ كانت ترغب يومًا أن تلعب الجمباز/ معي رأس بكامل تجاويفه/ معي يدان صامتتان أرافقهما كل النهار، ثم نتصافح ونذهب إلى النوم/ ماذا يفعل كسولٌ على مدى أربعين عامًا بهذه الأعضاء؟/ وداعًا/ القمر على الماء، رَجُلٌ على الطريق، وشاحنة مسرعة/ نمشي كتفًا على كتف، مصطدمين بأنفاس عمياء/ راكضون راكضون راكضون/ حاملون الحقائب، حاملون الأولاد والنساء، الطاولات والكراسي والمزهريات/ وراكضون/ متسابقون بأقدام نحيلة، بجذوع أشجار مكسورة، وما الداعي؟ مناسبة متواضعة: الحياة/ وداعًا، النافذة أمامي تطلُّ على الميناء، ومغلقة منذ البارحة» (مقعد راكب غادر الباص/ وديع سعادة/ 1987)
ليس في نصوص ومقاطع صاحب (نصّ الغياب) الشعريّة تجريب أو صناعة معجمية شاقة أو شغل لغوي. تبدو جملته سحراً مكتملاً منساباً بثيماته المحددة. كما أننا لا نلحظ تفاوتاً في المزاج لمصلحة ذلك الزخم الداخليّ الحزين والموحش الذي لا يطفو، بحال من الأحوال، على السطح بل يبقى كامناً في أحشاء النصوص ويمارس هذياناته الخافتة والمكتملة على المتلقّي. التنوّع، في هذا الحيز، قد لا يبدو إلا من خلال مساحات جوفية تطغى فيها ثيمةٌ على حساب أخرى في نصّ من النصوص، إنّما يبقى الأصل أنها ثيمات تكون من ضمن النظرة والاحتجاج أو الرؤية الشعريّة الخاصة بالشاعر بحيث لا تفقد التجربة مناخها الاصلي. مثلا، يقول سعادة في النص الاول من «ليس للمساء أخوة»: «الجهات موحشة/ وكثيرة» وفي العمل الأخير «قل للعابر أن يعود لقد نسي ظله»: «الجهة تُحنيه، الجهات ترفعه/ ضربته الريح من اليمين/ فانحنى يساراً/ ضربته الريح من اليسار/ فانحنى يميناً/ ضربته من الوراء فانحنى إلى الأمام/ ضربته من الأمام فانحنى إلى الوراء/ وحين ضربته من كل الجهات/ ارتفع».
الطبيعة أساسية في قصائد سعادة إنما الطبيعة بما هي كنز من الذكرى والحنين إلى المنبت في شبطين. وليس ذاك الحنين النمطي بل هو شكل من أشكال الاشتباك الجمالي مع الغائب الملتهب في أعماق الذاكرة. وهي الطبيعة التي تكون قابلة من خلال لعب لغوية للتمثل والتوظيف في النصوص خارج كاتولوغاتها النثرية المعروفة. إنّها طبيعة وهي ايضاً وجه من وجوه الجسد وضلوعه أو الغرفة أو الجدار أو إنّها الأم والأب و/أو غبار الاصدقاء المفقودين… «بلاد كلّ رجالها/ يغادرون لذلك كانت نساؤها/ يقترنّ بالأشجار. الذين ألِفناهم شجرًا باسقاً/ صاروا قشًّا حين حزنوا».
في العموم يبدو من الصعب إحالة تجربة الشعر إلى تجارب نثرية وليدة كانت فاتحة في النثر من مجايليه. ثمّة، بطبيعة الحال، مشتركات مع بعض هؤلاء المجايلين ممن افتتحوا سيرة النثر المرسل أو ممن استأنفوا كتابة النثر بعد التفعيلة. لكن المؤكد أن نثر هذا الشاعر لا تتكئ على تلك «اللغة المفككة المتفجّرة من الداخل» لغة أنسي الحاج (صاحب لن)، ولا تشبه بحال من الاحوال الغنائيات النثرية الصاخبة، بل تكمن فرادتها من حيث كونها تنجز مجازاتها الفاتنة واستعارتها ببساطة مرسلة تنساب معها سيرة الراوي الواحد بأنفاسه الواحدة. الراوي بمعجمه الدوّار والمقننّ إنما بمخيال بالغ الثراء. ذلك الذي يبرع في دمج غيابه بحضور الآخرين والأشياء والعكس، والقادر على جعل مسافته الشعرية من الأشياء خطاباً ذاتياً متفرّداً أو «تركيباً آخر لحياته».
السفير

شاهد أيضاً

“الفردوس المحرم” لـيحيى القيسي.. كتابة جديدة

( ثقافات ) *إبراهيم عبد المجيد أخذتني رواية ” الفردوس المحرم ” للروائي والقاص الأردني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *