الرئيسية / قراءات / أفلاطون في عصر غوغل.. الأسباب الكامنة وراء عدم موت الفلسفة (2)

أفلاطون في عصر غوغل.. الأسباب الكامنة وراء عدم موت الفلسفة (2)


* ترجمة وتقديم لطفية الدليمي


القسم الثاني
أقدّم في الفقرات التالية القسم الثاني من المراجعة الممتازة لكتاب الروائية – الفيلسوفة ريبيكا نيوبرغر غولدشتاين والمعنون ( أفلاطون في عصر غوغل : الأسباب الكامنة وراء عدم موت الفلسفة ) الذي نشرت القسم الأول منه الأسبوع المنصرم . كتب المراجعة البروفسور كولين ماكغن Colin McGinn ونشرها بصحيفة ( وول ستريت جورنال ) في عددها الصادر بتأريخ 7 آذار 2014 ، ونلمح في هذا العرض مقاربة معاصرة للمفاهيم الأفلاطونية تتناغم مع معضلات حياتنا الحديثة ، ومن الواجب التنويه أن البروفسور ماكغن هو ذاته فيلسوف بريطاني درّس الفلسفة في جامعات مرموقة عدّة مثل : أكسفورد ، روتغرز ، ميامي ، وقد ألّف مايزيد على الخمسة والعشرين كتاباً في مختلف الموضوعات الفلسفية ، وأشيرُ بخاصة إلى كتابه الأقرب للسيرة الذاتية والمعنون ( صناعة فيلسوف : رحلتي مع فلسفة القرن العشرين ) المنشور عام 2002 . 
 المترجمة 
يحتل التمييز بين الإقناع والتأثير القسري موقعاً حيوياً في نظرة أفلاطون : ينطوي الإقناع على مفهوم أنّ ” العقل ” هو ماتمّ إقناعه في حين أن التأثير القسري ينطوي على ضغوطات وانحيازات سايكولوجية ينبغي النوء بأعبائها وهي ليست أكثر من إعلانات دعائية ( بروباغاندا ) واضحة في الإعلانات السياسية ، والتبجّحات المعلنة على الشبكة العنكبوتية ( الإنترنت ) ، والتغريدات التويترية والتعليقات الفيسبوكية الصاخبة ،،، إلخ ، وتمضي السيدة غولدشتاين في التعامل مع الموضوعات العملية فائقة الأهمية في يومنا هذا مثلما كانت مهمة أيام افلاطون ، ولشدّما يعجب المرء بعد تدقيقه لتلك الموضوعات بالمستوى الرفيع من المحاكمة المعقلنة التي تمّ تدريبها بطريقة منهجية صبورة ومنّظّمة بدل الاكتفاء بردّات الفعل العابرة إزاء بيانات التصويت والاستبيانات العامة . 
تركز السيدة غولدشتاين على روح الثقافة غير الاعتيادية التي سادت أثينا القديمة ، وقد أسهبت أيّما إسهاب في وصف الكيفية التي تحدى بها سقراط المفاهيم الأثينية بشأن ” ماالذي يجعل الحياة مستحقة للعيش ” ، وقد ميّز سقراط بحدة صارمة بين الفضيلة الأصيلة ومحض امتلاك صيت حسن فحسب . لايكفي في هذا المقام الاكتفاء بإبداء آيات التبجيل والاحتفاء والاستذكار لشخوص الفلاسفة كما لو كانوا أبطالاً محاربين في اليونان القديمة : إنه لأمرٌ في غاية الأهمية أن نعيش حياة نحوز فيها مزايا محمودة ، وهذا يعني ( من بين أمور عدة ) أن المزايا الطيبة والصيت الحسن يمكن مبدئياً أن يتعايشا معاً . وتأسيساً على هذا الفهم يمكن لشخصٍ ما أن يحيا حياة خيّرة إلى أبعد الحدود ولايلقى مع هذا أي إطراء بل قد يتعرّض حتى إلى اللعن والشتيمة .
اعتماداً على الفهم السقراطي الذي عرضه سقراط في اعتذاره ذائع الشهرة فإن نوعية الفرد الأخلاقية تقع في مرتبة أعلى من الـ ( بوليس Polis ) التي ينتمي لها الفرد ( بوليس : هي المدينة – الدولة في اليونان القديمة ، وهي بمثابة الشكل المثالي لما يمكن أن تبلغه أية مدينة بالنسبة للأهداف الفلسفية المنوطة بتحقيقها – المترجمة ) . كان أمراً بالغ الصعوبة على الأثينيين أن يتقبلوا هذا التفريق بين الفضيلة والصيت بسبب ثقتهم العمياء في المدينة – الدولة المنضوين تحت جناحها ، ويبدو أننا نحن ايضاً نشاطر الأثينيين حساسيتهم تجاه التفريق بين الشهرة والفضيلة . 
تلخص السيدة غولدشتاين أيضاً الاستجابات الدينية والمؤنسنة ( العلمانية ) إزاء المعضلات الوجودية التي نشأت مع عصر العتلة Axial Age ( نحو 500 قبل الميلاد ) عندما بدأت الأسئلة الأساسية الخاصة بالحضارة الإنسانية تتبلور ، وحيث راح الأفراد يتساءلون بجدية ” ماالذي يجعل الحياة الإنسانية تستحق الاهتمام؟ ” ، وقد اندفعت جماعة مُحددة ( ممثّلة بالعبرانيين Hebrews ) في الإيمان بفكرة متخيلة عن إله أوحد يعود إليه كل شأن الحياة الإنسانية في حين أن جماعة أخرى ( هم الإغريق ) أرادت أن يكون للحياة الإنسانية معنىً لصيق بها هي ذاتها وليس بأي شيء آخر بعيدٍ عنها . وتلاحظ السيدة غولدشتاين أن هذا الخيار الأساسي والمهم مازال قائماً حتى اليوم ، وتمضي في التساؤل : هل أن الديانات الإبراهيمية تمتلك نظرة صائبة بشأن ماهية الحياة الطيبة للكائنات الإنسانية أم أن الإغريق هم من حازوا تلك النظرة الصائبة ؟
يوضح أفلاطون في ( جمهوريته ) الرأي القائل أن قيمة الحياة الإنسانية تنطوي على معرفة الواقع الموضوعي المُتسربل بالاكتمال الرياضياتي والجمال الداخلي ، وليست تلك الحياة وقفاً على إرادة كائن علويّ ذي سلطة فائقة فوق- طبيعية لاتفتأ تمارس سلطتها على شؤوننا الحياتية وموقفنا الأخلاقي . إن الحياة الأبدية الوحيدة المتاحة أمامنا – كما يرى أفلاطون – تتهيكل من خلال تمثّل الأشكال الأبدية الدائمة للحقيقة غير المشخصنة ، ويرى أيضاً أن الأبدية ليست مجرد استمرارية في العيش والتنفس إلى الأبد ، وأن الفردوس الأفلاطوني ليس ذلك المكان البهي الذي نرتقي إليه بسلاسة بعد أن نموت بل هو المملكة الوجودية المتفوقة في مزاياها والتي تتخلل ارواحنا ونحن لمّا نزل أحياء ، وربما يوصف أفلاطون بحسب التوصيفات السائدة اليوم بأنه ” متصوّف علماني ” طالما أن القيم الكونية التي بشّر بها تمتاز بكونها سامية مجاوزة للواقع وغير شخصية وتمثل أشياء تستحق التقديس ولكنْ بعيداً عن أيّ ” وسيط ” أو سلطة كهنوتية من أي نوع كان . 
مثلما كانت محاكمة سقراط ومن ثم إعدامه الحادثة الهيكلية الأساسية في المحاورات الأفلاطونية ، فهي لم تزل أساسية كذلك في كتاب السيدة غولدشتاين التي تكتب في موضعٍ ما من الكتاب : ” يمثل أفلاطون سقراطاً آخر من ناحية حفاظه دوماً على مسافة محددة له أزاء أية أزمة شخصية تطوله ويجد نفسه عالقاً وسط جحيمها . لن يدع سقراط الأسف يشق سبيله إليه بعد تلك الجريمة المرتكبة بحقه عقب إدانته بالعقوبة القصوى : الموت ، كما لن يجعل من تلك الحادثة حجر عثرة أمام سعيه وراء الموضوعات الفلسفية التي لطالما ملأت نفسه بهجة ” . أدين سقراط بالجريمة القصوى : اللاتقوى وإفساد الشباب ، وهو الأمر الذي يعني جوهرياً مساءلته المخلصة لمبادئ الحياة الخيّرة – تلك المساءلة التي عُدّت تقويضاً للقيم الأثينية المنتفخة والمتعالية غروراً وخيلاء . عندما سؤل سقراط حول شكل العقاب الذي يراه مناسباً جزاءً لجريمته العظمى اقترح أن يتناول وجبات طعام مجانية في البريتانيوم Prytaneum ( مبنى يمثل القاعة الكبرى في المدينة – المترجمة ) تقديراً لخدماته الطويلة التي قدّمها لمدينته ( كان سقراط قد بلغ السبعين آنذاك ) ، وقد أعتُبِر جوابه هذا صفاقة كبرى ختمت على مصيره بالموت المحتم بعد أن وُجِد مذنباً بالجريمة القصوى وظلّ هو من جانبه يرفض إبداء التوبة عمّا نسِب إليه من جرائم . إن كلّ مافعله سقراط هو أنه ظل فيلسوفاً حقيقياً حتى النهاية كما ظل يتساءل ويتساءل رغم أن تساؤلاته تلك كان يتخللها أحياناً شيء من مُرّ العتاب والشكوى . لم تُبدِ السلطات الحاكمة أي اهتمام بطرائق سقراط التعليمية غير التقليدية وتناست أنه هو من جلب للعالم حكمة أكبر بكثير ممّا فعله أي أحد قبله ، وهكذا أرسِل سقراط للموت لارتكابه جريمة النزاهة المخلصة والمفرطة ، وقد انتُزِعت حياته على يد سلطاتٍ مدنية لطالما تفاخرت بفضائلها التنويرية الديمقراطية . 
ليس من قبيل المصادفة أن قضية سقراط صارت تدعى ( حجّة يوثيفرو Euthyphro Argument ) استناداً لوقائع المحاكمة ( يوثيفرو : عنوان واحد من الحوارات المبكرة الواردة في المحاورات الأفلاطونية ، والاسم في الأصل يعود لشخصية ذات سطوة دينية تجاهد في تعريف التقوى والقداسة بحسب المفاهيم السائدة آنذاك – المترجمة ) . يخاطب يوثيفرو المتباهي المزهوّ بسلطته الدينية سقراط وبثقة مطلقة وحاسمة أنّ المقدّس ينبغي تعريفه بأنه ” ماتحبّه الآلهة ” ، وهنا يشير سقراط بأن هذه المقايسة كفيلة بدفع الأمور إلى الوراء ، وأنّ الآلهة تحب المقدس لكونه مقدّساً أصلاً وليس لكونها هي من تخلع عليه القداسة . إن هذه الحجة السقراطية تشتمل على الفكرة الكلية الأساسية للاهوت والتي يمكنها توفير أساسٍ للمنظومة الأخلاقية كما يمكنها أيضاً أن تفتح الطريق وتجعله ممهّداً أمام التفكير المؤنسن بشأن طبيعة الفضيلة . وهنا تؤشر السيدة غولدشتاين بأن تلك اللحظة في حياة سقراط كانت مفصلية وحاسمة في تأريخ الفلسفة الأخلاقية وفي تطور الحضارة الإنسانية بعامة بعد أن أفصحت بجلاء عن سطوة الفكر العقلاني الخالص وسحره الفاتن . إن الساخرين من الفلسفة اليوم ينبغي تذكيرهم بهذا الإنجاز الفلسفي العظيم الذي أقدم عليه سقراط قبل قرون عدّة . 
لم يصرّح سقراط بأية رؤى إيجابية بشأن ذاته ولم يتردد في تقويض القناعات الراسخة للآخرين ، في حين أن أفلاطون كانت له العديد من الرؤى الشخصية التي مازالت تجتذب أنظارنا حتى اليوم ، وهذه بعض من الرؤى الأفلاطونية التي تستحق عبء المجاهدة لتحقيقها :
– الحقيقة والجمال والخيريّة مرتبطة مع بعضها بوشائج لاتقبل الإنفصام .
– ثمة جمال رياضياتي في الطبيعة يجعل جوهرها قابلاً للفهم .
– ثمة عالم تجريدي من المفاهيم الكلية الشاملة والكاملة بذاتها والتي لايطولها التغيير بخلاف الطبيعة التجريبية للمعطيات الفردية التي نختبرها في حياتنا كل يوم .
– ينبغي للتعليم أن يرتقي فكرياً في مراقي العالم اللامرئي للقيم الكونية الشاملة ، وأن هذا الارتقاء يمكن تحقيقه بواسطة التدريب الرياضياتي الصارم إلى جانب الموسيقى والألعاب الرياضية .
– لابد من استثمار الإحساس الطبيعي الذي يبديه الطفل إزاء الجمال .
– إن نمط التعليم الذي وصفناه أعلاه هو وحده الكفيل بصناعة أفراد أخلاقيين يصلحون وحدهم ( وليس أي أحد آخر غيرهم) للعمل في المرافق الحكومية وتسيير شؤون الحكم .
– الفضيلة تتطلّب المعرفة ، لذا فإن التعليم الصحيح هو مايقود إلى سيادة الفضيلة بطريقة معقولة بعيداً عن أية سلطات كهنوتية تخلع عليها قسراً ثوب القداسة .
– الحياة التي تستحق العيش هي بالنتيجة حياة قائمة على المعرفة .
لسنا جميعنا في حاجة إلى الاتفاق الكامل مع كل هذه المبادئ الأفلاطونية ولكنها في أقل التقديرات ينبغي أن تحوز اهتمامنا لأنها توفر رؤية جديدة للعالم بموازاة الرؤيتيْن الدينية والمؤنسنة ( العلمانية ) اللتيْن حلّتا محلّ الفلسفة الأفلاطونية . قد يكون أفلاطون مات منذ مايزيد على ألفي سنة خلت غير أنه مايزال يعيش من خلال إشعاعات فكره المتلألئ على صفحات كتاب السيدة غولدشتاين.
____
*المدى

شاهد أيضاً

رحلة مع أمين شنار وأويــس القرني

*زياد أحمد سلامة   لنسافر عبر التاريخ، لنعش في القرن الأول للهجرة، وبعد وفاة الرسول صلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *