الرئيسية / نصوص / الفَراشة الصَّفراء عَلى دمي

الفَراشة الصَّفراء عَلى دمي


*سيومي خليل


خاص ( ثقافات )
للأسف ، أيتهَا الفَراشات الصَغيرات ، لَمْ يَعد بِهذا المكان زهور تحُمن حولها . للأَسف ، ذبلت الورود ، ودَكت آلة حَديدة هذه الحَدائق ، وخلَّفت وَراءها الغبار . أيتهَا الفَراشات الصغيرات ، بإمْكَانكن أن تَتحولن إلى زواحف ، فالأرض الجرْدَاء بها الكثير من الزواحف ، وبِهَا مُتَّسع للإخْتباء .
أيتها الفراشات الصغيرات ، لَن يَنْحُبَ أحد غيابكن ، فالكل قَد غاب ، أنْتن الوحيدات اللائي مازلت َلكُن نية الطيران .
سأقول لَكُنَّ سرا أخفيته مسيرة هذَا الشُّرود ؛ قَد أخبرتني الريح وهي تحتضر أن الطَّيران لا تَقبَلُه الأرض … ثم مَاتت تاركة لبسا كبيرا داخلي .
كنْت ، أيتهَا الفراشات الصغيرات ، شاعِرات عَظيمات ، لكن رسمكن على الفضاء ، وعَلى رؤوس الورد ، لَمْ يعد يُفْهم ، لأننا فَقدنَا اللغة والرمز ، ولم يَعد أحدٌ منا يهتم بفك شفرة غامضة . لقد إبْتُذلنا ، وانتظرنا أن تُصنع الورود ، وتُوضعَ في الأصص الثمينة ، فالوقت ضيق لِنُواعد جَمالا يحتاج مِنَّا جُهدا كبيرا .
فكرتُ هذا الصباح مُجددا في الطيران ، فالفَراشة الصَّفراء ، التي حَامت حول كأس الشاي الأَسود السَّاخن ، كانت تدْعُوني في غنج . ربما الفَراشة الصفراء قطعت دروبا عديدة ، وأنْهَكها أنها وجدت الإسمنت ، ولا وَردة طبيعة … ماذا رأيت أيتها الفراشة الصفراء فِي كَأس الشاي الأسود ؟؟؟. إنه مجرد ماء وسكر ، مُجرد ورم خبيث أدمنت جسه كل صَباح ، ليس فيه ما يَجذب الذباب ، فأحرى أنْ يُثير انتباه غَادة لها قدك ، وجمال لونك البَراق ، والنزق الذي يشع مِنْ عَيننيك . ما هذا الكأس إلا لعنة تُذكرني أن الليل إنجلى ، وأن صباحا بطَعم المر ينتشر .
أتُعَاني أيتها الفراشة الصفراء كَثيرا لتقبلي ضيافتي على كأس شاي أسود ؟؟؟.
لا بُد أن هناك ورود نستها الآلة الغاشمة ،ولمْ يَنتبه إليها الذبول لتحطي عليها ، وتلاعب ريحك ريحها . لا بُد أنَّ الحدائق الخاصة بِهَا الكثير من الورود ، أم أنَّك تَحتاجين جواز مرور إليها ؟؟؟. لا بد أن هُناك أشياء أجمل من كأس الشاي الأسود ، وأَأنس من مجالستي . ربَّما لأني أفكر في الطيران كلَّما وجدتني ملتصقا بالأرض أكثر ، حَطَطت على كأس الشَّاي الأسود .
سأقول لك أيتها الفراشة الصفراء أَفكاري عن الطيران ، وصححي أخطائي :
فِي فَترة كان فيها ما يُشبه الخنق يَعيش في قلبي جرَبت طَيرانا فَاشلا ، اعتَقدت بمساعدة من جربوه قَبلي أنه حقا طيران ، لكني سرعان ما إكتشفت أنه غياب ، فاللفَائف القاتلة مخَادعة ، توهِمُنا أننا نَطير بدل أن نحس أننا نغيب . كَان هذا الغياب بِطعم الطيران ، لكنه لم يكن طَيرانا .
في تلك الفَترة التي كان ما يُشبه الخنق يعيش في قلبي ، كُنتُ أشعر شعُورا زائفا بأني سيدُ السماء ، أملك الفَضاء ، ومن علياء أَنظر هذا الكَوكب المسمى الأرض ، وأضعه عَلى سَبابتي ، وأديره كأني لاعب كرة سلة مُحترف .
لا أخفِي ،أيتها الفراشة الصفراء ، هَذا الذنب ، وأقوله أمَامك كأنَّك قس في كنيسة قديمة ، وأعترف بما إقْتَرفت في تلك الفترة التي كان بها ما يُشبه الخنق يَعيش في قلبي ، وبِمَا كُنت سأقترف . في صباح زائف كتلكَ الفترة انتبهت إلى غيابي الطويل ، وإلى إقْتِرَافاتي ، وإلى الزيف الذي جَمَّعته حولي ، وإلى الكذبة الغائرة التي تَحولت حقيقة غَائرة : كذبة أني أطير .
في المساء الزَّائف كتلك الفترة التي كانَ فيها ما يُشبه الخَنق يعيش في قلبي ، جمعت حولي الأَصحاب ، وفي ركننَا في المقهى ، كشفت لهم اكْتِشَافي ، وصحت فيهم :
– إننا نَغيب ، ونَحن نعتَفد أننا نَطير . وتركتهم بعد أن قرر كل واحِد مِنَّا أن يبحث عن طيرانه .
أيتها الفَراشة الصفراء ، إن كَأس الشَّاي الأسود الذي طرقت بَابه ، شَاهِدٌ على هذا الخنق الذي جعلني أُخطئ ، وأسمي الغياب طيرانا .
أيتها الفَراشة …
لقد بحثتُ كَثيرا عن أماكن عالية أجعلها منطَلقي ، وكلما خلت مكانا مُنطَلقي ، إلا وجدتُه هُوة ،حفرة عميقة ،لا تصلح إلاَّ أنْ يَسكنها خفاش . حاولت، أيتها الفراشة الصفراء ، أنْ أطير فوق المَحكيات ، والخيال المُتَّقد في الكتابات العظيمة ، لكن للأَسف … كَان هَذا التحلِيق قَصيرا ، خُصوصا عِندمَا أعرف أن هؤلاء المبدعين كَان أغلبهم زاحفا ، وكَانوا يَعملون عَلى صِنَاعة أدبهم ولم يعِيشُوه ، أو فكروا أن يذهَبوا وراءه كما ذهب عشاقُهم . كَان بيتا من الشعر يتحول جَنَاح صقر ، أركبه ، وأطيرُ فَوق عَالمي الصغير ، لكن ما إن أَقرأ نبذة عن الشَّاعر ، حتى يسقط بي الجَناح ، وأتكسر على جرف حَادٍ كما تتكسر المَوجات . أما الذين كانت حيَاتهم كإبداعاتهم الثَّائرة ، فكنت أطير بهم أكثر ، لكني أيضَا أسقُط ، لأن فَكرتي الأَساسية عن الطيران تظهر من جديد وبشكل قوي، وهي تَقول :
– إذا طرت طر بِجَناحيك .
أيتها الفَراشات الصغيرات ، لقد غبتن كَثيرا . وأنا، من غَير أن أجَامِلكن ، كنت نسيتكن ، لولا أخْتُكم الصغيرة هاته . هذه الفراشة الصفراء ذَكَّرتني أنكن موجودات رغم أنَّ الورود إنقرضت ، ذَكرتني أن لكن مَجَامعكن الخاصة ، التي أعيى اقْتِحامها العُشاق وهواة الطيران ومُحبي الأصل .
لم أفْلَح في الطيران ، وما طَيراني إلا نسبي ، لأن أجنحتي مستعَارة . لذا أطلب منك، أيتها الفَراشة الصفراء ، أن تفكري معِي في حَل بعد أن نهرق هذا الشاي الأسود على لحظتنا الوحيدة .
تفضلي بعد تحويمك حولَ الَكأس بالجلوس ، فأنا لا أنتظر أحَدا ، ولم أكن يَومَا في انتِظار أحد وإن كاَنت مهمتي هي الإنتظار .
أتعرفين ، أيتها الجَميلة ، أن أهم شيء أَعتزُ به هو أني كائن منتظر . هذه حرفتي ؛ إنتظرت أن تهل الشمس لأَعرف مَا فَعل الليل بي ، وحين طَال الضوء إنتظرت أن يَخَفف عني الستَار هَذا الكَشف ، وعندما أكلتني رطوبة الكواليس انتظرت أن يسقط فَانوس ضوءه علي … والآن ، كما أوضَحتُ لك ، أنتظر الطيران ، فَلا شيء من كُل ما فعلت أعجبني ، ومَا أريده بشغاف الوجدان ، هو الطيران .
هذه المقْهى التي وجدتني بها ، أيتها الفَراشة الجميلة ، ليست مَقهاي الخاص . لَيس لي مقهى خَاصٌ ، بل لا شَيء خَاص لي ، هذا الهندام ليس خاصا لي ، بَل أنَا لَستُ خاصا لي ،فَأنا مَنذور لهذا الإنتظار يَا عَزيزتي ، أنا ملكه .
تلاحَظين أني أنزوي فِي الرَّكن ، هَذا دَيدني دائمَا . أحب الزوايا كأني خائف من المقدمة ، لكنها حيلتي كَي أرى المَكَان من كل جهة وبُوضوح ،فلا أدري في أَي وَقت سيتقدم الطَّيران ، ولا أدري مَتى أتبعه ، وأشرع في الطيران محلقا فوق رُواد المَقهى ، وفوق هذه النادلة التي يَرهقها الرُّواد بالنظرات الناعسة . أذخن كثيرا كُلما بدت بشائر الطيران على منعرج قريب ، وكمدمني كرة القدم الذين ينتظرون هدفا عَلى الطائر ، أراوغ رأسي يمينا وشمالا والسيجارة بيدي ، عل الطيران يسجل هدفا في مرماي . عندما تضيع قذفة الطيران ، يخيب رجائي ، وأعاود الإنتظار .
يشرف كأس الشاي الأسود على أن يغادر جلستَنا ، أيتها الفَراشة الصفراء . ضاق هذا الكأس بحديثي معك ، ولم يعد مستعدا أن يسمع كل يوم نفس الكلام ، ويعيش معي نفس الإنتظار ، فلا هو يرتاح من كلامي ، ولا أنا أطير وأحقق انتظاري . عرفت كأس الشاي الأسود منذ أيام ، وهذا اليوم بالتحديد فكرت أن أتركه لحاله دون أن أسمعه هرائي ، لكن مجيئك المفاجئ غير نيتي ، أيتها الفراشة الصفراء ،وجعلني أسهب في الحديث معك ، لأني أشك في بقائك هنا ، فأنت رحالة لن يجلسك إلا حب عظيم يجعلك تطيرين ، وأنا الآخر رحالة ، لكن في قطر كأس الشاي الأسود هذا ، لن يرحمني إلا إنتظاري لهذا الطيران .
أيتها الفراشات الصغيرات ، نصحتكن قبلا أن تتحولن إلى زواحف صغيرة ، ذميمة ، وسامة ، تخرج من الشقوق والخشب البارد القديم ، لكن الآن أنصحكن أن تتحولن إلى فراشات بلاستيكية مصنعة ، فالورود البلاستيكية تحتاج إلى أنيس .
يا كأس الشاي الأسود ، أنت صديقي ، فهاهي الفراشة الصفراء غادرتني ، كما غادرتني حببيتي بعد أن إكتشف أني أضع عطرا آخر غير العطر الذي أهدته لي ، وكما غادر صديقي بعد أن شتمت الحياة بضميره ، فلم يفهم مجازي ، ولم تشفع لي كل كلمات الإطراء التي قلتها فيه .
أنت يا كأس الشاي الأسود من يتحمل نظرتي المتجهمة ، وكلامي النابي … أنت صديقي أيها الكأس. أيها الكأس أنت صدقي ، فلأملأنك أيها الكأس ، ولأشربن … لربما هذا الإنتظار الطويل يأتي ، وأطير محلقا ناسيا أن الزواحف تحف بي من كل جهة كما تحف بالميت الورود . وأطير ، وأطير ، وأطير … فما بات صدري يرحب بالأرض ، والهواء لا تتذوق نسائمه العين . هيا أيها الكأس لنأخذ الطريق ، لنخفف هذا الشيء الذي يشبه الخنق في قلبي

شاهد أيضاً

فوقَ سُورِ المدينةِ

(ثقافات) فوقَ سُورِ المدينةِ قصَّة قصيرة الأديب السُّوري موسى رحوم عبَّاس       الرَّفيق غَيْث كما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *